'حرامي الفيل' .. مسرح الطفل وعبقرية الطرح

مشوقة للطفل

صدرت عن دار الحضارة العربية بالقاهرة مؤخراً مجموعة مسرحية من ثلاث نصوص للأطفال للكاتب صلاح شعير، والمعنونة "حرامي الفيل"، والمجموعة حية، وحيث إن المسرحية ذات الفصل الواحد هي الأكثر تداولاً في مسرح الطفولة وذلك رعاية لانتباه الأطفال وقدرتهم علي استيعاب الحدث المسرحي وتشويقهم إليه من خلال مجموعة من التوابل الفنية، تعكس هذه المجموعة عبقرية الطرح المسرحي عند صلاح شعير.

والمسرحية التي اختار الكاتب عنوانها عنواناً للمجموعة المسرحية "حرامي الفيل" مسرحية متماسكة بها وحدة تنظيم درامي من خلال الحرص علي خط درامي واحد مع إيجاد تنويعات أو مواقف أو تفريعات لكنها تخدم الخط الأصيل الذي يتم العودة إليه دائماً وإثرائه بمواقف طريفة مسلية للطفل وتخدم القيمة في الوقت ذاته، على التفصيل التالي:

تدور مسرحية "حرامي الفيل" حول حادثة غامضة لسرقة فيل من حديقة حيوانات الجيزة واتهام أحد العاملين بالحديقة وهو مهندس الإنشاءات بالحديقة والمخترع أيضاً طيب القلب "شفيق" والمحب للحيوانات بسرقته، كما تم توجيه الإتهام له أيضاً بسرقة مبلغ مالي من البنك الأهلي المصري، ويستمر الحدث حتى تبرأته واكتشاف السارق الحقيقي "عمران" حارس بيت الفيل.

ويدور الحدث الدرامي بصفة أساسية حول مظاهر متعددة من الفساد، وتعريف الطفل بوجود الشر في الحياة، وأهمية مجابهته بالخير، وهي نظرة واقعية لا يجب تغييب الطفل عنها أو معالجتها من خلال "الصراع الضحل"، حيث يذكر خبراء مسرح الطفل "أن هذا يشكل نقصاً فادحاً، بمعني أن هناك اعتقاداً ليس صحيحاً في المسرح الذي يكون متفرجوه من الأطفال أن الشرير يجب ألا يكون مفزعاً جداً، أو أن يكون ضعيفاً أو عاجزاً، أو ظاهر الحمق، فيهزم نفسه بنفسه بحماقته تلك، وقد يصل الأمر ألا يكون موجوداً أصلاً"، ويصفون ذلك "بتمييع العمل الدرامي ويمحون معه مبرر بقاء الخير وبطولته من الأساس".

ولم يُستدرج الكاتب لهذه الفرضية الخاطئة، فنجد التجسيد لقوة الشر وعنفوانه من خلال الإرشاد المسرحي وما أعقبه من حوار كما يلي: "إظلام مع موسيقي مثيرة للخوف والحزن، فلاش باك من خلال شاشة عرض تظهر مع عودة الإضاءة حيث عمران يجلد الفيل وهو يئن بصوت مكتوم، والصقر يقف على مقربة منه يبكي حزناً علي الفيل، عمران على شاشة العرض وهو يحرك الكرباج في الهواء وينهال علي الفيل ضرباً مبرحاً:

- أنا لازم أخلص عليك فيل غبي، قال عاوز ياكل 140 كيلو خضراوات في اليوم لوحده، المفتري بيشرب 150 لتر ميه بحالهم لوحده، وطول النهار يلعب مع الأطفال أنا مش فاهم الناس بتحبك علي إيه".

ويقترح الكاتب في إرشاد مسرحي آخر البديل في حالة عدم توافر شاشة للعرض باستعمال الصوت فقط خلال فترة الإظلام، ويحقق هذا أيضاً مقولة مركزية في مسرح الأطفال بعامة "اعرض الشيء ولا تحكِه"، ويقال تفسيراً لهذا المبدأ.

"إن المسرحية التي تعتمد علي راو أو على الحوار أو على وصف أحداث تقع خارج المسرح قد تحوى بعض الصفات التي تجعل منها مسرحية جيدة للكبار ولكنها لن تكون أبداً مسرحية جيدة بالنسبة للأطفال" أو كما قيل "المعنى الأساسي للمسرح بعامة هو الفرجة"، ومن سياق هذه الفكرة نتفهم حرص الكاتب على واقعية الأحداث وعرضها حتى باستعمال بديل صوتي.

وإذا كان الخط الدرامي واضحاً، وتمثيل الخير في مجابهة الشر الماكر، ومن خلال هذه الواقعية يعمد الكاتب لنهاية مسرحية مثالية تناسب الطفل وتلقنه فكرة مهمة أن النار لا تطفئ النار، وأن المحبة دواء لكل الأدواء، وهو تخلص جيد في المسرحية يحقق واقعيتها وفكرتها النبيلة المناسبة لمثالية الطفل في آن واحد بالنهاية السعيدة:

- شفيق: ح أبعت لك محامي في التحقيقات.

