حالة حقوق الإنسان في مصر: التقرير العار

بقلم: محمود طرشوبي

نشرة جريدة المصري يوم الأربعاء 16/12/ 2009 فقرات مطولة من تقرير حالة حقوق الإنسان في مصر الذي قدمته الحكومة المصرية الى مجلس حقوق الإنسان الدولي، التابع للأمم المتحدة، ومن المنتظر أن يناقشه المجلس خلال الجلسة السابعة، المقرر انعقادها في الفترة من 8 الى 19 فبراير المقبل بجنيف.
بالرغم من يقيني الكامل أن فكرة حقوق الإنسان هي مجرد فكرة غربية اخترعها العالم الغربي للسيطرة على شعوب العالم، ولجعلها أداة للسيطرة وعند تعارضها مع مصالحها لا تجد لها آثراً، وليس هناك دليل على ذلك أكبر من مجازر تركستان التي صمت العالم الغربي المتشدق بها. وأين كانت حقوق الإنسان وقت حرب غزة، وأين هي وأمريكا تقتل المدنيين في باكستان والعراق، والناتو يتزعم للسيطرة على أفغانستان ويقول إنها حرب من أجل حقوق الإنسان وإلى الآن العدد الذي قتل من المدنيين لا يساوي نصف في المائة من عدد طالبان والقاعدة، إلا أنني مضطر لقراءة هذا التقرير الذي لا يمثل حالة حقوق الإنسان في مصر بالطبع، وما هو أكثر من بيان حكومي عن إنجازات الحكومة السنية، خاصة منذ تولي الرئيس المنتخب في عام 2005.
ونبدأ من الفكرة المحورية داخل الحياة السياسية المصرية التي عليها نعيش وبها نمارس حياتنا وهي حالة الطوارئ المطبقة في مصر منذ مقتل الرئيس السادات 1981. و"اعتبر التقرير إذا كانت حالة الطوارئ قد استطال العمل بها حتى الآن، فإن واجب الإنصاف يقتضي أن نبين ما يلي: إن إعلان حالة الطوارئ جاء بناء على وجود خطر حقيقي يهدد أمن البلاد والمواطنين، وهو خطر الإرهاب الذي شمل الاغتيالات السياسية، إن السلطة السياسية التزمت عند إعلان حالة الطوارئ وتجديدها، بألا تستخدم التدابير الاستثنائية التي تتيحها حالة الطوارئ إلا لمواجهة الإرهاب وجرائم المخدرات ونفذت ما التزمت به".
إن حالة الطوارئ التي فرضت منذ مقتل السادات وإلى الآن لم تزد البلاد إلا إرهابا لكل فئات الشعب وكانت هي السيف المسلط على رقاب العباد، ولم تستعمل الطوارئ مع أي خطر يهدد البلاد، ولا مع المخدرات، كما يزعم التقرير. فالمخدرات في مصر سلعة تباع وتشترى، مثل متطلبات الحياة اليومية في مصر، إن البانجو والحشيش في مصر موجود مثل الأرز والدقيق لدرجة أنك تجد الأطفال ما دون الثمانية عشر يتعاطون البانجو ونسبة الإقبال على البانجو والحشيش، خاصة بين الشباب مرتفعة بشكل كبير، فأين الطوارئ من انتشار المخدرات؟ والعجيب أن الحكومة تعرف من هم التجار الكبار أو على الأقل تعرف من هم تجار التجزئة، فلماذا من باب الحرص على الوطن لا تفتح لهم المعتقلات؟
إن الحكومة لا تستخدم الطوارئ إلا مع الخصوم السياسيين، ولقمع الحريات. أما الإرهاب فبعد أحداث العنف في بداية فترة التسعينات لم تحدث عمليات إرهابية إلا حادثة الأقصر، ثم توقفت هذه العمليات تماما حتى عام 2004 مع تفجير الحسين، وبعد ذلك جاءت تفجيرات طابا ثم تفجيرات شرم الشيخ، وكان تفجير الحسين الأخير في هذا العام، هل هذه حوادث إرهابية كان يجب أن يستمر العمل بقوانين الطوارئ طول هذه الفترة؟ هل استمرت أمريكا في فرض الطوارئ بعد أحداث 11 سبتمبر الى الآن، هل فرضت بريطانيا الطوارئ بعد تفجيرات 7/7 في مترو الأنفاق أو إسبانيا بعد أحداث مدريد، ناهيك على أن فرض هذه الحالة طوال 30 عاماً لم يمنع من حدوث عمليات عنف مسلح، ولم يتم التعامل معها حتى بقوانين الطوارئ، بل تم التعامل بقوانين الاستبداد والظلم والجبروت والقي مئات من شباب مصر داخل السجون لفترات تصل الى خمسة عشر عاماً، وكل تهمته أنه كان صديقا أو قريبه أو جارا لشخص قام بعملية إرهابية، أو كان ملتحيا أو صلى في مسجد يسيطر عليه مجموعة من الجماعات الإسلامية. وقضوا داخل السجون زهرة شبابهم.
فأي إرهاب أحق بالعقاب: إرهاب النظام أم إرهاب المواطن الذي تمت معاقبته على جريمة لم يرتكبها ولم يشارك في صنعها.
