حتى الرجل!

مسكوت عنه

اعتدنا كمجتمعات عربية أن نقرأ عن تحرش الرجال بالنساء في الأسواق والأماكن العامة ونطالب بإيقاع أقصى العقوبات بحق هؤلاء المتحرشين. ولكننا لم نعتد أن نتحدث عن العكس وهو تحرش النساء بالرجال.

فدائما ما نتهرب من الحديث عن تلك القضية ومن مشاهدتنا لما يحدث في الأسواق وبعض الأماكن العامة من سلوكيات سلبية وتصرفات طائشة لا مبالية من قبل بعض الفتيات والسيدات تجاه الباعة أو مرتادي تلك الأماكن من الرجال والتي قد تصل أحياناً إلى معاكسة الزوج في حضور زوجته!

قبل فترة ليست بالطويلة اشتعلت المواقع الاجتماعية كتويتر والفيس بوك بالحديث عن عدد من حوادث التحرش بالنساء في السعودية وكان الجميع يتحدثون عن سلوكيات الشباب المتحرشين ويطالبون بالتشهير بهم. وتناسوا دور بعض الفتيات في وقوع مثل تلك الحوادث.

فقبل أن نطالب بالتشهير بالشباب المتحرش ومحاسبته علينا ألا نغفل دور المرأة المتحرشة وننظر لسلوكها العام ونحاسبها. فكثير من الفتيات تمارس السلوكيات الطائشة وتلعب بالنار ثم تحاول إخراج نفسها من تلك المشكلة بالتباكي واتهام الرجل بالتحرش بها!

يسري على مجتمعاتنا العربية ما يسري على بقية المجتمعات. ففينا الأسوياء وفينا غير ذلك فلا ينبغي التهرب من واقعنا بالعيش في أوهام المدينة الفاضلة والحديث عن جرائم الشباب وإغفال التصرفات غير المسؤولة من قبل بعض السيدات والتي تساهم في إشعال فتيل الفتنة.

حوادث التحرش تتكرر وبشكل شبه يومي في كثير من المدن العربية والجميع يتحدث عن الظاهرة من جانب واحد وهو جانب الرجل ونادراً ما يتم الحديث عن السلوك العام للمرأة المتحرشة والتي قد تمارس تحرشها بالرجل وهي مطمئنة وعلى ثقة بأنها في مأمن من العقاب ولن تقع تحت طائلة القانون أو اللوم فهي تدرك تماماً بأنه لا أحد سيصدق الرجل إذا قال عنها ذلك.

وأذكر أنني اطلعت على خبر حول تقديم إحدى المؤسسات الإعلامية في بريطانيا الاعتذار لعائلة موظف أقدم على الانتحار في خريف العام الماضي إثر تجاهل شكاوى الموظف المتكررة ضد مسؤولة في المؤسسة بتهمة التحرش الجنسي. فقد كان الموظف يعاني ضغوطاً نفسية على خلفية مشاكل مرتبطة بظروف عمله ومستمرة منذ ما لا يقل عن خمس سنوات. ومشاكل العمل هذه كما ظهر في جلسات تحقيق قضائي لتحديد ظروف الوفاة مرتبطة بخلاف بينه وبين مسؤولة بارزة في المؤسسة الإعلامية التي يعمل فيها دون أن تتحرك المؤسسة لوضع حد لتصرفاتها.

هذه الحادثة وغيرها معاكسها للمألوف، فالرجل هو من يتحرش بالمرأة وليس العكس. ولكننا في السنوات الأخيرة بدأنا نسمع خاصة في الغرب عن رفع قضايا تكون المرأة هي من تستغل العاملين لديها جنسياً وتحت طائلة التهديد بالطرد أو التهميش.

وفي أميركا هناك نحو 15 ألف دعوى تحرش جنسي تُعرض سنوياً أمام "مفوضية تكافؤ فرص العمل" الأميركية (لا تشمل هذه الأرقام الدعاوى التي يتولاها محامون في شكل خاص). وبحسب الأرقام، فإن الشكاوى التي يرفعها الرجال بزعم تعرضهم للتمييز أو المضايقة الجنسية ارتفعت ثلاثة أضعاف خلال السنوات القليلة الماضية. وحالياً، تمثّل الدعاوى المرفوعة من رجال ضد رئيساتهم في العمل بتهمة التحرش أو المضايقة الجنسية ما نسبته 11 في المائة من مجموع كل الدعاوى.

وفي هذا الإطار، أظهرت أرقام لمؤسسة محاماة أميركية "لويس هاريس وشركاؤه" أجرت استفتاء شمل 782 موظفاً وموظفة، أن 31 في المائة من الموظفات يزعمن أنهن تعرضن للتحرّش في مقار العمل، فيما يقول 7 في المائة فقط من الموظفين الرجال إنهم تعرضوا للأمر ذاته.

وفي حين قالت الموظفات النساء بنسبة 100 في المائة إن المتحرشين بهن هم رجال، قال 59 في المائة من الرجال إن المتحرش امرأة (41 في المائة منهم قالوا إن المتحرش بهم هم رجال أيضاً).

ومن بين النساء اللواتي تعرضن للتحرش، قالت 43 في المائة منهن إن المتحرش هو "المشرف" على عملهن، فيما قالت 27 في المائة إن المتحرش مسؤول أعلى منهن رتبة. وقالت 19 في المائة منهن إن المتحرش موظف بالرتبة ذاتها، فيما قالت 8 في المائة إن المتحرش أدنى منهن رتبة.

وفي مصر سجلت وحدة الدراسات الاجتماعية لمركز حماية المجتمع إحدى الجمعيات الأهلية في بحث ميداني بالقاهرة الكبرى نسبة 9% من عينة البحث من الرجال الذين تعرضوا لتحرشات جنسية من نساء. وأشار البحث نفسه إلى أن نسبة 4% من الرجال اضطروا لإقامة علاقات جنسية خارج إطار الزواج بناء على ضغط من سيدات، فيما كانت معظم السيدات المتحرشات جنسياً بالرجال هن مديرات أو مالكات للشركات التي يعمل بها الرجال الذين اضطروا للعلاقات الجنسية غير المشروعة مع هؤلاء النساء.

في عالمنا العربي دائما ماً نتحدث عن استغلال الرجال للنساء والتحرش بالإناث في الأماكن العامة وفي العمل وعرض خدماتهم وتضيق الخناق على المتحرش بها في حال الممانعة والرفض. ولكن ماذا عن تحرش النساء بالرجال واستغلال المرأة للرجل للوصول إلى المناصب والترقية من بوابة الأنوثة وليس للجدارة في العمل؟ هذه القضايا وغيرها بدأت تطفو على السطح وهي أعطاب اجتماعية موجودة وتحتاج لتسليط الأضواء عليها من قبل الباحثين والكتاب والحديث عنها بصراحة وشفافية والبحث عن حلول رادعة لها حماية للأفراد والمجتمعات.