حرب الاصوليات من واشنطن الى بغداد: هل للعراق مستقبل؟

بقلم: فرانسوا باسيلي

بعد خمس سنوات على الاحتلال الاميركي.. هل للعراق مستقبل؟
لكي نجيب على هذا السؤال الصعب لابد ان نضع اصابعنا اولا على طبيعة الصراع القائم اليوم على ارض العراق والمنطقة المحيطة، وادوار المتصارعين واهدافهم وقدراتهم .
صدام الحضارات التي بشرنا به صامويل هاننجتون في كتابه الشهير بهذا الاسم (The Clash of Civilizations) لا يتحقق اليوم في شكل صراع بين الثقافة الاسلامية والثقافة الاميركية – والثقافة هنا بمعني اسلوب فكر وحياة – كما يروج البعض اليوم فهذا الصراع الذي اشعلته "غزوة منهاتن" حسب ادبيات الاصوليين اتباع بن لادن، من ناحية، وكرسته بعد ذلك عملية غزو واحتلال العراق التي ادارها الاصوليون العسكريون –المحافظون الجدد- انصار الليكود- في الادارة الاميركية وانضمت لها اطراف اخري تحت صبغات دينية شيعية وسنية في جانب وصهيو-مسيحية في الجانب الآخر، هذا الصراع ليس صراع حضارات على الاطلاق فالذين قاموا بغزوة منهاتن لا يمثلون الحضارة الاسلامية في شيء وان ادعوا ذلك وتوهموه، فكيف يمكن لهكذا حضارة بما وراءها من تاريخ وتراث وما تضمه من تنوع وثراء بشري حميم يزيد على المليار من البشر ان يكون ممثلهم هو تحالف طالباني وهابي سلفي يقيم اصحابه – فكرا و فعلا – في الكهوف... من اختار هؤلاء ومن صوت لهم؟
والذين قاموا بغزو واحتلال العراق لا يمثلون الحضارة الاميركية ولا الغربية.
فأكثر من ثلثي الاميركيين ضد هذه الحرب كما ان كافة الشعوب الاوربية بميراثها الحضاري الباهر كانت وماتوال ضد الحرب وخرجت ملايينها للشوارع عدة مرات في كافة العواصم الغربية تعلن رفضها لها.
الصدام الحالي اذن ليس صدام حضارات وانما هو صراع اصوليات.
ان كافة مظاهر واساليب وافكار وادبيات الصراع الراهن تفضح افكار واساليب الاصوليين المتشددين على الجانبين افتضاحا كاملا.
ليس في مظاهر الصراع هذه اية ملامح لصراع حضاري بين حضارات.. وبها كل ملامح وقسمات الانفلات والانفعالات الاصولية فكرا وفعلا بكل ما تتسم به هذه من صلف وحماقة وحقد وسذاجة وانفصال عن الواقع ووحشية ودموية غير مبررة. سواء تواجدت هذه في كهوف افغانستان او في الغرف المكيفة الهواء للمحافظين الجدد في واشنطن.

لقد صدرت في الولايات المتحدة في السنوات القليلة التالية لغزو العراق عشرات الكتب التي تفضح لنا الفكر المذهل الذي كان وراء قرار الغزو والقرارات التالية له في ادارة الحرب والاحتلال. وهو فكر مذهل ليس في ذكائه ولكن في مدي حماقته وجهله وسذاجته الصبيانية الممتزجة بقدر مماثل من الحقد والعنصرية والاستهتار بالانسان وبالانسانية. كما تتسرب الى العلن بين وقت واخر وثيقة تفضح جانبا او اخر من جوانب ذلك الفكر اللذي كان متداولا في اروقة صنع القرار وفبركة الاخبار.
واحدث ما تسرب في هذا المجال هي فضيحة الاجتماعات التي عقدت على اعلى مستويات لمناقشة وسائل التعذيب التي يستخدمها المحققون الاميركيون مع من يقبضون عليهم. وينادي البعض اليوم بتقديم المسئولين عن هذا الى المحاكمة لارتكابهم جرائم ضد الانسانية.. واحد هذه الاجتماعات كان برئاسة كونداليزا رايس وضم رئيس المخابرات المركزية جورج تينانت والمدعي العام جون آشكروفت وغيرهم وتم الاجتماع في البيت الابيض وراح المجتمعون يناقشون بتفصيل غريب ما يجب ان تكون عليه وسائل التعذيب للمسجونين وما يمكن ولا يمكن فعله وشعر واحد فقط من المجتمعين بخطورة وعبثية الموضوع وهو جون اشكروف الذي قال لهم: "لماذا نناقش هذا الامر في البيت الابيض؟ ان التاريخ لن يرحم عملنا هذا"!
