حتى لا تصبح المواجهة حتمية في لبنان بعد تهديدات ناصر قنديل

بقلم: حسان القطب

تتفاقم الأزمة في لبنان وتتعاظم المخاطر الداخلية التي تتهدد السلم الأهلي والاستقرار الوطني. ويتبارى المستفيدون من حال الفوضى والفتنة، أو المرتبطون بالمشاريع الخارجية، لإطلاق التصريحات التي تستهدف شريحة واسعة من اللبنانيين وبشكل خاص القوى الرافضة للخضوع والخنوع للمشروع الإيراني – السوري في لبنان.

في الأمس أطلق ناصر قنديل النائب السابق المرتبط بالنظام السوري مباشرةً وبمشروع حزب الله في لبنان، ومن على شاشة محطة ميشال عون التلفزيونية تهديداً واضحاً وصريحاً لأبناء الطائفة السنية في لبنان وذلك حين "حذر النائب السابق ناصر قنديل من مشروع لتهجير المسلمين السنة من صيدا وبيروت والبقاع كأكياس لحم إلى الشمال، مؤكداً منع النواب من الذهاب إلى بعبدا إذا كانوا سيرشحون الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة."

من يريد تهجير السنة في لبنان؟ ولمصلحة أي مشروع؟ ومن هي القوى المسلحة والمهيمنة والمتسلطة التي بإمكانها أن تنفذ مشروع كهذا؟ أليست هي عينها القوى التي تقدم نفسها على أنها قوى المقاومة والممانعة والمواجهة؟ وإنها تتحضر عسكرياً لمواجهة أي اعتداء إسرائيلي على لبنان وجنوبه؟ ويستهدف الشعب اللبناني.. والفلسطيني؟ وإذا بها اليوم وعلى لسان ناصر قنديل أصبحت أداة تهديد بالتهجير إذا لم ينصاع أهل السنة والجماعة في لبنان وبالتحديد في صيدا وبيروت والبقاع وإقليم الخروب لإملاءاتها وخضعوا لشروطها.. ونفذوا أوامرها؟

لم نسمع رداً واحداً من احدهم على هذا التهديد الوقح، وخاصةً من بعض الذين انتفضوا أو تطوعوا للرد على النائب محمد كبارة حين اعترض على التهديدات التي أطلقها وئام وهاب بحق نواب وصحافيين وسياسيين ومواطنين في مقابلة تلفزيونية.

يظن البعض من قيادات حزب الله وبعض حلفائه من القوى المعترضة على الاستقرار والسلم الأهلي أن التهديد بالسلاح والتلويح بالاجتياح والاعتقال قد يرهب المواطنين اللبنانيين الرافضين لمنطق الذل والاستعباد والهيمنة، وأن الاستعراضات السوداء التي انطلقت مع الفجر بهدف ترهيب الأمهات وأطفال المدارس قد تخيفهم. إلا أنها في حقيقة الأمر لن تنال من صمود اللبنانيين مسلمين ومسيحيين ولن تثني اللبنانيين عن السعي لبناء الدولة ومؤسساتها، وعلى هؤلاء القوم أن ينصتوا قبل أن تقع الكارثة إلى كلمة السيد علي فضل الله الذي خاطب الجميع حين قال "أيّها اللّبنانيّون، فلنبادرْ إلى إنقاذ لبنان قبل فوات الأوان، فالفرص لا تزال سانحةً، ولا زلنا قادرين على القيام بواجباتنا الوطنيّة والدّينيّة الّتي تجنّبنا الوقوع في المنـزلق الخطير، وإذا ما وقت الواقعة، لا سمح الله، عندها لن نجد حولنا إلاّ الشّامتين، ولن يستفيد من انهيار مجتمعنا ودولتنا ومصالحنا إلاّ العدوّ الصّهيونيّ الّذي يتربّص بنا جميعاً الشّرور. فهل نستمع إلى صوت العقل قبل أن تقع الكارثة وينهار الهيكل اللّبنانيّ على رؤوس الجميع".

السلاح الذي تم توزيعه قبل أشهر من قبل حزب الله على بعض المجموعات في بعض المناطق، كان تحضيراً لهذه المرحلة التي يتم خلالها اليوم رفع منسوب التهديد والتهويل بوقوع فتنة طائفية ومذهبية، إضافةً إلى استغلال المواقف التصعيدية التي يطلقها ميشال عون وفريقه ضد القيادات السنية وسائر القيادات الوطنية، إلى جانب مواقف أخرى يطلقها بعض الرموز المحسوبة على هذا الفريق الانقلابي، لخدمة مشروعه وتغطية هفواته وسقطاته واخطائه، ومنها تهديدات وئام وهاب وناصر قنديل ومجموعة ميشال عون.

ما يسعى حزب الله لتحقيقه اليوم هو ترهيب المجتمع اللبناني من خطر الانزلاق نحو الصراع الداخلي، خاصةً وأنه هو وحده يملك اليد العليا لإطلاق شرارة أي صراع، كونه الوحيد المدجج بالسلاح والمدعوم بالرجال، لإلغاء المحكمة الدولية والتخلي عن العدالة، أو بالأحرى مقايضة الاستقرار بالعدالة وهذا ما أعلنه البعض بكل وضوح في اللقاءات المغلقة.. والاستعراض العسكري الذي مارسه حزب الله منذ أيام، قبل حضور الوفد القطري – التركي، للعب دور الوساطة كان بهدف الضغط على القوى الاستقلالية لإضعافها خلال المفاوضات وإعطاء انطباع للوفد المفاوض أن الأمور على حافة الانفجار، فمن باب المصلحة الوطنية وحقناً للدماء الانصياع لمطالب حزب الله ومطالبه والإذعان لشروطه.. وإلا فإن دماء اللبنانيين سوف تسيل بسبب التعنت وعدم الرضوخ... وهذا ما لم يتحقق.

إذا لم يستنكر حزب الله ما قاله ناصر قنديل فهذا معناه أنه على علم بهذه المؤامرة وانه أداتها.. وان المواجهة حتمية؟ وإذا تجاهل حزب الله نداء العقل الذي وجهه السيد علي فضل الله، فهو يرتكب خطأ بالغ الخطورة! وإذا استمر حزب الله في رفضه التعاون مع المجتمع الدولي والعربي لإحقاق العدالة وتامين الاستقرار واحترام موقع رئاسة الوزراء وما يمثله بالنسبة للبنانيين كافة وللطائفة السنية في لبنان بالتحديد.. فهو يعرض لبنان لمخاطر عديدة ويجعله ساحة مفتوحة للتدخل الدولي والعربي الرسمي وغير الرسمي بكافة أشكاله؟ وإذا تجرأ على النزول بالسلاح إلى الشارع وممارسة ما يبشر به بعض حلفائه في العلن وما يسربه حزب الله للإعلام في الخفاء.. بحق القيادات والمواطنين اللبنانيين، فالقوى الأمنية مطالبة بالتصدي لأي اعتداء والعمل على ضبط الأمن دون تردد، منعاً لتمادي المعتدين ودرءاً للفتنة، وإلا فإن العدالة ستكون مسألة نسبية... وبالتالي رد العدوان يكون مسؤولية كل مواطن غيور على أهله وأرضه وعرضه.. ولا يخفى على كل عاقل ما قد يؤدي إليه هذا الأمر من فوضى عارمة ودماء سوف تسيل بسبب الحماقة التي يكون قد ارتكبها حين ذاك هذا الفريق المتسلط.

حسان القطب