حديث شيخ الأزهر وفهم نظرية التطور (1 / 2)

انقسم العلماء بشأنها

في حديث للدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، في القناة الفضائية المصرية عن نظرية التطور لداروين، كانت أهم النقاط التي جاءت في حديثه هي:

نظرية التطور لداروين، لا تزال في مرحلة الافتراض، لم تثبت باليقين العلمي.

كان يؤمن داروين بثبات الأنواع، لكنه غير فكره إلى التطور لاحقا.

تأثر بالفريد رسل والاس، ومالتوس عالم الاقتصاد.

انقسم العلماء بشأنها.

***

ليسمح لي فضيلة الأستاذ الدكتور شيخ الأزهر في توضيح بعض هذه النقاط التي وردت في حديثه، مع احترامي الشديد له، وتقديري لعلمه وأدبه. لكنها الأمانة العلمية تحتم شرح أماكن اللبس في فهم هذه النظرية العلمية العظيمة. والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

مقولة إن نظرية التطور لداروين لم يثبت صحتها، تبين عدم فهم عميق لطبيعة العلوم. حقيقة، نظرية التطور لداروين، لم يثبت برهانها بما لا يقبل الشك، الآن أو في المستقبل، لكن هذا هو الحال بالنسبة للنظرية الذرية، ولنظرية النسبية الخاصة والعامة، ونظرية الكم، وأي نظرية علمية أخرى. السبب هو أن العلوم التجريبية لا تتعامل مع البراهين المطلقة، بل تتعامل فقط مع الشواهد والدلائل.

عندما يواجه العلماء بظاهرة جديدة، ويبحثون عن سببها، يبدأون بالفروض، وهي مجرد تخمينات. هذه الفروض نعتبرها صحيحة وتسمى نظرية، طالما لا تتعارض مع النتائج، وطالما تعطينا تنبؤات صحيحة. إذا أعطتنا النظرية نتائج أو تنبؤات خاطئة، تصبح الفروض والنظرية خاطئة وتحتاج إلى تعديل أو إلغاء.

لكن كيف نتأكد من صحة الفروض أو النظرية؟ وماذا لو كانت الفروض خاطئة، لكن تعطينا نتائج سليمة بالصدفة؟ كيف نصبح متأكدين بدون شك؟ الإجابة، لا يمكن التأكد من أي شيء. هذا هو السبب في أنه لا توجد نظريات علمية مؤكدة، بما في ذلك نظرية التطور لداروين.

لكن كلما توالت الشواهد والدلائل التي تؤيد النظرية، زادت ثقتنا فيها. إذا كانت الشواهد والدلائل كثيرة ومهولة ولا يمكن حصرها، يكون من السخف رفضها وتكذيبها. هذا هو شأن نظرية التطور، وشأن النظرية الذرية، وباقي النظريات.

ليس لدينا برهان مطلق لأي شيء، بما في ذلك النظريات الرياضية. الفيلسوف بيرتلاند راسل والفيلسوف وايتهيد، بعد جهد رهيب استمر لمدة 20 سنة، توصلا إلى النتيجة المرة التي لامفر منها، وهي إن النظريات الرياضية بها تعارض ولا يمكن أن تكون أساسا صلبا لحقائق لا تقبل الشك.

لا يعني هذا أن نظرية التطور لداروين شيء مؤقت وغير مؤكد. على العكس، هي نظرية قوية جدا، مدعمة بأبحاث وتجارب العلماء في مختلف الجامعات، لأكثر من 150 سنة. خلال هذه المدة، لا يوجد دليل واحد أو شاهد واحد، يثبت فشلها أو عدم صحتها. كوجود عظمة فيل مثلا، مدفونة في أعماق الأرض مع الحفريات البدائية، بدلا من وجودها قريبة من السطح.

في المحافل العلمية، لم تعد نظرية التطور لداروين موضوع جدال أو شك، وأصبحت حقيقة من حقائق الحياة، مثل نظرية الجاذبية وكروية الأرض ودورانها حول الشمس.

حقيقة لم يمكن برهان صحتها بدون شك، لكنها أقرب ما يكون لذلك. مهاجمتها بحجة أنها لا تزال فروض لم يثبت صحتها، هو عدم فهم لنظرية التطور لداروين كلية. لقد اصطلح العلماء على أن يكون البرهان للنظريات الرياضية، والفروض والمشاهدة للعلوم التجريبية.

هذه نظرية التطور في عجالة لمن يهمه الأمر:

عندما قرأ توماس هكسلي كتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين لأول مرة، قال لنفسه: "يالك من غبي. كيف لم تفكر في هذه النظرية من قبل."