ولك ان تتصور ذلك الدرك الاسفل للإنحطاط الذي وصل اليه الامر حتى يجلس رجال –وامرأة- على اعلي سلم السلطة في دائرة الرئاسة وصنع القرار للإمبراطورية الاقوى في العالم وفي التاريخ لمناقشة تفاصيل وسائل وادوات تعذيب المقبوض عليه!
ولكن هذا هو الذي فعلته ثلة المحافظين الجدد التي نظرت وخططت ونفذت الحرب العبثية المأساوية ضد العراق وقد يصعب ان نصدق ان حفنة من الرجال لا يزيدون على اصابع اليدين عددا –لم يخدم معظمهم في اية حرب او حتى معركة او مناوشة صغيرة- بما في ذلك الرئيس بوش نفسه ونائبه ديك تشيني –قد استطاعوا تحويل السفينة العسكرية الاميركية للإمبراطورية الهائلة عن موقعها المدافع عن امن ومصالح الشعب الاميركي الحقيقية وتوجيهها نحو تحقيق اوهام ومغامرات بالغة الطيش والرعونة متوهمة القدرة على زرع الديمقراطية في اراض صخرية بطرياركية (ابوية) قبلية لها مناخها الخاص المختلف وتحلم احلام المراهقة الفكرية بتغيير العالم واعادة تشكيل الشرق الاوسط وتأهيل وتربية شعوبه وباعادة خلقها على صورتها ومثالها هى. ولكن الواقع المذهل لكل ما احاط بغزو العراق وما جري به بعد ذلك هو واقع اشد غرابة وغلوا من اي خيال.
واستطاعت هذه العصبة من الاصوليين المحافظين الجدد اشعال حرب راح ضحيتها حتي اليوم – بعد خمس سنوات – أكثر من نصف مليون قتيل واضعاف هذا من الجرحي واربعة ملايين من اللاجئين المهجرين خارج وداخل العراق وتخريب كامل لدولة كاملة بكل ما بها من بنيات تحتية وفوقية واجهزة ادارات ومؤسسات وموارد وثروات ومدن وبلدان وطرق ووديان ورجال ونساء وشباب واطفال وطيور وزهور وانهار وآثار. اذ تسببت هذه العصبة من الاصوليين الحالمين الدمويين في تدمير ليس حاضر العراق فقط بل وتاريخه ايضا حينما امتنعوا عن حماية آثاره التي كانت تنهب امام اعين الجنود دون ان يحركوا ساكنا.
احدث من ظهر على السطح من هذه العصبة هو دوجلاس فايث، الذي كان مساعدا لنائب وزير الدفاع بول وولفوفيتش. وقد اصدر فايث كتابا مؤخرا بعنوان "الحرب والقرار"- War and Decision يسجل فيه من وجهة نظره الاحداث واسلوب التفكير والتبرير الذي كان متداولا في البنتاجون وادي في النهاية الى قرار شن الحرب. وقد ظهر فايث في البرنامج التلفزيوني الشهير "ستون دقيقة" في ابريل 2008 ليروج لكتابه.
وحينما تشاهد الرجل واسلوب اجابته لاسئلة محاوره المتمكن تعرف لماذا قال الجنرال تومي فرانكس –الذي قاد الجيش الاميركي في عملية غزو العراق ثم استقال مع بداية انكشاف حجم المستنقع الذي اوقعوه فيه – قال عن دوجلاس فايث هذا انه "اكثر الاشخاص غباء على وجه الارض" مستخدما كلمة بذيئة تبدأ بحرف "إف" بالانجليزية استحي من ترجمتها. وقد يستغرب البعض كيف يمكن ان يكون هؤلاء "اغبياء".. ولكن هؤلاء يعانون عادة من نقصان فادح في الذكاء العاطفي "Emotional Intelligence" ومن خصائصها عدم تفهم الاخر والشعور بمشاعره مع اختلال المنظور للذات والوقوع في وهم تضخيمها او تقليصها بلا مبرر واختلال الاحساس السليم بواقع الامور وخلط الوهم بالحقيقة ويؤدي هذا الى الوقوع في اخطاء فادحة كتلك التي وقعوا بها من توهموا ان العراقيين سيستقبلون الجنود الاميركيين بالورود، ووهم انهم قادرون على زرع الديمقراطية ونشر الحرية واعادة خلق الانسان بوصفة سحرية يكتبونها هم بلغة اجنبية وفكر اجنبي ومعتقدات اجنبية.
