حالة المواطنة في العالم العربي: سيادة الاستبداد وغياب القانون

بقلم: د.عبد الله تركماني

رغم الاتساع النسبي لدائرة الحقوق المدنية والسياسية والحريات العامة فإنّ حالة المواطنة والاندماج الاجتماعي في أغلب البلدان العربية تتسم بإعادة إنتاج وترسيخ الأطر والعلاقات التقليدية، الطائفية والمذهبية والعشائرية، وما تنطوي عليه من احتمالات حروب أهلية.
فإذا كانت الشعوب تنتقل، خلال مراحل تطورها التاريخي، من الأسرة إلى العشيرة ثم إلى القبيلة ثم إلى الوطن والأمة، فماذا فعلنا كي تصبح مجتمعاتنا العربية تتطور وتتقدم وتتكامل بدلاً من دفعها للعودة إلى حروب القبائل والطوائف؟
إنّ أول العقبات التي تتسبب في تفكك مجتمعاتنا وغياب المواطن/الفرد عن الفعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعن تهميش دوره، إنما تعود إلى طبيعة الأنظمة السياسية السائدة في العالم العربي، إذ ما تزال هذه الأنظمة تضمر نظرة معادية لقيم الحداثة ومقولاتها والتي في رحابها يتكون هذا الفرد الحر.مما أدى إلى انهيار متوالٍ لبنى الدولة العربية لحساب البنى ما قبل الوطنية، القبلية والعشائرية والطائفية والمذهبية، التي بدأت تعمل حثيثاً لغير صالح الانتماء العام، بل لانبعاث الانتماء الجزئي الخاص وهيمنته بالتدريج على مقوّمات الدولة.
ويبدو أنه لم يأتِ على المجتمعات العربية ظرف موضوعي أو إنساني يفترض قيام شيء اسمه مؤسسة الحرية، باعتبارها هي أم المؤسسات المدنية والسياسية الأخرى كلها، طبقاً لما ذكره الدكتور مطاع الصفدي.
فالعبور من مجتمع السديم الرعوي، شبه الابتدائي، إلى المجتمع القائم على تقسيم العمل لم يسجل فرصة لرؤية الحرية وهي تكلِّلُ شخصية الفرد قبل الجماعة، وتدعو للإنسان قبل الحزب، وتبحث عن تجلياتها في أبسط تفاصيل الحياة اليومية للجماعة قبل أن تأسرها الشعارات الشمولية.
وهكذا، فإنّ المجتمع المهزوم في آماله الكبرى يتحول إلى بؤر من الأنانيات المغلقة ضد بعضها، متصارعة على المصالح المشروعة وغير المشروعة.
ويبدو أيضاً أنّ المشكلة الكبرى هي حالة دولة المدينة التي يعيشها العالم العربي، وما نتج عنها من ترييف المدن، حين لم تحاول الدولة العربية المعاصرة الاهتمام بأطرافها.
وهذا بالطبع أثر على مسألة المواطنة، وبتنا اليوم أمام واقع عام تسود فيه سلوكيات الاستبداد وقيم الرأي الواحد، واقع لم تعد فيه الحقوق والمكتسبات والحريات والضمانات مكاسب مستقرة ودائمة، بل أصبح يُنظر إليها باعتبارها منحة مؤقتة يستطيع الحاكم سحبها متى شاء.
وفي المقابل هناك انتكاسة في المجتمع المدني وحركات التغيير الاجتماعي يتجلى في حرمان نشطاء الشأن العام من حقهم في التظاهر والتجمع السلمي، والتدخلات الأمنية والإدارية الفجة في انتخابات النقابات العمالية والاتحادات المهنية، ناهيك عن التدخل المكشوف بالانتخابات العامة، هذا فضلاً عما يتم من انتهاكات متكررة للدستور والقانون.
ونتيجة ذلك لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق وإمعان النظر كي يلاحظ بأنّ البنى ما قبل الوطنية تنازع الدولة ومؤسسات المجتمع المدني أدوارهما الشرعية التي يُفترض أن يؤدياها، فمثلاً ما يزال الفرد في كثير من الحالات يستجير بعشيرته لحمايته من عسف ما من جانب سلطة الدولة، عوضاً عن لجوئه إلى مؤسسة القضاء الرسمي للذود عنه، وما يزال يقصد نائب العشيرة أو الطائفة كي يساعده على تأمين وظيفة ما، بدلاً من أن يتوجه إلى نقابة مهنية أو رابطة عمالية متخصصة، وما يزال يستعين بدعم عشيرته أو طائفته إذا ما رغب في ترشيح نفسه للانتخابات البرلمانية.
وما هذه الحالة إلا نتيجة لممارسات الدولة التسلطية التي تحتكر السلطة والثروة والقوة و" الحكمة "وصنع القرار، وبالتالي نفي المشاركة وإرادة الشعب واختياراته، وترجيح أهل الثقة على أهل الخبرة وتفضيل المؤيدين والمنافقين والمصفقين على المفكرين والمستقلين بالرأي والموقف.
