حدود التنافس الروسي الاميركي في مصر

شكلت مصر مركزا للشد والجذب السياسي والأمني للقوى العالمية الكبرى ماضيا وحاضرا، ذلك لموقع مصر الجيوسياسي ومجموعة العوامل التي تمتلكها والتي تمكنت من استثمارها بشكل جيد في الواقع السياسي المتأزم في المنطقة. وفي واقع الامر لم يغب التنافس الروسي الاميركي عن محاولة الحضور الفاعل في دولة لعبت وتلعب دورا مفصليا في ازمات اقليمية ذات امتدادات دولية. وما يعزّز عودة هذا التنافس فتور العلاقات المصرية الاميركية بعيد عزل الرئيس محمد مرسي واتخاذها اشكالا تصاعدية، لكن السؤال المركزي الذي يثار في هذا المجال حول حدود هذا التنافس وآثاره وتداعياته بخاصة على واشنطن التي بذلت جهودا استثنائية قبل اربعة عقود لإخراج موسكو من منطقة تعتبرها الولايات المتحدة الأشد حيوية لمصالحها الاقتصادية والسياسية.

ثمة صورة نمطية ظهرت مؤخرا وعززت الاعتقاد بأن السباق الاميركي الروسي على اعادة ترتيب ملفاتهما في بعض دول المنطقة، انطلاقا مما جرى من تحولات سريعة في بعض الانظمة العربية وما انتجت بيئة تنافسية دولية واضحة في هذا المجال. ففي مجال الوقائع ذات الصلة بالموضوع تزامن وصول مدير المخابرات الحربية الروسية فيسكلاف كوندراسكو للقاهرة، في زيارة وصفت بأنها هدفت للتحضير لزيارة سيقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين،مع زيارة وزير الخارجية الاميركي جون كيري، في وقت ربطت وقائع هذه المنافسة والسباق بملف الازمة السورية ووسائل ادارتها من قبل كل من موسكو وواشنطن.

فموسكو التي خرجت من مصر بعد حرب تشرين 1973 بقرار مصري واضح عنوانه التحوّل الكبير في سياسات مصر الخارجية ابان عهد الرئيس الراحل انور السادات، شكّل ضربة موجعة للإستراتيجية السوفياتية آنذاك، ما اعطى دفعا متجددا لعلاقات موسكو بدمشق استثمرت بعلاقات ومعاهدات صداقة ذات بعد استراتيجي اقليمي رفيع المستوى تعويضا عن خروج حيوي من مياه دافئة تشكل حلما روسيا دائما عوّضته في ميناء طرطوس على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وإذا كانت هذه الميّزة تشكل نوعا من ورقة ترضية، فان عين موسكو ظلت شاخصة على الموانئ المصرية بالنظر لخصائصها الجيوسياسية الفاصلة بين آسيا وأفريقيا وبالتحديد قناة السويس التي تشكل اهميتها اهمية ممري الدردنيل والبوسفور المنفذ الروسي الوحيد الى المياه الدافئة.

لقد شكلت ثورة مصر الثانية على حكم الأخوان نوعا من التحوّل السلبي في العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وأدت الى تداعيات وآثار لافتة هي الاولى منذ عقود خلت، فقد اقدمت الادارة الاميركية على تجميد المساعدات المالية والاقتصادية المقررة سلفا كنوع من العقاب على اداء ذات طابع سيادي داخلي، كما جمّدت صفقة طائرات عسكرية (خمسون طائرة اف 16) وألغت مناورات عسكرية مقرّرة (النجم الساطع)، في وقت شهد الشارع المصري مزاجا مختلفا اعاده الى حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وصورها النمطية لجهة العلاقة السلبية مع الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة.

في مقابل التحوّل الاميركي المصري، ثمة غزل سياسي وعسكري واقتصادي روسي مصري واضح المعالم. فمن جملة ما عرضته موسكو على القاهرة صفقات سلاح طائرات حربية متطورة من نوع ميغ، اضافة الى برامج تدريبية عسكرية، علاوة على تقديم قمر اصطناعي ذات بعد عسكري بهدف مواجهة اوضاع سيناء الامنية غير المريحة للقاهرة. ما يعني ان ثمة قرار روسي بإعادة تموضع شرق اوسطي يعطي ميزة استراتيجية اضافية على تواجدها في طرطوس بعد جملة التحوّلات الامنية والعسكرية الحاصلة في الأزمة السورية حاليا، والخروج الروسي المدوي من ليبيا سابقا.

وإذا كانت هذه الوقائع والقراءات تفيد ان ثمة تنافسا قويا يلوح في افق العلاقات الروسية الاميركية حول مصر، إلا ان ثمة وقائع اخرى مفادها محدودية نتائج هذا التنافس وصعوبة تخلي الادارة الاميركية عن موقع مصر في استراتيجيتها الشرق اوسطية. بالنظر للموضع الذي اتخذته مصر في الصراع العربي الاسرائيلي سابقا وحاليا ومحاولة تكريسه لاحقا في ظل المتغيرات المصرية الحاصلة. علاوة على ذلك، ان الاندفاعة الروسية باتجاه القاهرة ستواجهها عقبات ليس بالسهل تجاوزها ومن بينها الموقف الاسرائيلي الذي يملك اوراق ضاغطة كثيرة في كل من موسكو وواشنطن لكبح جماح أي ترتيب اقليمي دولي في التحالفات يمكن ان يمس القضايا والمسائل الاستراتيجية والحيوية الاسرائيلية.

من هنا يبدو ان التنافس والسباق الاميركي الروسي في مصر دونه عقبات كثيرة للوصول الى اهدافه النهائية من وجهة نظر كلا الطرفين، وبالتالي ان استمراره دون حدوث خروق لافتة فيه، سيعزز من فرص اعادة احياء الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن ربما على قواعد وملفات تعتبر الأكثر حساسية لكلا الطرفين في منطقة هي من اشد المناطق قابلية في العالم لاستيعاب واحتواء الاستثمارات السياسية والأمنية الاقليمية والدولية، وبالتالي انفجارها وتفلتها من أي عقال ممكن للحل.

في سبعينيات القرن الماضي اخرجت موسكو من منطقة اعتبرتها بمثابة الرئة للجسد، واكتفت بتنفس لا تتحكم فيه كليا، خيضت حروب الواسطة في غير صولة وجولة ضمن اطار الصراع العربي الاسرائيلي، وأدت الى ما ادت اليه من وقائع ونتائج، اليوم تنافس وسباق وربما حروب باردة وحتى ساخنة جديدة يمكن ان تنطلق بهدف اعادة كتابة تاريخ وترتيب جغرافيا لا تزال تُشكل على خلفية سايكس بيكو جديدة قديمة قبل قرن من الزمن!