حتى لا يقع الباحث في غواية الأسطورة

بقلم: عبدالجواد خفاجي
الأسطورة والتاريخ

ثمة إشكاليات أولية يمكن أن تعترض الباحثين في مجالات الميثيولوجيا فى علاقتها بالتاريخ أو الأدب أو الأديان أو النظم الاجتماعية أو السياسية، تلك هي إشكالية المصطلح والتعريف.
بَيْدَ أننا وبقليل من التدقيق يمكننا أن نعْبُر تلك الإشكالية إذا ما نظرنا فى طبيعة ما تَميَّز من أساطير عبر التاريخ من حيث شمولية وجدية الموضوعات التى تناولتها، مثل التكوين والأصول، والموت والحياة الآخرة، ومعنى الحياة والوجود وما إلى ذلك من موضوعات التقطتها الفلسفة فيما بعد.
كما يمكننا تمييزها من حيث بنائها الفني، من حيث كونه بناء دراميًا يلجأ إلى الرمز والخيال، ومن حيث انفتاحها على الغيبي والميتافيزيقي وعوالم الآلهة وأنصاف الآلهة الذين يلعبون أدوارًا رئيسية فى الأساطير.
كما يمكننا تمييزها من حيث طبيعة الحدث أو الأحداث الـ "لا تاريخية" التي تشتمل عليها، وطبيعة رسالتها الـ "لازمنية"، كما يمكننا تمييزها بكونها ترتبط أساسًا بالمعتقدات أو تعمل على توضيح معتقدات تشكل الأسطورة طقسًا من طقوسها (1) وهي على أية حال خصائص ومميزات يمكننا بها أن نمَيِّز الأسطوري ونعزله عن الخرافى والتاريخي، ومن ثم يخلص لنا وجه الأسطورة بمعزل عن غيرها.
وقليل من النقاد والباحثين من استطاع ضبط مصطلح الأسطورة ضبطاً دقيقاً، وربما لذلك نلاحظ غموض النصوص النقدية التي اشتغلت على هذا المصطلح، ولعل ذلك مرجعه إلى أن الجنس الأدبي الذي تنتمي إليه الأسطورة يختلط بعدد من الأجناس الأدبية التقليدية الأخرى، مثل الخرافة والحكايا البطولية والحكايا الشعبية، والملاحم.
ولعل الإشكالية تبدأ من أن "القدماء أنفسهم لم يعملوا على تمييز النص الأسطوري من غيره، ولا هم دعوه باسم خاص يساعدنا على التعرف عليه بوضوح بين ركام ما تركوه لنا من حكايا وأخبار وأناشيد وصلوات وما إليها" (2) إضافة إلى كثير من التجاوزات التاريخية في الجمع والتدوين والرواية والتصنيف بداية من جامعي الأساطير ومدونيها من الإغريق القدماء وانتهاء بالباحثين الغربيين في العصر الحديث.
غير أننا قد نواجه إشكالية من نوع آخر عندما يتداخل التاريخي في الخرافي في الأسطوري على نحو يصعب معه فض الاشتباك؛ قد "تصبح الأسطورة أحياناً تاريخا وخرافة، وتداخلها مع الخرافة يزيدها تعمية وغموضاً، والتاريخ نفسه قد يصبح لدى جيل من الأجيال أسطورة، فشخصية الحلاج، وشخصية الحسين بن علي، والمسيح بن مريم، شخصيات تاريخية لكن بعدها الإنساني، ومدى تأثيرها في الفكر العربي لا يزال يفعل فعله بشكل أسطوري يفوق حد التخيل." (3)
غير أننا قد نتوقف عند شخصيات حقيقية عرفها التاريخ مثل "بلقيس" ملكة سبأ التى دخلت التراث العربى الإسلامى بعمق، خاصة بعدما وردت قصتها فى القرآن الكريم، وقد نسج الخيال الشعبى ما نسج حولها من حكايا وصنع حولها الأساطير التي تُروى شعرًا فى الغالب، يمكننا إلى حد كبير أن نلحظ كيف أن تلك الروايات تجمع بين الأسطورة والخرافة والتاريخ؛ حتى لأن تلك الحكايا بدت كما لو كانت معالجة تاريخية لمادة التاريخ كما يرى كمال الصليبى فى كتابه "خفايا التوراة وشعب إسرائيل".