- عمران : (بدموع وأسي) أنت؟ بعد اللي عملته فيك؟

- شفيق: أيوه أنا ياما حاولت أخذك لطريق الخير، ولسه مصمم أقف معاك لحد ما تعرف سكة الخير.

- عمران: بعد اللى عملته فيك؟ بعد ما كنت ح أتسبب في حبسك وأخرب بيتك؟

- شفيق: (بحب ورضا وصفاء) علي رأي الحكماء أحسن لمن أساء إليك ولا تخن من خانك.

- عمران: (يبكي منهاراً) طول عمرك قلبك كبير يا باشمهندس لكن الشيطان ضحك علي سامحني).

والمسرحية قدمت مضمونها القيمي من خلال سياسة لغة عامية تداولية غير ساقطة، واستعمال تفريعات وتنويعات على الخط الدرامي تأخذ منه، وتعود إليه في إطار قيمي، من هذا نقد مقولات مشهورة غير صحيحة:

- الضابط: (يضحك بسخرية) بيقولوا السجن للرجالة يا أخي.

- عمران: (بتردد) الحمد لله، أنا مش راجل.

- فارس: (يلتفت لعمران ويبعد التليفون عن أذنه) السجن للمجرمين يا سي عمران وبس، مش للرجالة زي ما سمعت.

ومن التنويعات أيضاً دخول شخصيات جديدة خاصة الصقر، والأسد، واستعمال الفاصل الموسيقي مع الإظلام لبرهة يسيرة قبل دخول بعض الشخصيات، والحوار حول وجوب الحرص على تعلم اللغات، وتعلم اللغة العربية للصقر، والأسد "ملك الغابة"، ومعنى الحرية الحقيقة في حوار الصحفية نجلاء مع الصقر:

- نجلاء: (بعنف واعتراض) عاوز تطير ليه الأكل بيجي لحد عندك من غير ما تتعب في الصيد أو مطاردة الفريسة، عايش في راحة وعز، هنا الكل بيخدمك بلاش بطر.

- الصقر: (بتهكم) أنا عاوز الحرية مش الأكل؟ الحرية أغلى من كل حاجة، تعرفي حلاوة الدنيا في إني أتعب وأكل من كد أيدي ...).

وبالطبع التنويعات تتم في إطار ضبط الإيقاع المسرحي بحيث لا يفلت الكاتب الخط الدرامي الرئيس أو يهمشه لصالح هوامش مطردة، وتلك تحتاج براعة في الكتابة تقصد الهدف من وراء التنويع بكسر الرتابة، وتسلية الطفل ببث التعليقات المرحة، وتشويقه وتلقينه القيم بطريق مباشر، مثلاً بعد إطراد الحوار بين الضابط المحقق في واقعات السرقة ومدير الحديقة فارس عن اللبن، وغناه بالكالسيوم، وأنه مفيد للكبار والصغار، يأتي الموقف الطريف ويدخل عسكري ضخم ومعه شفيق مقبوضاً عليه في الكلبش وخلفه خطيبة شفيق "هانم":

- فارس: بالسرعة دي قبضت عليه يا عسكري.

- العسكري: أصل أنا قوي وما حدش يقدر يقاومني.

- الضابط: ده أقوى عسكري عندي يا فارس بيه.

- فارس: يا ترى أيه سر قوة العسكري ده يا أفندم؟

- الضابط: بيشرب اللبن من صغره لحد النهاردة بانتظام، ده غير إن مدير الأمن نظرًا لتفوقه صرف له مكافأة جاموسة كبيرة بعد تمارين الصباح يروح يشرب لبنها كله، وبعد تمارين المساء يشرب الباقي.

بقي أن نشير إلى أن حدوتة المسرحية مشوقة للطفل حيث تحمل لغزاً عن كيفية سرقة الفيل وهو بهذا الحجم وحمله من السارق، وعبور الأسوار كما ورد بالحوار (حاجة تجنن)، وسرقة البنك وأبوابه مغلقة أيضاً، وطرح حلولاً للغز والتفكير بها حتى الوصول لاكتشاف طريقة السرقة والمتسبب فيها، مع تقديم الفساد الإداري ودوره في عدم المتابعة، والتكاسل من خلال شخصية فارس كما ورد بالحوار:

- مش عاوز يفهم أن العمل أمانة، عاوز يقبض المرتب من غير شغل، يا دوب بيمضي ويروح!

والمسرحية كما سبق بها عدد من القيم في إطار التنويع حتى الملمح السياسي الدولي في محاولة تفسير اللغز:

- عمران: أكيد واحد من أميركا هوه اللى سرقة.

- فارس: وهي أميركا ح تعمل إيه بالفيل؟

- عمران: زي ما همه عاوزين البترول العربي أكيد عينهم زاغت على الفيل العربي.