حتى تبقى مصر هبة النيل

بكل تأكيد الأزمة الحاصلة بين دول منبع نهر النيل ودول المصب هي أزمة قديمة وتعود للنظام السابق وذلك عندما ارتأت دول المنبع أن التوزيع الحالي لمياه النيل غير عادل ويتعارض مع مصالحها وحقوقها المشروعه في هذه المياه، ورغم اهمال النظام السابق لهذه القضية إلا أن الأمر كان يدور في اطار مباحثات ومشاورات ومؤتمرات وأنباء عن سدود ستبنى ومنها سد النهضة التي أعلنت عنه أثيوبيا .

الأمر بعد الثورة المصرية اختلف رغم أنه كان قد بشر بانفراجات في البداية وذلك عندما بدأت الدبلوماسية الشعبية تلعب دورا في هذا الصدد، وبدأت الوفود الشعبية تزور دول المنابع وتستمع لهم ولمشاكلهم وبدأ أن الأمر يحمل انفراجه معينة ولكن كانت انفراجة مؤقتة .

بعد تولي الدكتور محمد مرسي الرئاسة وتعيين الدكتور هشام قنديل رئيسا للوزراء كنا نعتقد أن هذا الملف سيدار بعناية تمكننا من الحفاظ على الحقوق المصرية في مياه النيل خاصة في ظل مبدأ الارث التاريخي والزامية المعاهدات الموقعه في هذا الصدد بين الدول المطلة على مياه النيل. ولكن للأسف لم يحدث هذا، وأهمل هذا الملف تماما ومع حالة الضعف الشديد الذي تمر بها الدولة المصرية والتي وصلت إلى درجة التهديد بوجودها ووحدتها تشجعت الدول الأفريقية على أن تتمسك بحقوقها في هذه المياه وتشرع في تنفيذ مشروعاتها المائية ومنها سد النهضة الإثيوبي الذي كان ارتفاعه يبلغ في المفاوضات 100 متر والآن وفي ظل حالة الضعف الشديد الذي تعاني منه الدولة المصرية رفعته أثيوبيا ليصل إلى 147 متر وهو ما ينذر بانخفاض شديد في حصة مصر والسودان من مياه النيل مع ما يترتب علي ذلك من أضرار شديدة في كلا البلدين .

كل ما سبق أمر يفترض أنه معروف وواضح لدى القيادة المصرية خاصة مع كون رئيس الوزراء متخصصا في هذا المجال وعمل في هذا الملف لفترة طويلة كانت تتطلب منه اهتماما أكبر وتحركا شاملا في هذا المجال بما يحمي مصالح مصر وحقوقها في هذه المياه، خاصة وأن انخفاض الكمية الواردة لمصر من مياه النيل سيترك أثرا كبيرا على كمية الطاقة الكهربائية الناتجة من السد العالي ومصر الآن وقبل انخفاض الكمية تعاني من انخفاض في الطاقة الكهربائية وهو ما يترجم في الإنقطاع الدائم ولساعات طويلة في الكهرباء. ومع ذلك لم تتحرك الحكومة المصرية، ولم تحاول أن تصل إلى اتفاقيات عادلة لها ولدول المنبع تحمي مصالح الجميع، ورغم أن مياه النيل هي قضية أمن قومي مصري وأحد العوامل الأساسية في تكوين السياسة الخارجية المصرية منذ القدم، وعلى الرغم من الدور المعروف والواضح لأسرائيل في هذه القضية تحديدا والذي نتج عنه صمت المنظمات الدولية عن الإنتهاكات القانونية التي تقوم بها اثيوبيا حاليا للاتفاقيات المتعلقة بتقسيم الحصص في مياه النيل إلا أن الإدارة المصرية لا تتحرك وتكتفي بالصمت وحتى الإدانة لم نسمعها ولا أعرف حقا السبب .

الصورة القاتمة التي تظهر بوضوح في هذا الملف تتطلب تحركا مختلفا من المصريين حتى نستطيع أن نحافظ على شريان الحياة، وحتى تبقى مصر هبة النيل، وفي ظل العجز الحكومي الواضح والفشل التام في هذا الملف لا يبقى أمامنا سوى التحركات الشعبية وفي رأيي هناك سبيلان أن اهتم المجتمع المصري بتفعيلهما فربما يشهد هذا الملف انفراجة كبرى تحافظ على حقوق مصر في مياه النيل وتنقذها من الجفاف :

أول السبل هو تفعيل دور الكنيسة المصرية الأرثوذكسية في هذا الملف واشراكها في ادارته، من المعروف أن الكنيسة الأثيوبية هي كنيسة تابعة للكنيسة الأم في مصر، كما أن للكنيسة دور هام في المجتمع الإثيوبي ولها دور في الحياة السياسية الأثيوبية وهو ما يقوى من أهمية دور الكنيسة المصرية في هذا الشأن، والكنيسة المصرية بكل ما هو معروف عنها من وطنية وحبا لمصر لا أعتقد أنها ستتأخر في لعب دورا في هذا الشأن يقرب بين وجهات النظر بين البلدين ويفتح بابا للحوار الفعال بين كل الأطراف بما يحقق مصلحة البلدين، وأوجه هنا ندائي للبابي تاوضروس أن يقوم بهذا الدور ويفعله وهو قادر على ذلك رغم أنه أعلن مرارا وتكرارا رغبة الكنيسة بالبعد عن السياسة والإكتفاء بدورها الديني والإجتماعي، ولكن ملف مياه النيل هو ضرورة مجتمعية وحياتيه قبل أن يكون دورا سياسيا .

الطريق الثاني هو الدبلوماسية الشعبية التي كانت قد بدأت تلعب دورا هاما في الفترة التي أعقبت الثورة وقامت بزيارات عديدة للدول الأفريقية وقوبلت بترحاب شديد، ولكن لسبب أو لآخر توقف دورها دون معرفة الأسباب، من المعروف أن غياب الدور المصري في دول المنابع وعدم الاهتمام باحتياجات تلك الدول كان أحد أسباب نجاح الدبلوماسية الإسرائيلية في تلك المنطقة التي سارعت بالاهتمام بتقديم المساعدات المادية والفنية لسكان تلك الدول مما جعلها تصبح لاعبا أساسيا ومؤثرا في هذه المنطقة.

مطلوب من الدبلوماسية الشعبية تحركا سريعا وقوي في هذه المنطقة، من الممكن ارسال المهندسين الزراعيين والكهربائيين المصريين إلى هذه المناطق ومحاولة ايجاد حلول لمشاكل تلك الدول الزراعية والكهربائية تتناسب مع مصالح مصر القومية والحفاظ عليها، أيضا من الممكن ارسال اطباء ومعلمين الي تلك المناطق وتقديم المساعدات الفنية للسكان مما يعيد لمصر دورها الهام الذي لعبته لقرون طويلة في هذه المنطقة .

نحتاج للتحرك السريع والفعال دون تعالي أو اهمال حتى لا نصحو يوما ونرى أن النيل لا يجرى في أرض مصر