حرب إسرائيل، أم مأزق إسرائيل؟

بقلم: ماجد كيالي

تؤكد الحرب الهمجية المفتوحة التي يشنها الجيش الإسرائيلي، على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بأن كل وسائل الترغيب والترهيب التي اتبعتها القيادة الإسرائيلية طوال عام ونصف، والمتمثلة بتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وفرض الحصار الاقتصادي عليها وتدمير المؤسسات والبيوت وجرف المزروعات والطرقات، فضلا عن عمليات الاغتيال والتقتيل الإرهابية، لم تفلح في كسر إرادة المجتمع الفلسطيني وفرض الاستسلام عليه.
كما تؤكد هذه الحرب بأن قادة الكيان الصهيوني لا يأخذون بجدية العالم العربي الذي تقدم قبل أيام بمبادرة سلام، في مؤتمر القمة الذي عقده القادة العرب في بيروت، مؤخرا، وأن السلام برأيهم هو السلام الذي يأخذون به جوائز عن جرائمهم المتمثلة باغتصاب الأرض وتشريد الشعب ومصادرة المياه وارتكاب المجازر الجماعية هذا السلام الذي يمكن فرضه بالقوة، بالسلاح الأمريكي وبالدعم السياسي الأمريكي.
وفي الواقع فإن الحرب الإرهابية التي تشنها حكومة شارون تعكس المأزق الكبير الذي تمر به دولة إسرائيل التي لم تستطع، بعد أكثر من نصف قرن على اصطناعها، أن تتصالح مع ذاتها بسبب من تخبطها بين علمانيتها ودينيتها وبين حداثتها وغرقها في الأساطير القديمة ـ العنصرية وبين كونها دولة لمواطنيها وكونها دولة ليهود العالم وبين انتمائها الشرق أوسطي واعتبارها لذاتها امتداد للغرب في المنطقة، وبين اعتبارها دولة وظيفية (عدوانية وحربية) أو تحولها لدولة عادية.
والنتيجة هي أن هذه الدولة التي لم تستطع تسوية أوضاعها بتحديد هويتها وطابعها وترسيم حدودها البشرية والجغرافية، لم تستطع، أيضا، أن تحسم خيار التسوية مع الآخرين، بسبب من أيدلوجيتها العنصرية العدوانية، وغطرسة القوة التي تتملكها، وبحكم التغطية والدعم الذين تلقاهما من الإدارة الأميركية، خصوصا وأن التسوية مع الخارج ترتبط بنضج المجتمع الإسرائيلي وحسمه لخياراته الداخلية ـ الذاتية.
وتؤكد الأحداث الراهنة بأن عملية التسوية التي كانت تتوخاها إسرائيل كانت تفترض إخضاع العرب، وخصوصا الفلسطينيين، لاملاءاتها، المتمثلة بالاحتفاظ بأكبر قدر من الأراضي، لأغراض الاستيطان والمياه والأمن، مع التخلص من عبء السيطرة على أكثر من مليوني فلسطيني، ترى فيهم الدولة العبرية خطرا على طابعها الديمغرافي، كما ترى فيهم تشويها لهويتها وتشكيكا ب"ديمقراطيتها" وتهديدا لأمنها واضعافا لصدقيتها الأخلاقية على الصعيد الخارجي.
أما التسوية مع الجانب العربي فكانت إسرائيل ترى فيها مجرد مكاسب يعترف فيها العرب بحقها في الوجود، وبرؤيتها لتاريخ المنطقة، كما كانت ترى فيها محاولة للتحكم بمستقبل المنطقة لصالح الإمبراطورية الصهيونية: الأمنية والاقتصادية من خلال النشاط الاقتصادي، وتسخير الثروات العربية: المالية والنفطية والبشرية لصالح "العبقرية الإسرائيلية"، على حد تعبير منظر "الشرق الأوسط الجديد"، شمعون بيريز الحائز على جائزة نوبل للسلام وزير خارجية شارون وشريكه في العدوان الإرهابي!
المهم أن الحديث عن مأزق إسرائيل، وهي في أوج قوتها، يبدو مستغربا لدى البعض لأنه يخالف الواقع الذي تظهر عليه من الوهلة الأولى، ولكن تفحص هذا الواقع يؤكد ما ذهبنا إليه فإذا أخذنا عامل القوة فإنه لا يوجد أي تناسب بين قوة الفلسطينيين العزل، إلا من الحجارة والأسلحة الفردية، وبين الجيش الإسرائيلي الذي يعتبر من أقوى الجيوش في العالم وأحدثها تجهيزا، من الناحية التكنولوجية، والذي يستخدم طائرات الاف 16 و15 ومروحيات الأباتشي ودبابات الميركفاه، بأصنافها، ضد الفلسطينيين، المعزولين والمحاصرين، والخاضعين للاحتلال أصلا.