ولكن الغباء العاطفي ليس سوي احد خصال هذه العصبة اما الخصال الاخرى فأهمها الكذب والاحتيال بقلب بارد وعين لا تطرف، وهكذا رأينا كيف فبرك هؤلاء اكاذيب اسلحة الدمار الشامل وعلاقة صدام بالقاعدة واحداث سبتمبر وانابيب اليورانيوم المخصب وعددا اخر من الاكاذيب التي كانوا قد اطلعوا على ما يثبت بطلانها لكنهم استمروا في غيهم لتحقيق هدف ضرب وتحطيم العراق وازالته من على الخريطة والاستيلاء على نفطه وتقديم هذا كله كنموذج لما يمكنهم فعله بالمنطقة التي اعتبروها حقا مشروعا لهم. ورأي هؤلاء في القوة المسلحة وحدها اعلي المبررات والشكل الامثل للحق والعدل والمشروعية فرغم اعتراض شعوب العالم كله تقريبا قرروا المضي قدما مانحين انفسهم ماهو اعلي من المشروعية العالمية والاسانيد الدولية وراحوا يظهرون استهتارا واحتقارا هائلا لهذه كلها فألقوا بمن وجدوهم امامهم في معسكرات غوانتانمو دون محاكمة ودون الالتزام لا بالقانون القضائي الاميركي ولا بمعاهدة جنيف، مخترعين لهم قانونهم الخاص الذي هو في الواقع قانون الغاب وحدها.
ان اسلوب تفكير هؤلاء وخطابهم ولغتهم وشعاراتهم ونمط منطقهم وغيهم واصرارهم المذهل على صواب موقفهم حتي بعد اتضاح الاكاذيب وافتضاح المؤامرات– فما زال دوجلاس فايث يؤكد انهم كانوا على حق في غزو العراق حتي ان محاوره في برنامج 60 دقيقة لم يتمالك نفسه من الاندهاش الشديد –اسلوبهم هذا هو بعينه اسلوب الاصوليين.. والاصولية هي اساس فكر المحافظين الجدد منذ راعيهم الاول ارفنج كريستل الذي نشر مقالا عام 1979 بعنوان "اعترافات محافظ جديد" وزميله نورمان بودهرتز محرر مجلة "كومنتري" - لسان حال الجالية اليهودية الاميركية لمدة خمسة وثلاثين عاما، واليوم ماتزال "كومنترى" و"الويكلي ستاندارد" اهم مجلات المحافظين الجدد، بينما يترعرع فكرهم في اروقة مؤسسات خاصة لها تأثير هام في دوائر صنع القرارا ومنها اميركان انتربرايز انستيتيوت AEI .
وفي بداية عهد بوش اتهمه المحافظون الجدد بأنه ليس مناصرا لاسرائيل بالقدر الكافي فأطلق بعدها على شارون لقب "رجل السلام"!

لا يمثل هؤلاء الاصوليون المحافظون الجدد المؤمنون بضرورة الحرب كأداة لنشر المصالح الامبراطورية لاميركا كما يتوهمونها الا انفسهم وقد استطاعوا التأثير بشكل هائل على الية صنع القرار الرئاسي لوجودهم في اماكن حساسة نافذة وبتأييد الكثيرين من حلفائهم في الميديا واستطاعوا لفترة اقناع اغلبية الاميركيين بأكاذيبهم مستخدمين فزاعة سبتمبر اليفين حتى افتضحت اكاذيبهم مع استمرار الوضع المأساوي في العراق فلفظهم معظم الاميركيين الذين انفضوا من حول بوش ولن يكون لهؤلاء وجود مماثل في ادارة يحكمها الحزب الديمقراطي اذا ما نجحوا في الوصول للبيت الابيض.
