حتى لا يتحوَّل العرب إلى أقلية قومية

بقلم: جواد البشيتي

"الراصد الجوِّي"، في الولايات المتحدة، يتنبَّأ بتجمُّع وتراكُم مزيدٍ من سُحُب الحرب (الحدودية) بين عرب العراق وأكراده، بعد، و"بسبب"، رحيل "المارينز" عن أرض الرافدين، فهؤلاء يؤدُّون في شمال العراق الآن مهمَّة ليست من صُلْب مهمَّتهم الأصلية، هي "الفصل" بين "خصمين قوميين"، تشتدُّ الحاجة لديهما إلى "الحوار" بالحديد والنار. وهذا "العدو الكردي" قد يُوفَّق في بعث "الروح القومية" لدى عرب العراق، فتَضْمُر فيهم، ولو إلى حين، الحاجة إلى أن يُحاوِر بعضهم السني بعضهم الشيعي بالحديد والنار، فالطاقة المختَزَنة في هذه العصبية يمكن أن نَشْحَن بها، أو ببعضٍ منها، هذا العداء القومي الجديد.. الجديد في بعضٍ من حيثياته ليس إلاَّ.

من قبل، أي عندما اشتعل، أو أُشْعِل، فتيل الحرب العمياء بين الشيعة والسنة من عرب العراق، لمع نجم "الحليف" الفارسي ـ الشيعي؛ والآن، حيث يتوفَّرون على إعداد العدَّة لحربٍ بين "القوميتين"، في شمال العراق، حيث نفط كركوك يُصبُّ ويُسْكبُ على نار "الحرب الحدودية (والديمغرافية)"، حان لنجم الترك أن يلمع، فلتركيا مصلحة لا تعلوها مصلحة في أن تدرأ عن شطرها الكردي مخاطر هذا الفيضان للروح القومية لأكراد العراق النفطيين، الذين أحسنت الولايات المتحدة إليهم كثيراً، والذين قد تشتد الحاجة لديهم إلى الاحتماء بحصنٍ إسرائيلي.
في العراق، بدأت "التجربة".. تجربة جَعْل العرب، على كثرتهم العددية، وعلى سعة عالمهم، في منزلة "الأقلية القومية"، من الوجهة السياسية، أو من الوجهة السياسية ـ الإستراتيجية، فـ "الأمَّة العربية"، التي لا يقول بها الآن، وبجدواها وضرورتها، إلاَّ كل طوباويٍ حالِمٍ، على ما يقوله لنا الواقع بحقائقه، يمكن أن "تُخْتَصَر"، في مكانتها السياسية ـ الإستراتيجية، بـ "تضخيم" كل عصبية دونية، أي دون "العصبية" القومية، فالعربي يجب أن يستبدَّ به الشعور بأنَّه مسلم أوَّلاً، أو مسيحي أوَّلاً؛ والعربي المسلم يجب أن يستبدَّ به الشعور بأنَّه سني أوَّلاً، أو شيعي أوَّلاً؛ والعربي المسلم السني يجب أن يستبدَّ به الشعور بأنَّه مُنْتَمٍ أكثر إلى ما هو دون "العربي المسلم السني"؛ فإذا تجزِّأت "الأمَّة العربية"، المجزَّأة في ما يزيد عن عشرين "دولة"، بقوى "العصبية دون القومية" على اختلافها، وإذا ما توفَّرنا، وتوفَّر أعداؤنا معنا، على تجزئة، والإمعان في تجزئة، أجزاء وشظايا "الأمَّة"، أصبح العرب، من الوجهة السياسية ـ الإستراتيجية، "أقلية قومية"، يستأسد عليها حتى الفئران!
ولقد انتهت تلك "التجربة" في العراق إلى انقراض "الشعب العراقي"، فـ "العراقي" أصبح أثراً بعد عين؛ ذلك لأنَّ "العراقي" شرع يكتشف وجوده "الحقيقي" في سنيَّته، أو في شيعيَّته، أو في عصبية ثالثة لا تقل سوءاً. ومع انقراضه انقرض ما بقي على قيد الحياة من تلك الجماعة المسماة "عرب العراق" الذين تناحروا حتى نُحِروا وانتحروا، فَجَعْلهم جثَّة هامدة كان حاجةً إلى شَحْنِ "الدول القومية" المجاورة بمزيدٍ من أسباب الحياة والقوَّة، وكأنَّ النجوم والكواكب القومية في الجوار لن يسطع نورها إلاَّ بغروب شمس العرب.

"إنَّهم عرب".. هذه الجُمْلة نسمعها دائماً منهم، وكأن لا وجود للعرب إلاَّ في الخطاب السياسي والإعلامي للأعداء، أو الخصوم، القوميين للعرب، فإسرائيل تسمي الفلسطينيين من مواطنيها "عرب إسرائيل"؛ لأنَّ "الشعب الفلسطيني" لا وجود، ولا حقوق قومية، له في "أرض إسرائيل"، فهو جاء إليها غازياً من "أرض العرب"، وينبغي له أن يعود إلى "موطنه الأصلي"، إلاَّ إذا شمله "الشعب اليهودي" بشيء من "رحمته الإنسانية"، مبقياً، بالتالي، على جزء منه في جزء من "أرض إسرائيل"، ليؤسِّس فيه دولةً له لا يستحقها!