الغريب أن نظرية التطور لداروين، رغم خطورتها وتأثيرها الثوري في عالم البيولوجيا، فإنها نظرية في غاية البساطة والوضوح. كتبت بلغة إنجليزية عادية سهلة. يفهمها من يستطيع أن يتابع حججها المنطقية، أو من لديه القدرة على الشك، وقدر معقول من استقلال الفكر. وهما هبتان لا تتوافران في الكثيرين منا.

في القرن السابع عشر، أعلن عالم الأحياء الطبيعية جون راي أن الكثير من الحيوانات الصدفية قد انقرضت، ولم يعد لها وجود كمخلوقات حية. هذه الحقيقة، ينكرها العلماء ورجال الدين. فهم يعتقدون أن الرب قد خلق الكون في أكمل صورة. وتعهد بحفظ مخلوقاته وحمايتها من الانقراض.

بدلا من الاعتراف بانقراض بعض الأحياء، التي لم تستطع التكيف مع تغير المناخ والظروف التي كانت تعيش فيها، زعم المؤمنون بأن الرب قام بتدمير مخلوقاته بالجملة عن طريق الفيضان، لكي يعيد خلق هذه الكائنات من جديد. ولكي يعطي الإنسان درسا في مبادئ الأخلاق وأصول الطاعة.

هذه الفكرة جاءت لكي تبرر نتائج الاكتشافات الجيولوجية الجديدة في القشرة الأرضية. التي بينت وجود، لا طبقة واحدة، ولكن العديد من الطبقات. كل منها بها بقايا أحياء متحجرة لكائنات منقرضة، لم يعد لها وجود على سطح الأرض.

في نهاية القرن الثامن عشر، أصبح من المعروف أن الصخور تحتوي على تسجيل كامل لكل الأحياء المنقرضة، والتي سبق أن عاشت على سطح الأرض.

حتى يتجنب العلماء الصراع مع الفكر الدوجماتي ورجال الدين، كان عليهم أن يرفضوا فكرة الخلق المستمر والتغيير المتوالي الذى يحدث للكائنات.

رجال الدين تقول إن هذه الأحياء قد خلقها الرب على هذه الصورة، ولم يحدث لها أي تغيير منذ بدء الخلق. ولكي يفسروا وجود العديد من طبقات القشرة الأرضية، والتي يختلف كل منها عن الأخرى في نوع الأحياء المتحجرة المدفونة بها، جاءوا بفكرة الكوارث الوسيطة.

بمعنى أنه لم تحدث كارثة فيضان واحد، لكن العديد من الفيضانات. فيضان نوح هو آخرها. بعد كل فيضان، كان الرب يعيد تعمير الأرض بقطيع جديد من الأحياء، وأنواع جديدة من الكائنات.

في الطبقات السفلى للقشرة الأرضية، توجد بقايا أحياء متحجرة لكائنات بدائية بسيطة. مثل كائنات وحيدة الخلية والأميبا والديدان. في الطبقات التي تليها، نجد مخلوقات متحجرة أكثر تعقيدا. بعد عدة طبقات، نصل إلى بقايا الفقاريات، أي التي لها هيكل عظمي.

بعد طبقات أخرى نرى بقايا أسماك. وبعد ذلك نرى آثار الزواحف والطيور. وفي الطبقات الأخيرة والقريبة من سطح الأرض، نجد بقايا الثدييات والإنسان. شريط سينمائي يبين تسلسل الكائنات مع الزمن.

هذا التدرج في طبقات القشرة الأرضية ليس له علاقة بفكرة التطور. كل طبقة كان ينظر لمخلوقاتها على أنها حالة خلق فريدة بذاتها ومستقلة عن الطبقات الأخرى. أيضا، كل مخلوق مستقل بذاته، ليس له علاقة بباقي المخلوقات.

شكل المخلوقات وطبيعتها ليس له علاقة بالمناخ والبيئة التي تعيش فيها. قد خلقها الرب كما أراد لغرض معين. فالأرض خلقت لكي يوضع فوقها الإنسان. والشمس لكي تعطيه الدفء والضياء، والقمر والنجوم لكي تنير له طريقه في الظلام. والحيوانات والنباتات تسخّر لخدمته، ولكي تمده بالغذاء والكساء.

واضح أن الخلق وراءه فكر ذكي. مبني على التخطيط والتصميم الممتاز. ولا يعقل أن يكون كل هذا قد أتى بمحض الصدفة. الزعانف للأسماك والريش للطيور والقلب والرئة والعيون، كلها أعضاء في قمة التخصص والدقة.

لا يمكن أن تكون قد أتت بغير صانع وخالق قادر. قام بتصميم هذه الأعضاء قبل خلقها. فهل يعقل أن تصنع الساعة بدون صانع؟ الطبيعة أصبحت كتابا مفتوحا يدل على وجود الخالق، كما كان يقول إسحق نيوتن.

