حذارِ من 'حيلة الهدنة'!

إذا كان من درس تعلَّمه الفلسطينيون من كل تجاربهم (المنتهية دائما إلى كوارث تلحق بهم) في التفاوض السياسي مع إسرائيل، وفي الاتفاقات التي عقدوها معها، فهذا الدرس إنَّما هو "الحل النهائي والدائم الآن"، فإمَّا أن يُستأنف، أو يبدأ، التفاوض السياسي مع إسرائيل من أجل التوصُّل إلى حل نهائي ودائم للنزاع من غير حلول مؤقتة أو انتقالية تتوسَّط الطريق إليه، وإمَّا أن يستمر النزاع من غير حل.
ولكن، لماذا نقول بذلك، أو لماذا ينبغي للفلسطينيين جميعا القول بذلك؟ لأنَّ استعصاء اجتياز الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني للهوَّة السحيقة بأن يقفزا معا، قفزة واحدة لا غير، هو ما حملهما على اللجوء إلى خيار "الحل المؤقت والانتقالي"، الذي كان يكفي أن يُعْمَل به حتى يتحول إلى خيار "اللا حل"، فالاستعصاء في أن يُنجِز كلاهما من التغيير السياسي ـ الاستراتيجي ما يمكِّنه من أن يُغري الآخر باجتياز هوَّة الحل النهائي والدائم أفضى دائما إلى حلول انتقالية ومؤقتة، تَسْتَنْفِد سريعا حيويتها أو ديناميتها السياسية، فتُخلي المكان لحال "اللا حل"، الذي ما أن تشتد ضغوطه وتعنف حتى تزدان للطرفين طريق الحماقة، فيعودان إلى اختبار ما اختُبِر، متوهمين التوصُّل إلى "نتائج مختلفة"!
لقد بدا الرئيس الفلسطيني محمود عباس مُصدِّقا للنبأ (الإسرائيلي) الذي كذَّبته حركة "حماس"، والذي جاء فيه أنَّ ممثِّلين لـ "حماس" توصَّلوا مع "أكاديميين أوروبيين (تربطهم صلة سياسية بحكومات سويسرا وبريطانيا والنرويج)" إلى "مسودة لاتفاق هدنة مدتها خمس سنوات". كان ينبغي للرئيس عباس أن يبدو مصدِّقا للنبأ، الذي نميل إلى تصديقه، فلا دخان بلا نار، فالفلسطينيون يحتاجون الآن وأكثر من ذي قبل إلى من يحذِّرهم من مغبة أن يعلَّل بعضهم النفس بوهم "الحلول المؤقتة والانتقالية" مهما كان اللبوس الذي تُلْبس. كان ينبغي له أن يرفض رفضا قاطعا حل أو خيار "الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة"، مع قرينتها وهي "هدنة السنوات الخمس"، وأن يُظْهِر إصرارا على خيار "الحل النهائي الآن"، فإسرائيل ما أن تنتهي "السنوات الخمس"، أو بعضها، وتتأكَّد أن المفاوض الفلسطيني ليس في مقدوره أن يلبي شروطها للحل النهائي والدائم، ويرفض العيش إلى الأبد ضمن "الحل المؤقت"، حتى تشرع آلتها الحربية تدمِّر وتقتل، معيدةً الفلسطينيين، وعائدة معهم، إلى حال "اللا حل".
"حماس" لن تملك، لا الآن، ولا غدا، من "القوة التفاوضية" ما يمكِّنها من أن تأتي للفلسطينيين بالحل الذي عجز عن الإتيان به ياسر عرفات عندما حوصِر في كامب ديفيد، قبل أن يحاصر في مقره في رام الله، وقبل أن تقتله إسرائيل بالسم. لقد لبى عرفات كل ما يسمى الآن بالشروط والمطالب الدولية لجعل الحل النهائي والدائم ممكنا عبر التفاوض السياسي مع إسرائيل. وقد أصبح "الحل المؤقت" أثرا بعد عين إذ رفض عرفات شروط باراك وكلينتون لرفع الاحتلال الإسرائيلي عن معظم أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.
إنَّ على "حماس" أن تقلع عن "حيلة الهدنة" التي لا ضحية لها سوى الشعب الفلسطيني وحقوقه القومية، فالفلسطينيون لا مصلحة حقيقية لهم إلا في الحل النهائي الذي شقَّت الطريق السياسية إليه منظمة التحرير الفلسطينية، فإما أن تصبح "حماس" جزءا منه، وإما أن تظل محتفظة بما تسميه "ثوابتها السياسية"، فهذا الاحتفاظ إنما هو حق لها لا ينكره أي فلسطيني. ولكن، لا يحق لـ "حماس" أن تختبر عبر "حيلة الهدنة" ما اختبره الفلسطينيون، غير مرة، والحق بهم الكوارث. كما لا يحق لها، ولو أحرزت فوزها الكبير ذاك في انتخابات المجلس التشريعي، أن تفاوض باسم الشعب الفلسطيني، فالمنظمة، على سوء حالها، ما زالت، دوليا وعربيا، هي الممثِّل الشرعي الوحيد لهذا الشعب.
خيار الفلسطينيين ليس أن يفاضلوا بين "دولة ذات حدود مؤقتة"، غير مشروط قيامها باعترافهم بإسرائيل، و"دولة ذات حدود دائمة (تطابِق خط الرابع من حزيران 1967)"، مشروط قيامها باعترافهم بإسرائيل، فمَن يفضِّل الخيار الأول على الثاني بدعوى الاستمساك بالمبادئ والحفاظ عليها إنَّما يعطي إسرائيل ما تريد أخذه من الشعب الفلسطيني. أمَّا "الخيار الثالث"، أي خيار "الهدنة طويلة الأجل في مقابل الحل النهائي الذي يريده الفلسطينيون"، فلا يقول به إلا من له مصلحة في جعل الفلسطينيين يملكون من الوهم ما يحوِّلهم إلى أعداء الداء لأنفسهم، ولمصالحهم الحقيقية، ولحقوقهم وقضيتهم القومية.
نحن مع حق "حماس" في أن تُحل "الأزمة الفلسطينية" بما يراعي نتائج انتخابات المجلس التشريعي؛ ولكننا ضد سعيها، أكان مؤكَّدا أم محتملا، إلى المحافظة على تلك النتائج عبر "الدولة ذات الحدود المؤقتة"، وقرينتها "هدنة السنوات الخمس". جواد البشيتي