حتى لا ينتصر شفيق وتُهْزَم مصر!

بقلم: جواد البشيتي

وفي "الرئيس"، شخصاً ومنصباً، تتركَّز الآن "أزمة مصر"، و"أزمة ثورتها" على وجه الخصوص؛ فالمشتَغِلون بالسياسة يسألون، الآن، المشتغِلين بـ "عِلْم الغيب"، "مَنْ هو الرئيس المقبل (لمصر)؟"؛ وإيَّاكم أنْ تُصدِّقوا (أيْ أنْ تتوهَّموا) أنَّ "الديمقراطية" هي ما يجعل هذا الأمر مُسْتَغْلَقَاً على العِلْم به، أو (على الأقل) على توقُّعه؛ فإنَّ في "اللعبة الديمقراطية" تَكْمُن "لعبة (سياسية) أخرى" لا تمتُّ إلى "الديمقراطية" بصلة، ويلعبها، في المقام الأوَّل، وعلى ما يرى القاصي والدَّاني، "المجلس العسكري الأعلى (الحاكم)".

ماذا يريد هذا "المجلس"؟ و"كيف يسعى في الوصول إلى ما يريد؟"؛ فإنَّ في هذا السؤال، وفي ذاك، ما يجعل، أو ما قد يجعل، المجهول معلوماً، ولو بعض الشيء، والعصيُّ على التوقُّع متوقَّعاً، ولو بشيءٍ من الواقعية.

وكلا السؤالين يُسوِّل لي أنْ أتساءل قائلاً: "ما هو (لا مَنْ هو) الرئيس المقبل؟"؛ فسلطات وصلاحيات وخواص صاحب هذا المنصب هي الآن أقرب إلى المجهول منها إلى المعلوم، وأنْ أتساءل، أيضاً، قائلاً: "هل يكون لمصر رئيساً بدءاً من منتصف الشهر المقبل؟"؛ فإنَّ من "الواقعية" أنْ نتوقَّع نشوب "أزمة"، لا بل "أزمات"، من عواقبها أنْ يُؤجَّل (وربَّما إلى أجلٍ غير مسمَّى) إجراء الجولة الحاسمة (جولة الإعادة) من انتخابات الرئاسة.

أهو مرسي أم شفيق؟

وأحسبُ أنَّ "الإجابة" تَسْتَلْزِم استكمال السؤال نفسه بعبارة "أم هو صباحي؟".

إذا "انتصر" شفيق، أيْ إذا هُزِمتَ ثورة 25 يناير شرَّ هزيمة، أيْ إذا أشْعَلَت هذه الهزيمة فتيل ثورة جديدة، فإنَّ على هذا "المُنْتَصِر" أنْ يتذكَّر، وألاَّ ينسى، فَضْل جماعة "الإخوان المسلمين"، مع حزبها، عليه؛ فهذه "الجماعة" عَرَفَت كيف تسوس الأمور بما يُخفِّض (كثيراً) وزنها الشعبي والسياسي والانتخابي، ويُلْقي كثيراً من الذُّعْر منها في قلوب كثيرٍ من المصريين الذين ناصبوا نظام حكم مبارك العداء، وبما يُحوِّل كثيراً من هذا الخَفْض في وزنها (الشعبي والسياسي والانتخابي) إلى ارتفاع في الوزن الانتخابي للجنرال شفيق، بصفة كونه عدو الثورة اللدود، والمُرشَّح (ضدَّ الثورة) لمنصب الرئاسة؛ فـ "الجماعة" هي المسؤولة، في المقام الأوَّل، عن هذا الصعود الانتخابي لهذا الذي له (على ما أعلن) في مبارك أسوة حسنة!

شفيق، بصعوده الانتخابي هذا، إنَّما هو الابن غير الشرعي لجماعة "الإخوان المسلمين"، التي اغْتَرَّت بنفسها، فارتفع منسوب الوهم في رأسها، واشتد بها الطَّمَع في السلطة؛ فكلَّما حَصَلَت على شيء منها طلبت مزيداً؛ وكلَّما حَصَلَت على مزيدٍ من السلطة أظْهَرت من كوامنها (في السياسة والحُكْم والفكر والثقافة والديمقراطية..) ما أخاف وأفْزَع وأرْعَب "أبناء الثورة الحقيقيين الشرعيين" من الشباب، والعلمانيين واليساريين والليبراليين والقوميين والأقباط..