إسرائيل هي العدو اللدود للعرب إذا ما حاولوا الاتِّحاد القومي؛ ومع ذلك تريد لهم أن يتَّحدوا جميعاً في الاعتراف بها على أنَّها "دولة الشعب اليهودي" فحسب، والتي يحق لها أن تعيش في أمن وسلام، وأن تتمتَّع بعلاقة طبيعية مع كل الدول العربية. إنَّها، أي إسرائيل، تُقِرُّ بالوجود القومي للعرب ما أفادها هذا الإقرار في إقرار الدول العربية جميعاً بحقِّها في الوجود الذي يقوم على نفي الوجود القومي للشعب الفلسطيني، وعلى نفي حقِّه القومي والتاريخي في فلسطين.

من هذا العدو القومي الأوَّل نسمع تلك "الجُمْلة" التي يستطيب سماعها شعورنا القومي؛ ونسمعها، أيضاً، من جماعات قومية وعرقية تنمو فيها الميول والنزعات الانفصالية، فـ "العرب" موجودون ليس في العراق فحسب، وإنَّما في السودان، وفي الجزائر؛ وقد نسمع، عمَّا قريب، أنَّهم موجودون في بعضٍ من دول مجلس التعاون الخليجي، فكلَّما ظهر لنا خصم سمعنا بجملة "إنَّهم عرب"!

وبهذه "المأساة" تقترن "المهزلة"، فجملة "نحن عرب" لا نسمعها في الدول العربية التي لا يعيش فيها "خصوم قوميين"، أي في غالبية الدول العربية، أو حيث يتركَّز وجود "الأمَّة العربية"، ففي معقل الوجود القومي العربي، الذي تتقاسمه أكثرية الدول العربية، نسمع فحسب جُمَلاً من قبيل "أنا مصري"، "أنا سوري"، "أنا سعودي"، "أنا أردني".

حتى في "أحكامنا الأخلاقية" اعتدنا تمجيد "الجزء" وتحقير "الكل"، فإذا نبغ أحدنا في العلم أو في الرياضة أو في..، نمجِّده قائلين "إنَّه مصري أو سوري أو سعودي أو أردني أو فلسطيني.."؛ أمَّا إذا رأيناه يبوِّل في الشارع فعندئذٍ يصبح "عربياً"، فنقول في تحقيره والتبرؤ منه "إنَّه عربي (فهل تتوقَّع منه غير ذلك؟!)"!

لقد تمكَّنت منَّا، شعوراً وعقلاً وثقافةً ولساناً..، كل عصبية حقيرة تافهة، فشرعنا نَنْسِب إليها كل مأثرة وفضيلة، ونَنْسِب إلى "العروبة"، في الوقت نفسه، كل مثلبة ورذيلة، فلماذا؟

إنَّني أسْأل طالباً التفسير والتعليل، ومن غير أن أضَع علامة تعجُّب بعد علامة الاستفهام.

إنَّني أميل إلى قياس "الوجود القومي" للبشر بـ "مقياس كاوتسكي" وليس بـ "مقياس ستالين"، فالقومية إنَّما هي كل جماعة "يشعر" أفرادها، كلهم أو معظمهم، بالانتماء القومي، ولو افتقروا إلى "البنية التحتية الاقتصادية" للوجود القومي، فهذه البنية، وعلى أهميتها، التي غالى فيها ستالين، لا تَخْلِق، وإنَّما تنمِّي، الشعور بالانتماء القومي.

في مناخ "النصر"، بمعانيه المختلفة، ينمو ويزدهر الشعور بالانتماء القومي؛ أمَّا في مناخ "الهزيمة"، بمعانيها المختلفة، فيضمر ويضمحل.

"الناصرية" بزعيمها، وبفنانيها، وفي مقدَّمهم أم كلثوم، كانت، حتى الخامس من حزيران 1967، المناخ الذي فيه نما وازدهر شعور الغالبية العظمى من العرب (في الدول العربية جميعاً) بالانتماء إلى أمَّة واحدة، ينبغي لها أن تتغلَّب على قوى التجزئة فيها، وفي خارجها، وأن تتَّحِد في دولة قومية واحدة، فعبارة "أنا عربي" كانت في ذلك "الزمن الأندلسي" قويةً وحيوية في معناها وتأثيرها.

ولَمَّا وقعت "الهزيمة الحزيرانية التاريخية" شرع "المد" القومي يتحوَّل إلى "جَزْرٍ"؛ ومن الحجارة المتأتية من هدم الشعور بالانتماء القومي شرعنا نبتني منازل لنا في عالم "أنا لست عربياً"، فتقزَّمت "الأمَّة" وتعملقت "الدول" بما تمثِّله من نزعاتٍ وميولٍ، اخترعوا لها "أطلساً" هو "أطلس سايكس ـ بيكو"، وأشباهه.