وعليه فإنّ السؤال الذي طرحه الأستاذ ميشيل كيلو محقاً هو: لماذا تخلو حياتنا من حكم القانون، والمواطنة، وسيادة الشعب، والمشاركة، وحقوق الإنسان، والمؤسسية، والدولة الحديثة، والمجتمع المدني، والعدالة، والمساواة...الخ، ولماذا لا تعرف مجتمعاتنا درجة من الترابط والانصهار تحصّنها في وجه تحديات خارجية وداخلية متنوعة، وتبدو وكأنها على وشك الانفراط، بينما تكتسب الدولة طابعاً سلطوياً يجعلها برانية في نظر شعبها، كأنها لا تنتمي إليه بل إلى نمط الدول القهرية، الذي كرسه الاحتلال الأجنبي؟
وبغض النظر عن اختلاف النظرة إلى أسباب التأخر الاجتماعي العربي، يجمع أغلب الباحثين على حقيقة مؤلمة هي أنّ مجتمعاتنا العربية ليست حديثة، وإنما أعادت إنتاج تأخرها في أشكال عصرية وحديثة أبقتها على هامش تقدم العالم.هنا أيضاً تكمن مصيبتنا في أننا لا نعي تأخرنا، فإن وعيناه اعتبرناه جزءاً من هويتنا، يجب التمسك به والدفاع عنه ضد حداثة تريد تغريبنا عن تاريخنا وديننا ومحددات وجودنا، أي هويتنا.
ولا حاجة إلى القول: إنّ هذا النمط من الوعي هو تعبير فاضح عن انعدام الوعي المطابق لحاجات تقدمنا، وأنه يتكفل بإبقاء الكتلة الكبرى من المواطنين العرب خارج العصر وبمنأى عن مصالحها، ويدخل إلى رأسها مفاهيم مغلوطة لمعنى الوطن، والوطنية، والهوية، والدين، والحرية، والعدالة، والمساواة، والإنسان، فهو وعي التأخر الذي يضمن إدامته.
إنّ أبرز ما يميز التاريخ الداخلي لمجتمعاتنا في الخمسين سنة الماضية هو ظاهرة الاحتراب، إن بين مكوّنات هذه المجتمعات، أو حرب السلطات على مجتمعاتها وشعوبها اعتقالاً ونفياً أو قتلاً، أو تداخل كلتا الحربين معاً.
والأدهى من هذه الحروب وطابعها التدميري النظر إليها من قبل أصحابها على أنها استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
ولا شك أنّ الأصولية الدينية المتطرفة تلعب دوراً سلبياً، من خلال الوضع العام في المنطقة العربية، إذ نحن أمام صحوة انفعالية في الربط بين الدين والدولة.
والحديث الذي يتردد تبدو مفرداته في كلمات من نوع المسلمون والمسيحيون، والشيعة والسنة، العرب والأكراد، أي أننا أصبحنا أمام حالة متوترة ينقّب فيها الجميع عن جذور الهويات الفرعية ويبحثون في الأصول الدينية والعرقية، وهو أمر يخلط الدولة القومية المعاصرة بالدولة الدينية التي يفترض أنها رحلت منذ قرون.
وهكذا لا تبدو المجتمعات العربية سائرة في طريق يتيح تكويناً حراً للمواطن، بل أنّ الأخطر هو أن يستمر زحف الانتماءات الفرعية الخاصة على كل ما هو عام ومشترك، لا سيما وأنّ المشهد العربي يقدم كل يوم دليلاً على تراجع الدولة لصالح الجماعات الجزئية التي يُفترض أنه قد جرى تجاوزها منذ عقود.
ولعل العودة إلى مفاهيم "الوعي المطابق "للمفكر السوري ياسين الحافظ يساعدنا في الاستعادة العقلانية النقدية، فالمستوى التاريخي في إنتاج وعي مطابق للواقع يومئ إلى أنّ الواقع العربي لم يحقق الثورة الديمقراطية، فهي هدف لا بد منه لتحقيق الاندماج القومي في وجه التكسر الاجتماعي..فالثورة الديمقراطية ضرورة داخلية تستدعيها "المواطنية" لتجاوز "الرعوية" و"الأموّية" لتجاوز "المللية"، حيث تحديث السياسة بالديمقراطية، وتحديث الثقافة بالعلمنة، من أجل صياغة وعي وطني حديث قادر على القبول بالتعدد والتنوع والمغايرة.
إنّ العروبة ليست متحداً قومياً فقط، وإن كانت تطلبه.
إنها هوية مواطنين يعتبرون المذاهب والطوائف والقبائل والعائلات والانتماءات الإقليمية والجهوية انتماءات فرعية، ويتجهون إلى مشروع الدولة الجامعة، التي تضمن المواطنة التي أساسها إزالة كل القيود أمام المساواة في الحقوق والواجبات، وترتكز إلى حرية المشاركة والاختلاف في التوجهات ولديها فاعلية في رسم السياسات والمحاسبة، ولديها مرجعية في القانون والقضاء، ولا تحتاج إلى عصبية تحميها أو قوة فئوية تؤمن حضورها.

د.عبد الله تركماني: كاتب وباحث سوري مقيم في تونس