كان داروين يعلم مدى قوة منطق نظرية التصميم الذكي. وكان أيضا هيكسلي يعترف بأن نظرية التصميم الذكي، هي أهم نظرية يمكن أن نفسر بها ما يحدث بالنسبة للكائنات. انشار نظرية التصميم الذكي كانت أهم العوامل التي أخرت ظهور نظرية التطور في إنجلترا.

مع نهاية القرن الثامن عشر، بدأت الأرض تميد تحت أقدام التفسير الدجماتي للكون ونظرية التصميم الذكي. في عام 1859، عندما نشر داروين كتابه "أصل الأنواع" يشرح فيه نظريتة، كان المجتمع العلمي مستعدا لقبول فكرة التطور. السبب هو روح العصر، والتغيرات الخطيرة التي ظهرت في باقي فروع العلوم. في الفيزياء والفلك والجيولوجيا.

في عام 1788، نشر جيمس هيوتن عالم الجيولوجيا الإسكتلندي نظرية جديدة يقول فيها إن القشرة الأرضية تتعرض إلى قوى طبيعية تمثل عوامل تغيير مستمرة، مثل الأمطار والسيول والأعاصير والزلازل والبراكين وما شابه. هذه النظرية تستبدل نظرية كوارث الفيضانات التي كانت سائدة، وتحدث على فترات زمنية متقطعة.

لم يتنبه علماء الجيولوجيا إلى نظرية هيوتن في التغيير المستمر للقشرة الأرضية. إلى أن جاء شارلز ليل عالم الجيولوجيا العظيم في القرن التاسع عشر، لكي يحي أفكار جيمس هيوتن. بالرغم من أنه لم يتطرق مباشرة إلى موضوع تطور الكائنات، إلا أن أبحاثه الجيولوجية مهدت الطريق إلى نظرية التطور فيما بعد، وكان لها تأثير كبير على داروين.

مع نهاية القرن الثامن عشر، كان علماء الأحياء يعرفون أن الكائنات الحية، لها أعضاء خاملة أو ليس لها فائدة. فمثلا الحشرات التي لا تطير، لها بقايا أجنحة صغيرة. الدواجن المنزلية والبط المنزلي له أجنحة عديمة الفائدة. أرجل البط المنزلي بها غشاء لا تحتاجه على الأرض، يعوق حركتها.

حيوانات الكهوف لها عيون أثرية لا ترى بها. أنواع من الذباب لا تطير بالرغم من وجود أجنحة لها. بعض الثعابين، لها بقايا أرجل غير مستخدمة. الإنسان له عظمة العصعص أسفل العمود الفقري، وعظم ما بين الفكين، والزائدة الدودية عديمة الفائدة، بل تلتهب وتنفجر وتعرض حياته للخطر، وعدم وجودها أفضل.

هناك ضروس العقل وأصابع الرجلين وثديى الرجل وبظر المرأة. الأسنان الأثرية للعجول والأسنان الأثرية للطيور. وكلها شواهد تتعارض مع التصميم الذكي للخلق.

لكن داروين رأى أنه يستطيع أن يقدم تفسيرا أفضل لهذه الشواهد، إذا افترضنا أن هذه الكائنات قد جاءت من سلالات كانت مجهزة بهذه الأعضاء، لكن لم تكن ضامرة في الماضى. هذه الأعضاء فقدت صلاحيتها تدريجيا بعدم الاستخدام، عندما تأقلم الكائن على الحياة الجديدة.

داروين كان مندهشا من حقيقة أن يد الإنسان وهي منقبضة، تشبه يد الخلد (ضرب من الجرذان) المستخدمة في الحفر. وكذلك رجل الحصان، وزعنفة الدلفين، وجناح الخفاش. الشبه شديد من الناحية التشريحية. كل منها لها نفس عدد العظام والتركيب.

هذا يدل على وحدة الخالق في نظرية التصميم الذكي، لكن داروين لم يقبل بنظرية التصميم الذكي. سبب التشابه بالنسبة لداروين، يرجع إلى أن هذه الكائنات لها أصل واحد، ثم تغير كل كائن عن الأصل أو الجد، عن طريق التغيير المستمر، حتى يوائم طريقة العيش في البيئة الجديدة التي يعيش فيها.