كلَّما أحرز العرب نصراً، بمعانيه المختلفة، نما الشعور بالانتماء القومي؛ وكلَّما هزموا اضمحل هذا الشعور، ونما من اضمحلاله الشعور بالانتماء إلى ما لا يستحق الانتماء، أي إلى "هوية" لا يَعْظُم الشعور بالانتماء إليها إلاَّ لدى المهزومين، الذين يتوفَّرون عندئذٍ على تحويل مأساتهم إلى مهزلة من خلال اختراع عُمْق حضاري وتاريخي لـ "الشظية" التي يعيشون فيها، وكأنَّهم لا يزوِّرون النقود إلاَّ ليقيموا الدليل على وجود، ووجوب وجود، النقد الحقيقي!

والآن، أُنْظْر بعين لا تغشاها الأوهام إلى "أطلس " العالم العربي، فترى أنَّ بعضاً من دولنا العربية ما عادت، من الوجهة الديمغرافية، ومع تعاظُم "العولمة" مع مخاطرها، عربياً، بدول "عربية"، وأنَّ الدول "العربية"، من الوجهة الديمغرافية، ما عادت بـ "العربية" من حيث قوَّة الشعور بالانتماء القومي، فـ "الجزء"، الذي هو في المنطق أصغر من "الكل"، هو الآن، وفي كل دولة عربية، أقوى من الكل.

وأحسب أنني لا أغالي إذا قُلْت إنَّ إسرائيل تستمدُّ 90 في المئة من قوَّتها من هذا المد في "العصبية دون القومية"، بصورها المختلفة، وكأنَّها تحتل بجنودها جزءاً صغيراً من أرض العرب، وبـ "العصبية دون القومية" التي تستبد بنا سائر أرض العرب!

كل الحدود بين الدول العربية إنَّما هي حدودهم.. حدود مصالحهم، بتصالحها وتنازعها؛ وينبغي لنا ألاَّ نحاول تخطِّي هذا "الخط الأحمر الدولي" الكامن في تلك الحدود، فويل لنا إذا ما فكَّرْنا، مثلاً، في أن نبتني على جانبي الحدود مدناً ومناطق قومية حرَّة، يمكنها أن تنمو نموَّاً خلوياً حتى تبلغ منتهى هذا النمو وهو قيام الاتحاد القومي العربي، فـ "المناطق الحرَّة" التي نعرف إنَّما هي التي تُفْقِرنا اقتصادياً وتغنيهم.

إنَّنا في دولٍ ليس لها من مصلحة تَحْمِلنا على التفكير في بناء مدينة صناعية كبيرة في هذه المنطقة الحدودية أو تلك، يحقُّ لأيِّ عربي أن يعيش فيها، ويعمل، وأن يَنْعُم بالحرية المدنية والسياسية، فيصبح لدينا، بالتالي، ما يشبه "الأجنَّة" للاتحاد القومي العربي.

وكيف لنا أن نفكِّر في هذا ونحن دولٌ تفهم مصالحها الأمنية على أنَّها مرادف العداء لكل حياة حزبية سياسية قومية البُعْد، فالحزب السياسي المتفرِّع، أو الممتد، قومياً، هو المحظور والمذموم والملعون؛ أمَّا نقيضه، في هذا المعنى، فهو "الأصيل" و"الحقيقي"، و"الشرعي"، ولو خضع سياسياً لمصادر التمويل الأجنبي، بمسمياتها المختلفة!

إنَّ الأمم الميتة، المنقرضة، هي في زماننا وعصرنا، الأمم التي كلَّما نمت ديمغرافياً اضمحلت في المعنى السياسي ـ الإستراتيجي لوجودها، وكأنَّها أكثرية عددية ـ أقلية سياسية، كما المرأة في مجتمعنا. إنَّها من الوجهة العددية نصف المجتمع؛ ولكنها "أقلية" من الوجهة الحقوقية والسياسية والحضارية..

ولقد حان للعرب أن يفهموا وجودهم القومي على أنَّه مكمن مصالحهم الكبرى والحقيقية، وأن يتِّخذوا منه، ومنه فحسب، "زورق نجاة"، و"آلة للسفر عبر الزمن"، ينتقلون فيها من الماضي، الذي هو كل حاضرهم، إلى المستقبل؛ ولكنهم لن يصبحوا أهلاً لهذا الخيار التاريخي، أو للعمل بمقتضى هذه الضرورة التاريخية، إذا لم يتَّخذوا من الديمقراطية، بمعناها العالمي، روحاً ينفخون منها في جسدهم القومي، فالقومية العربية، المفعمة بالروح الديمقراطية، وبروح العداء لإسرائيل، والمتصالحة المتآخية مع الجماعات القومية التي نتقاسم معها مكان العيش، كالأكراد، والتي تَنْبُذ ضيق الأفق القومي، وتتسلَّح بسعة الأفق الحضاري والإنساني، هي وحدها ما نحتاج إليه كاحتياجنا إلى الهواء والماء! جواد البشيتي