وها نحن في 2009 لم تحدث أي عمليات غير عملية الحسين وهي عملية بدائية لا تستحق تمديد الطوارئ، وعندما أردت الحكومة وقف العمل بالطوارئ فكرت في قانون الإرهاب، وعند القراءة المبدئية فيه أنه جعل من مصر سجناً يتسع لكل المصريين.
كان على المجلس القومي لحقوق الإنسان أن يطالب بوقف الطوارئ لا أن يدافع عن حكومته الذي أنشأته لتجميل النظام ولا أجد فيهم اسماً إلا من خدام النظام أو من ينتظر، فأموال العاملين في هذا المجلس حرام، لأنها مغموسة بعرق الاستبداد والطغيان الذي يمارسه النظام وهم يقومون بتجميله "فويل لهم من ما كتبت أيديهم وويل لهم من مما يكسبون".
ثم تكلم التقرير عن التعذيب في مصر، وأن هناك إحالات الى النيابة أو الى المحاكمة. وأريد أن أسال كم من الحالات تمت إحالتها الى النيابة أو الى المحاكمة، فكم من حالات التعذيب لم تبرح مكانها من البلاغات، وكم من الأسر فقدت عائلها بسبب التعذيب.
إن من يرد أن يعرف التعذيب في مصر فليدخل الى أقسام الشرطة ليعرف كيف تتم المعاملة مع المواطنين، وما كم الإهانات التي تلحق بالمواطن لو قدر له التعامل مع ضباط الشرطة، بالإضافة الى مناطق الحجز التي تخجل من أن تكون حظائر للحيوانات.
أن التقرير يتكلم عن أنها مجرد حالات استثنائية، ولم يذكر أنه الأسلوب المعتاد أن يتم التعامل به داخل أقسام الشرطة والاستثناء أن تدخل وتخرج على قدميك سلمياً معافى من الإهانات.
ويتكلم التقرير عن عدم وجود تمييز بين المواطنين؟ هل يقصد التقرير بين المسلمين والمسيحيين؟ لن أتكلم عن هذا الموضوع منعاً للحرج، ولكن التمييز بين المواطنين موجود في كل قطاعات الدول، فهل يتصور عاقل في مصر أن المحسوبيات في مصر قد انتهت وأن حجز الوظائف الكبيرة لأولاد الكبار قد انتهت. أو أن جميع مناصب الدولة محتكرة من قبل الحزب الوطني وأن التميز بين الحزب الوطني والأحزاب الآخرى كبير. ولقد ذكر لي ضابط مرور في مصر أنه يخاف أن يكتب مخالفة لبعض السيارات الفارهة خوفا على مستقبله .أن التمييز في مصر الآن لا يقل عما كان موجودا قبل الثورة.
ثم ينتقل التقرير الى حرية الرأي والتعبير ولن أتكلم كثيراً فالجميع يعرف حرية التعبير المعنونة بالخطوط الحمراء. إن اعتقال المدونين هو أفضل تعبير عن الحرية المزعومة. أما من يسمي نقد الوزير أو الحكومة هو من حرية التعبير فهو واهم، لأنحرية التعبير أن أتكلم بدون خوف، ولكن أن يكون هناك رقيب أمني على الصحف يمنع او يحذر من التعدي على الخطوط الحمراء فهذه ليست حرية للتعبير، والحكومة تتبع أسلوب "تكلم كما تحب"، و"السجن والمنع موجود كما نحب"، وما منع حمدي قنديل ومن بعده المسلماني لتقديم برامجهم إلا دليل الحرية المزعومة، وكان منع قناة الحوار من البث على "النايل سات" منذ فترة، ومنع جريدة الشعب وبعدها آفاق عربية، إلا للتأكيد على ذلك. ويبرر التقرير إحالة بعض المتهمين الى القضاء العسكري بأنه يوفر ضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، ولا يوجد في العالم كله إحالات متهمين الى المحاكمة العسكرية إلا في مصر ولا يحدث في دول العالم إلا في حالات الحروب والاضطرابات المسلحة. إن محاكمة المتهم أمام قاض عسكري فهو اعتراف ضمني من الدولة إن الدولة تحكم من قبل العسكريين، أعلم أنها بدعة ابتدعها النظام الناصري لخصومه السياسيين، ولكن لماذا التمادي فيها من قبل النظام الحالي ومع وجود أي ضمانات فلماذا من الأصل إحالة متهم مدني الى محاكمة عسكرية إذا كانت الحكومة صادقة في العدالة المنصفة، وأما الطعن في أحكام القضاء العسكري فكيف يكون الطعن في أحكام المعروف عنها أنها أحكام سياسية وليس قانونية.
هذا بعض ما جاء في التقرير ومن العار على الحكومة المصرية أن تقدم تقريرا يعلم الجميع أنه مزور الى المجلس الدولي لحقوق الإنسان ويتم مناقشته على مستوي دولي، وجميع المنظمات الدولية تظهر في تقاريرها الدولية تردي حالة حقوق الإنسان في مصر، ويكفي أن الترمومتر الحقيقي لحقوق الإنسان هو المواطن المصري فأسالوه. محمود طرشوبي