يمكننا في هذا الإطار أن نعاين، أيضًا، سيرة "أبوزيد الهلالي" الشعبية، ونحن ندرك أن البطل فيها شخصية حقيقية لها وجودها فى التاريخ، وقد لعب الخيال الشعبي دوره فى أسطرة الحقيقي فيها عندما جعلوا أبا زيد الهلالي مؤيدًا، على الدوام، من السماء، ونظروا إلى أفعاله البطولية كما لو كانت صادرة عن قوى غيبية خارقة تحل بجسده، فيما بدا أبو زيد شخصية ملهَمة خارقة للعادة في الفهم أو القتال، كما أعطوا الطبيعة والكائنات الأخرى أدوارًا فى تأييد أبي زيد، كأن ترعد السماء وتبرق عندما يشتد القتال، وتُظْلم أحياناً أخرى لتعمي عيون أعدائه عنه، أو يحوم الطير فوق رأس أبي زيد عندما يتحرك إلى قتال، وما إلى ذلك من ترامٍ نحو الخارق والخرافي والأسطوري.
بيد أننا وفي مجال البحث عن التاريخ في الأسطورة يجب ألا ننزعج كثيرًا أو قليلاً من هذا التخالط أو الاختلاط أو الخلط بين الأسطورة وغيرها من الأجناس المزاحمة لها. ففي كافة الأحوال نحن أمام مادة تراثية لها قيمتها الأركيولوجية ولها بعدها التاريخي الحقيقى سواء أكانت أسطورية بالفعل أم مؤسطرة في الطريق.
وفيما يبدو أنه من الصعب تخليص الأسطورة من طوابع السيرة الشعبية أو تنقية السيرة الشعبية مما غشاها من أساطير بيد أن الأسهل هو التعرف على ما هو تاريخ أو خرافة أوأسطورة.
إن مثل هذا التوسع باتجاه الانفتاح على كل ما هو مؤسطر من الأجناس الأدبية الأخرى يبدو في صالح التاريخي وليس العكس، بيد أننا لم نعدم في هذا الصدد من الإفادة من هذا التوسع لصالح التاريخ، فقد مضى د. أحمد كمال زكى في كتابه "الأساطير: دراسة حضارية مقارنة" إلى تسمية هذه الأجناس المختلطة بالأسطورة بالتاريخسطورة Legend Myth.
فهذا الجنس "هو تاريخ وخرافة معًا، أو تتضمن عناصر تاريخية ومجموعة خوارق تأخذ إطار الحكاية. وهذه الحكاية لأنها تتعلق بمكان واقعي أو بأشخاص حقيقيين، تنتقل بالتواتر من جيل إلى جيل، ومنها في تراثنا حكاية 'داحس والغبراء'، وحكاية 'سد مأرب'." (4) وغير ذلك الكثير مما يمكن اعتباره تاريخسطورة.
هذا وقد تتفاوت النظرة من شعب إلى آخر، إلى ما هو خرافي وأسطوري بشكل نسبي يتبادلان المواقع فى الغالب، فما هو أسطوري لدى الهندوسي أو البوذي، مثلاً، هو خرافي بالنسبة للمسلم، والعكس صحيح أيضًا.
ومن هنا نؤكد على أن الأسطورة جزء من البنية الكلية للشعوب، أو بالمعنى هي تعمل في إطار ثقافي واجتماعي وسياسي يعترف بها، ويعطيها مشروعيتها في الوقت الذي يستمد منها قيمه الروحية والجمالية والفكرية.
وربما لهذا أيضًا تعد الأسطورة جزءًا من الواقع الذي تعمل فيه. ورغم البعد اللاتاريخي للأسطورة، فإنها أيضًا مؤشر في التاريخ، إن لم تكن هي في حد ذاتها تاريخًا حيًّا يمتد من الماضي إلى الحاضر، ارتبطت في نشأتها وتطورها بتطور الفكر الإنساني وانتقاله عبر مرحلتين تاريخيتين، الأولى اهتمام الإنسان بالظواهر الكونية: أساطير التكوين والأساطير الطقوسية، والثانية اهتمام الإنسان بوجوده الاجتماعي وتكوين النظرة الفلسفية الجمالية، وظهور الأساطير الرمزية والمجازية خلالها، إلى جانب أسطورة البطل الإله والأسطورة السياسية.
يمكننا أن نؤكد إذن أن التاريخ والميثولوجيا والواقع كلها مكونات للفكر الأسطوري.
