حديث مندس

بقلم: درويش محمى

في ساعة متأخرة من ليلة البارحة، رن جرس هاتفي، وتوقعت ان يكون احد اصدقائي المنسيين، وما اكثرهم هذه الايام، وبالفعل توقعي كان في محله، كان صديقاً مندساً مثلي تماماً، وربما اكثر اندساساً مني، قال لي وبنبرة حزينة كلها اكتئاب،"اسف على الازعاج بس انا عم باختنق يا اخي".

ـ "شو فيك يارجل، شو قصتك"، قلتها وانا مندس في فراشي منذ ساعات، والنعاس قد نال مني، كما نال من الوطن السوري لمدة تتجاوز الاربعة عقود.

بدء صاحبي يدس الكلام دون انقطاع وهو يعبر عن معاناته مع مجريات الحدث السوري، اشفقت عليه كما اشفقت على نفسي، هو لا يستطيع النوم بسبب اندساسه بالهم السوري، وانا كذلك مندس بالحديث معه غصباً عني، احاول جاهداً التخفيف عنه، والصديق لوقت الضيق، كيف لا ونحن الاثنين مندسين وفي الهوى سوى، ونعرف بعضنا البعض من ايام زمان، وعلاقتنا قديمة وتعود لايام الشباب والاندساس المزمن.

ـ "يارجل، شفت الممثل وائل رمضان على الفضائية الرسمية السورية، شيئ لا يصدق، عم بيقول انا مع قانون الطوارئ وضد رفعه" نطقها صاحبي وهو يكاد ان يفقد اعصابه، حاولت ان اوضح له الامر، واخبرته ان وائل شخص غير مندس مثلي ومثله، والناس انواع واشكال، والبلد فيها المندس وغير المندس، ثم من قال ان وائل رمضان يمثل ضمير الامة، الرجل صحيح انه ممثل ومن المفترض ان يكون مندساً هو الاخر، الا انه في الاخر ممثل لا يمثل الا نفسه، وهذا كل مافي الامر، والتمثيل مهنة يا اخي، مثلها مثل غيرها من المهن، والناس اهواء ومصالح وفيهم الطالح والصالح.

ـ "شفت المظاهرات المؤيدة؟ لعمة، شلون هيك، ما بيجوز" قالها وهو يكاد ان يبكي هذه المرة، فصديقي رجل مندس بحب سوريا حتى العظم، حاولت مجدداً ان اوضح له حقيقة ما يجري اليوم في البلد، وقلت له: "فعلا ما بتفهم يا أخي، واناني، وتريد ان يشاركك الجميع اندساسك واندساسي"، ولو كان الامر كذلك، والناس كلها مندسة، لكانت سوريا اليوم بألف خير وجنة الله على الارض، يأتيها الناس من كل صوب وحدب، ثم من قال لك ان كل تلك "الحشود الجماهيرية"، هي غير منظمة وغير مركبة وغير محبكة وغير مندسة وحقاً مؤيدة للنظام،"وكأنك من كوكب اخر يا أخي، وما بتعرف البير وغطاه".

ـ " شفت يارجل، شفتو شلون كان عم يضحك، وكأنو ما عامل شي" قالها هذه المرة وهو حانق وصوته يكاد ان يختفي، وهنا ضقت ذرعاً بصديقي وصاحبي المندس، فأنا مثله تماماً حانق وغاضب مما شاهدته في "مجلس الشعب"، واحتاج لمن يخفف عني، فرائحة دماء شهداء الحرية من الشباب السوري تملئ المكان، والفجر يكاد ان يبزغ علي وعلى الوطن السوري، قلت له وبدون تردد، "تصبح على خير"، واغلقت الهاتف على وجه السرعة لاندس في فراشي من جديد، وانا ادعو الله ان يحفظ كل المندسين في طول سوريا وعرضها، وان تصبحوا جميعاً مندسين كنتم او شبه مندسين، على الخير والحرية والكثير من الكرامة.

درويش محمى

كاتب سوري

d.mehma@hotmail.com