ليس غريبا على اصولية المحافظين الجدد ان تكون هي البادئة بالنظر الى العراقيين على اساس طائفي بحت فكانوا يتحدثون دائما بخطاب طائفي وعرقي لا يلهج سوى بالفاظ الشيعة والسنة والاكراد ومنحوا رئاسة العراق للأكراد ورئاسة الوزراء للشيعة فيما قاموا بقرارات الحل والاجتثاث الفادحة التي قاموا فيها بحل الجيش والشرطة واجتثاث البعث وطرد معظم الموظفين والاداريين من مناصبهم لنزع كل مكونات الدولة والنظام والامن من العراق والعراقيين وفي هذا يتضح المزيج المدهش من الغباء والعنصرية والحماقة والحقد المتمثلة جميعها في هذه القرارات الطائشة.
فحتى النازية بعد غزوها لفرنسا واحتلالها لباريس لم تقم باجتثاث كافة مؤسسات الدولة وموظفيها بل اعتمدت عليها في محاولة تسيير ادارتها للبلاد. ويتضح من هذا كيف ان هذه القرارات الخطيرة لا يمكن ان تصدر عن عقلية عسكرية منتظمة ومدربة وواعية وانما فقط عن عقلية اصولية منغلقة على ذاتها وفكرها مهووسة باوهامها الصبيانية الهوجاء وحقدها وعنصريتها التاريخية ضد الآخر المختلف عنها حضاريا وعرقيا ودينيا.
امام هذه الاصولية المتطرفة الحمقاء للمحافظين الجدد في واشنطن النافذين في ادارة بوش تقف اصولية مضادة متطرفة تدعي انها ممثلة للإسلام والمسلمين وتستخدم لغة وخطابا متهرئا واسلوب صراع يعتمد العنف البدائي المجرد من ملامح اية استراتيجية تصل به الى هدف محدد. وقد تحول العراق الى ساحة لصراع الاصوليات وفي لقاء اجراه مذيع الجزيرة احمد منصور مع احد قادة المقاومة –جيش الاسلام- اذيع في ابريل 2008 قال المتحدث باسم المقاومة الاسلامية انهم حاربوا رجال القاعدة في العراق . ولما سئل لماذا قال لانهم ارادوا ان يفرضوا علينا ان نعلن تبعيتنا لامارتهم وان يعلنوا الخلافة في العراق ونكون نحن العراقيين خاضعين لهم. وهكذا راح الفريقان يتحاربان فانظر الى اي حد من الهوس يتحدث هؤلاء ولا يرون في الامر كله سوي خلافة ومبايعة وامارة وهم الذين يروجون للخطاب الطائفي ضد الشيعة حتى وهم في هذا الظرف الخطير فهؤلاء لا شفاء لهم من الاصولية السلفية وعاهاتها المتفشية في اسس فكرهم وثقافتهم.
ومع هؤلاء رأينا كيف اصبح آيات الله ورجاله من الشيعة هم من بيدهم الحل والربط لملايين العراقيين الشيعة وكيف ايد بعض هؤلاء الاحتلال الاميركي بينما استخدم البعض الاخر السلاح لاخراج السنة من احيائهم حتى اصبحت بغداد ذات اغلبية شيعية في معظم احيائها.
وبين الاصوليين الشيعة والسنة رأينا تفجير المساجد والاسواق والمتاجر.
فهل للعراق مستقبل وهو قد صار مسرحا خطرا لصراع الاصوليات القادمة اليه من الخارج شرقا وغربا والنابعة من داخله ايضا تحمل العداوات التاريخية والاحقاد والحماقات الدموية؟
حينما دخل الانجليز مصر حاولوا سياسة فرق تسد ولكن المصريين بزعامة سعد زغلول تصدوا لها وتلاحم الاقباط والمسلمون في مقاومة المحتل ولذلك لم تحدث فتنة ولم تنقسم مصر على نفسها. لقد تخلصت مصر في النهاية من الاحتلال لانها لم تسقط في مستنقع الاصولية وواجهت الانجليز بفكر حديث وعقل منفتح وتلاحم شعبي يعلو فوق الطائفية.
ولن يكون للعراق مستقبل الا اذا اتبع نفس النهج. فرانسوا باسيلي
كاتب من مصر يقيم في نيويورك fbasili@gmail.com