وكما يرى أحد الباحثين أننا لا نستطيع أن نفهم الضرورة للأسطورة خارج الزمان والمكان، فهي ليست حالة جامدة ولا معزولة عن تأثيرات التطور في حياة الإنسان، هي نظام فكري متكامل استوعب قلق الإنسان الوجودي، وهى نظام ـ كما يقول برول ريكو ـ لوقائع رمزية في مجري الزمان، أو تعابير مجازية تخفي أعمق المعاني معبرة عن فلسفة كاملة لعصرها، من هنا نعتبر ـ كما ذهب طاهر شوكت البياتي في كتابه "مواءمة الأسطورة" أن فهمنا وتحليلنا للأسطورة ضرورة مهمة في قراءة التاريخ باعتبارها السجل الامثل للفكر وواقعه في مراحله المبكرة.
ولعلنا من كل ما سبق نكون قد استنتجنا إلى أي مدى يمكن الاستناد إلى الأساطير كمرجع تاريخي؟ وهو على أية حال سؤال ليس طارئًا، وكثيرًا ما يواجه به الباحثون في التاريخ والميثولوجيا أنفسهم، وهو على أية حال يمثل مدخلاً إلى منهج من مناهج البحث في التاريخ، ينأى عن الفهم الكلاسيكي الشائع للأسطورة الذي يرى الأساطير أباطيل وخرافات، في نفس الوقت الذي يطمح فيه إلى إعادة الاعتبار إلى الأسطورة فيما يعيد إليها قيمتها الأركيولوجية، وإمكانية قراءتها في ضوء شرطها التاريخي باعتبارها تسجيلاً للوعي واللاوعي في آنٍ واحد.
وفي هذا السياق نفسه يمكن فهمها على أنها تاريخٌ مشوَّهٌ تكمن مهمة الباحث في إزالة عوارض الزمن عن هذا التاريخ، وبذلك يعود التاريخ المتضمن في الأسطورة إلى نقائه، ولعل هذا ما فعله الباحث المصري د. سيد القمني في كتابه "الأسطورة والتراث" (1992) عندما قام بدراسة سير الملوك الأربعة: سليمان الحكيم، والإسكندر ذى القرنين، والنمرود بن كنعان، وبخت نصر. وهي سير تشكل نموذجًا للتداخل بين الأسطوري والتاريخي.
أو كما فعل فاضل الربيعي في بحثه عن الشيطان والعرش: رحلة النبي سليمان إلى اليمن (1996) في قراءة للمثيولوجيا الإسلامية، حيث نجح في رسم الملامح الدقيقة لذلك التاريخ البعيد الذي يحكي صراعات ملوك حمير، ويرسم لنا بدقة ظهور الملكة بلقيس على مسرح الأحداث والمسرح الديني الذي كانت تتحرك عليه، وطقوس الخصب المقدس التي تجعل من بلقيس كاهنة غمداية حيث كانت تمارس طقوس الجنس المقدس في الهياكل الدينية والتي تعد استمرارًا لطقوس الخصب البابلية والسومرية.
بيد أن معارضي هذا المنهج يرون أنه يسير في الاتجاه المعكوس عندما يقوم باستخلاص المادة التاريخية من الأسطورة، بيد أن هذا الرأي لا يشكل دحوضًا يُذْكر أمام آراء كثيرة ترى أن الأسطورة هى فجر التاريخ المعرفي، وأن الصلة بين الأسطورة والتاريخ قوية جداً، فالمادة الأسطورية مصدر مهم للمادة التاريخية، ولفهم حقيقة العالم القديم، فقد كانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه الإنسان القديم خلاصة فكره وأحداث حياته ومضمون حركته.
ومهما كان الخلاف حول هذا المنهج فإننا نرى أنه قادر على استخلاص المادة الحقيقية التي تخص التاريخ الحقيقي للبشرية، بيْد أنه سيظل بحاجة إلى قدرات خاصة في الباحث تؤهله للتحليل الدقيق للأسطورة، وغير ذلك بحاجة إلى صرامة منهجية تحمي الباحث من الوقوع في غواية الأسطورة نفسها، وهي مادة البحث التي يمكن أن تغويه فيؤسطر التاريخ، أو يأتي كلامه في التاريخ كما لو كان أسطورة جديدة. هوامش (1) يرجع في هذا إلى: فراس السواح في تعريفه للأسطورة في كتابه "مغامرة العقل الأولى (1981) ـ دراسة في الأسطورة ـ سوريا وبلاد الرافدين. سومر للدراسات والنشر والتوزيع، نيقوسيا ـ قبرص، الطبعة 6، صـ21.
(2) السابق صـ19.
(3) د. محمد عبدالرحمن يونس. الأسطورة في الشعر والفكر. دراسة مخطوطة.
(4) د. أحمد كمال زكي. الأساطير: دراسة حضارية مقارنة صـ 51. عبدالجواد خفاجي Khfajy58@yahoo.com