أما على صعيد صراع الإرادات فإن إسرائيل لن تستطيع كسر إرادة الشعب الفلسطيني، لأن التجربة التاريخية تؤكد بأنه لا يوجد جيش احتلال يستطيع قهر إرادة شعب. وبدوره فقد أثبت الشعب الفلسطيني، بأنه، على هذا الصعيد، تأكيد حي لهذه القاعدة، فقد نهض كفاح الشعب الفلسطيني، المعاصر، من بين خرائب النكبة، مؤكدا فشل محاولات إسرائيل تغييبه فارضا ذاته على الخريطة السياسية وفي المعادلات الدولية والإقليمية والإسرائيلية، وطوال مراحل الصراع لم تستطع إسرائيل كسر إرادة المقاومة والتحرر لدى هذا الشعب، برغم ظروفه الصعبة والمعقدة والفريدة من نوعها.
والأسئلة التي تطرح نفسها هنا هي: عن أي انتصار ستتحدث إسرائيل؟ وعن أية معركة؟! ثم ماذا ستفعل إسرائيل بانتصارها هذا؟ هل ستعود للسيطرة على ثلاثة ملايين فلسطيني؟ وماذا بعد ؟ وفي أي وضع ستكون عليه هذه الدولة الإرهابية الاستعمارية العنصرية؟
الآن وبغض النظر عن مسارات الحرب التي تشنَها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني فإنه ثمة عدة حقائق لابد من التأكيد عليها وهي:
أولا، أن الشعب الفلسطيني لن يختفي وإسرائيل لن تستطيع كسر إرادة هذا الشعب مهما كانت جبروتها، وبالتالي فإن الدولة العبرية لن تتمكن من ترجمة "انتصارها"، وفي المقابل فإنه بالنسبة للشعب الفلسطيني، الراسخ في أرضه، فإن هذه الحرب هبي مجرد مرحلة من مراحل كفاحه الطويل والعنيد لفرض إرادته على عدوه؛
ثانيا، لن تستطيع إسرائيل ومعها الإدارة الأميركية التبجح بأن تاريخ العرب، والفلسطينيون خاصة، هو تاريخ الفرص الضائعة فقد قدم العرب كل ما عندهم لعملية التسوية، ولكن إسرائيل (بحكومتها ومجتمعها المتطرف وبليكودها وعملها ومتدينيها) هي التي استهترت بهذه الفرص وعملت على تقويضها، بسبب من طبيعتها العنصرية وغطرسة القوة التي تتملكها وبالدعم الأميركي المحيط بها، وبذلك فإن إسرائيل هي التي قوضت اتفاق أوسلو، برغم كل الاجحافات المتضمنة فيه بالنسبة للفلسطينيين، وهي التي قضت على المبادرة العربية التي تبناها العرب في قمتهم في بيروت مؤخرا؛
ثالثا، لقد أعادت إسرائيل الصراع إلى دائرته الصفرية، أي ليس إلى ما قبل مدريد أو أوسلو، وإنما ربما إلى جذوره الأولى، إلى مرحلة النكبة، فالصور التي تبث على الهواء تنشّط الذاكرة وتذكر بأبجديات المشروع الصهيوني وتثقف الأجيال العربية الجديدة بثقافة الصراع وبتحدياته؛
رابعا، بينت وقائع العقد الماضي من عمر التسوية، بأن القضية مع إسرائيل لا تتعلق بمجرد إبداء العرب لنواياهم الحسنة أو تقديمهم مبادرات سلمية تجاه إسرائيل، وإنما تتعلق بدفاعهم عن مصالحهم وعن حقوقهم وبنائهم مقومات حماية هذه المصالح والدفاع عن هذه الحقوق؛ ويؤكد هذه الحقيقة سلوك الإدارة الأميركية المتواطئ مع الحكومة الإسرائيلية ومع عدوانها على الشعب الفلسطيني؛
وفي هذه اللحظات التي يواجه فيها الشعب الفلسطيني مصيره ببطولة وبشجاعة نادرة، دفاعا عن حقوقه وعن أرضه ودفاعا عن كرامة الأمة العربية.. في هذه اللحظات التاريخية التي يقف فيها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عزيزا شامخا صامدا ..محط أنظار شعبه وأمته وكل أحرار العالم، لا يسعنا إلا أن نخاطب الشعب المحاصر بكلمات شاعرنا محمود درويش:
حاصر حصارك لا مفر..
أضرب عدوك لا مفر..
لم يبقَ إلاك..
حاصر حصارك بالجنون وبالجنون وبالجنون..
فإما أن تكون أو تكون.. ماجد كيالي