في القرن الثامن عشر، لاحظ علماء التشريح أن الجنين عند تكوينه يمر بمراحل نمو تشبه مراحل تطور الكائنات الحية. فمثلا عند الإنسان، الجنين يتكون له خياشيم تشبه خياشيم السمك. في بعض مراحل التكوين الأولى، لا يمكن التمييز بين جنين الزواحف وجنين الطيور وجنين الثدييات. أليس هذا دليلا على أن جميع الكائنات لها أصل واحد؟

الفلاحون والمشتغلون بتربية الحيوانات والطيور، مثل تربية الخيول والكلاب والحمام، يلاحظون التنوع الكبير لفصائل وأنواع هذه الحيوانات. وأن التهجين بين الفصائل المختلفة ينتج عنه فصائل جديدة. تنتقل صفاتها المكتسبة بالتهجين إلى أجيال جديدة. بعد عدة أجيال تصبح هذه الفصائل الجديدة بصفاتها المكتسبة مستقرة. وكما يقول داروين، هذا ما يحدث في الطبيعة طوال الوقت.

كان من المعروف قبل داروين أن الحيوانات تتكاثر أسرع من معدل زيادة الغذاء المتوافر لها. هذا يؤدي بالطبع إلى المنافسة الرهيبة التي نشاهدها بين الحيوانات للبقاء على قيد الحياة. تنبه كومتيه دى بوفن وإيراموس جد داروين إلى هذا الأمر.

لكن شارلز داروين كان الأول بين العلماء الذى رأى الفرق بين ما يقوم به مربو الحيوانات من اختيارهم للسلالات الجيدة، وما تقوم به الطبيعة من نفسها باختيارها للسلالات القوية التي تستطيع البقاء.

أفكار داروين عن حياة الكائنات، مرت بعدة تطورات منذ عودته بعد رحلة الخمس سنوات. الكمية المهولة من الملاحظات والمدونات، لم تنبئ عن شواهد لفكرة التطور في ثوبها النهائي. صفحة بعد صفحة من التردد والحذر والملاحظات الجانبية، أثبتت أن داروين كان يتحسس طريقه ببطء لفهم جديد لنظرية خلق الكائنات. كانت هناك بدايات خاطئة، وكثير من التعارض وعدم التوافق.

بعد مراجعته لكراسة ملاحظاته الأولى عام 1837، تأكد داروين من صحة نظرية عالم الجيولوجيا ليل في التغير الجيولوجي المنتظم. ولاحظ داروين أن التغير الجيولوجي، يلازمه تغير في صفات الكائنات الحية. لكي تبقى هذه الكائنات حية، كان عليها أن تتأقلم لكي توائم ظروف البيئة الجديدة.

في نهاية عام 1837، توصل داروين إلى بيت القصيد. الحياة على سطح الأرض، عبارة عن عملية خلق مستمرة. بدأت مع نشوء أول خلية حية، ومستمرة حتى اليوم. عملية الخلق عبارة عن كتاب مفتوح لم يقفل بعد.

إذا كانت القشرة الأرضية قد تعرضت إلى هذه التغيرات الكبيرة تدريجيا، كما يقول ليل، فليس مستغربا أن تكون الكائنات قد طرأ عليها تغيرات كبيرة هي الأخرى. تغيرات موازية لما حدث للقشرة الأرضية. هذه الكائنات إن لم تتغير، فسوف تفنى. وتصبح الأرض بلقعا تصفر فيها الرياح. الكائنات غير القادرة على التكيف والمواءمة، تنقرض لتحل محلها كائنات جديدة قادرة.

كان ليل، يقول بالتغيير التدريجي للقشرة الأرضية. لكنه لا يعترف بالتغيير التدريجي للكائنات. هذا الرأي لم يقنع داروين. وكان مقتنعا تماما بأن الكائنات تتغير وتتبدل هي الأخرى. أنواع تنقرض، وأنواع تنشأ من سلالات أخرى عن طريق التغير المستمر.

عندما قرأ داروين كتاب مالثيوس، تيقن أن الانتخاب الطبيعى هو القوة الموجهة التي يبحث عنها. وبحلول شتاء عام 1838، كانت لديه كل المواد الخام اللازمة لنظريته في التطور. والتي يمكن أن نلخصها في الآتي:

- القشرة الأرضية تمر بتغيرات مستمرة بطيئة. والكائنات عليها أن توائم هذه التغيرات لكي تبقى على قيد الحياة، وإلا تنقرض.

- الطبيعة تمد الكائنات بهبات وصفات وراثية غير محدودة عن طريق التنوع والتزاوج.

- إنتاج الغذاء المحدود بالنسبة لتزايد الكائنات، ينتج عنه صراع غير محدود بين الكائنات.

- الأنواع الجديدة تنشأ بسبب العزلة. والأنواع المختلفة لا يحدث التزاوج بينها.

نتيجة الصراع بين الأحياء، الكائنات التي تملك صفات وراثية مفيدة سوف تبقى على قيد الحياة. بينما الكائنات التي لا تملك هذه الصفات، سوف تنقرض. وبالرغم من أن الصفات المفيدة قد تكون صغيرة جدا، لكن تراكمها من جيل إلى جيل قد يجعلها مفيدة ولها تأثير كبير على حياة الكائن.