وشفيق، الآتي من "موقعة الجَمَل"، هو الابن الشرعي لنظام حكم مبارك، برئيسه المخلوع، وبحزبه المُنْحَل، وبرجال الأعمال المموِّلين له، والمستحوذين على حِصَصٍ منه، وبأجهزته الأمنية، وببروقراطييه (الكبار) في الجيش وسائر مؤسَّسات الدولة؛ وهو، في الوقت نفسه، الابن الشرعي لفئة واسعة من المواطنين، قليلي، أو عديمي، الوعي، والذين سُوِّئت أحوالهم المعيشية أكثر، فاستبدَّ بهم وهم "المُنْقِذ" و"المُخلِّص"، والذي كان سليمان، ثمَّ أصبح الجنرال شفيق.

إنَّ الأسوأ في الاحتمالات هو أنْ يذهب الناخبون المصريون إلى صناديق الاقتراع (في الجولة الحاسمة من انتخابات الرئاسة) ولا خيار لديهم إلاَّ خيار "إمَّا شفيق وإماَّ مرسي (الذي بقي على ما كان عليه قبل الجولة الأولى)".

إذا غدا هذا الاحتمال واقعاً فإنَّ على قوى الثورة جميعاً أنْ يتَّفِقوا (وأنْ يُعْلِنوا اتِّفاقهم) على أمْرٍ واحدٍ فحسب، هو دعوة كل ناخِب مؤيِّدٍ للثورة إلى عدم التصويت لمصلحة شفيق، مع تَرْك الحرِّيَّة له في أنْ يختار أحد أمْرين اثنين: التصويت لمصلحة مرسي أو البقاء في بيته.

ثمَّة "قوَّة ثالثة" حان لها، أيْ لغالبية مكوِّناتها وعناصرها، أنْ تقول كلمتها، وأنْ تلعب لعبتها؛ ويمثِّل هذه القوَّة (ويقودها) الآن (على ما أفْتَرِض وأتوقَّع وآمل) المرشَّح الرئاسي حمدين صباحي، الثالث حتى الآن (وأشدِّد على "حتى الآن") في الوزن الانتخابي.

ومن طريق هذه "اللعبة الثالثة"، يمكن أنْ تُكفِّر جماعة "الإخوان المسلمين" عن بعضٍ من ذنوبها، فيتنازل مرشَّحها مرسي لمصلحة المرشَّح صباحي، فيصوِّت له (أيضاً) في هذه الحال معظم الناخبين من جماعات وأحزاب "الإسلام السياسي".

أمَّا إذا شقَّ عليها أنْ تتنازل هذا التنازُل فلا بدَّ، عندئذٍ، من أنْ تتنازل لـ "القوَّة الثالثة" بما يُغْري الناخبين المنتمين إلى هذه "القوَّة" بالتصويت لمصلحة مرسي (الذي لم يبقَ على ما كان عليه قبل الجولة الأولى).

إذا رَكِبَت "الجماعة" رأسها، فلا بأس، عندئذٍ، من أنْ تأخذ "القوَّة الثالثة" بـ "الخيار الثوري الأسوأ"، ألا وهو "الصفقة" تعقدها مع "المجلس العسكري الأعلى"، فتعطي هذا "المجلس" من "الضمانات" ما يجعله واثِقاً مُطْمَئنَّاً، على أنْ تأخذ منه، في الوقت نفسه، كل ما من شأنه أنْ يسمح بخروج الجنرال شفيق من "الحلبة"، وبإحلال صباحي محله، وبفوز صباحي انتخابياً.

لا بدَّ لهذه "القوَّة الثالثة" من أنْ تُعِدَّ وتُهيِّئ نفسها (سريعاً) بما يمكِّنها من أنْ تدير الصراع على هذا النحو، ومن أنْ تلعب لعبتها (المستقلة).

أقول هذا وأنا أعْلَم أنَّ كلا "الطرفين الخَصْمَيْن"، أيْ الطرف الذي يمثِّله شفيق والمعادي للثورة، والطرف الذي يمثِّله مرسي والمعادي للدولة المدنية، سيسعى في شقِّ صفوف "القوَّة الثالثة"؛ فالجنرال شفيق، الذي لن يَقْطِف الثوَّار ثمار ثورتهم إلاَّ بهزيمته، سيسعى في استمالة (أو تحييد) المتطيِّرين من "الإسلام السياسي"، وفي مقدَّمه جماعة "الإخوان المسلمين"؛ أمَّا مرسي فسيسعى في استمالة "الإسلاميين الآخرين"، وفي مقدَّمهم أبو الفتوح وحزب "النور" السلفي.

وبعد ذلك، يمكن أنْ يأتي مرسي إلى شباب الثورة (وإلى العلمانيين واليساريين والليبراليين والقوميين) ويسعى في خطب ودِّهم، فلا يتنازل لهم، من ثمَّ، وإذا ما تنازل، إلاَّ بما لا يفيد الثورة، مع "الدولة الديمقراطية المدنية"، إلاَّ قليلاً.

جواد البشيتي