'حافة الكوثر'... الوجه الآخر للثورة

نص ينتمي إلى عالم ما بعد الحداثة

لم يتعامل علي عطا مع روايته الأولى "حافة الكوثر" الصادرة مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية بوصفها نصاً روائياً، إذ اختار لها بنية النص الشعري المفتوح ذي المقاطع العديدة التي تسمح له أن يبدأ من أي نقطة ويعود إليها وقتما شاء.

هكذا استعرض عطا تقاطع عدة خطوط عبر نقطة مركزية واحدة هي مصحة الكوثر التي دخلها بطله حسين جاد ثلاث مرات، كان في مقدمتها الخط المرتبط بحياته الشخصية، وما حدث له من مشكلات أدت به إلى دخول الكوثر، ومن ثم تعرفنا في هذا الخط على زوجتيه؛ دعاء مستجاب وسلمى السكري، وبنتيه حنان وحنين، وكيف أدت الضغوط التي مارستها السكري للزواج به، إلى دخوله الكوثر للمرة الأولى، ثم ضغوطها لإعلان هذا الزواج، مما أخله الكوثر للمرة الثانية، وكيف تعاملت زوجته الأولى مع الأمر، وكيف مارست هي الأخرى ضغوطها من أجل أن يطلق السكري، ما جعله ينهار ويدخل الكوثر، للمرة الثالثة، التي قرر خلالها الانحياز لصالح زوجته الأولى وأولاده منها، والانفصال عن الزوجة الثانية.

أما الخط الثاني فيمثله صديقه الطاهر يعقوب، والذي تعد الرواية في مجملها مجموعة رسائل متوالية من السارد/ حسين إلى طاهر عبر الشات أو الماسنجر، وطاهر هو الشريك غير الفاعل في كتابة هذا النص، إذ أنه الآخر الذي يتحاور معه حسين، وربما لولا وجوده الافتراضي ما كان لهذا النص أن يكون، وربما لجاء على نحو كلاسيكي تماماً، دون أية أبعاد ما بعد حداثية فيه.

الطاهر يعقوب يمثل الآخر الداخلي، حيث تتناقش الذات مع نفسها، عازفة عن عرض مشكلاتها على الآخرين، ومفضلة حسم الموقف مع الآخر الداخلي الذي يعرف عن البطل كل شيء، ومن ثم فلا توجد إشكالية لدى البطل من مناقشة دقائق الأمور وأكثرها سرية معه.

ويشترك الطاهر يعقوب مع البطل ظاهريا في الشعور بالاغتراب، ومحاولة التأقلم مع الوطن البديل، فالطاهر ترك بلاده الافريقية وقرر الاقامة في أوروبا، بحث طويلا حتى وجد وسيلة للوصول إلى بلد أوروبية قبلت إقامته فيها، لكنه رغم حصوله على الجنسية أو الإقامة لا يشعر أنه من أهل المكان، وكل من حوله يتعامل معه بوصفه غريبا عن المكان، ومن ثم فهو يسعى لأن يكون لطيفا مع الجميع، ليس لأن هذه طبيعته ولكن لشعوره بأنه غريب، وأنه ربما سيعود في القريب إلى بلاده، وهو نفس الحال الذي يعيشه السارد في حافة الكوثر.

ولكن يظل حضور الطاهر يعقوب من خلال رسائل السارد إليه، تلك التي كان يرسل فيها إليه بفصول روايته، أو من خلال ردود الطاهر على رسائل السارد ومتابعته لما نشر من فصول الرواية.

يعد أهل الكوثر هم أصحاب الخط الثالث في الرواية، وهم يتباينون من مرضى إلى دكاترة إلى زائرين، وتتباين الأمراض التي دخل بها أهل الكوثر إلى عالمهم الجديد، كما تتباين الأسباب التي دفعتهم لدخوله، وهم في مجملهم من أبناء الطبقة الوسطى، فمنهم الشاعر والضابط والمدير وابن رجل الأعمال وغير ذلك، بعضهم يظهر عدة مرات، وبعضهم لا يأتي غير مرة واحدة.

ويمكن القول إن المرض الأكبر الذي يعاني منه الجميع هو عدم التكيف، فالشاعر حامد عبدالدايم يرى أنه لم يأخذ ما يستحقه من الاعتراف الأدبي، أما محمود صابر فقد طمع والده في زوجته، ومن ثم وضع له المخدر وزج به في الكوثر، والممثل الفاشل جسن توما؛ عاش في وهم أنه ابن شقيقة أنور وجدي، ثم في وهم أن خالَه هو المخرج والممثل والمنتج الراحل حسين صدقي، وأنه كان أحد مؤسسي الكوثر؛ متناسيا حقيقة أنه كان من المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين، وربما انتمى إلى جهازها القيادي فأوصى قبل وفاته بحرق الأفلام التي أنتجها.

هكذا يعيش أهل الكوثر حالة من الهروب وعدم التأقلم مع الواقع المرير، لكنهم في الوقت ذاته يعيشون حالة من الانتظار، لأن الكوثر/المكان نفسه مهدد بالإزالة، فثمة ما يتردد عن أن رجل أعمال اشتراه وسوف يزيله ليقيم مكانه برجا، بالتواطؤ مع ورثة مؤسسيه، دون أدنى تفكير في مستقبل هؤلاء الذين لجأوا إليه ليحميهم من عدم القدرة على التكيف مع الصراع المرير في الخارج.

ويعد الخط الأهم في النص هو الخط الموازي لحياة حسين والضغوط التي مارستها عليه زوجتاه وفضلا عن سقوط حفيدته في براثن السرطان، هذا الخط هو خط الهم السياسي العام، فالأزمات التي تعرض لها البطل توازت مع الأزمات التي مرت بها مصر بعد ثورة 25 يناير، فقد تأرجحت الثورة ما بين العسكر والاخوان، حيث آلت البلاد إلى سلطة المجلس العسكري، ثم إلى دولة الإخوان التي تركت لتصعد حتى تحقق حلمها الأبدي في السعي نحو السلطة، لكنها سرعان ما تفشل وتصل إلى طريق مسدود فتؤول الدولة إلى العسكر من جديد.

هذه التوترات الخارجية، والانتقالات السياسية العامة من اليمين إلى يمين اليمين توازت مع الهزات التي أصابت البطل في المرات الثلاث، وأدخلته المصحة، ومن ثم فكلما ضلت الثورة طريقها تكاثرت الهموم وازدادت الهزات الداخلية للبطل، وزاد التشتت في وضوح الفكرة، والتقاطع في خطوط السرد، وتعددت الشخوص والحكايات والصرخات والرفض، وهو ما جعل النص يبدو كما لو أنه الوجه المقابل لصورة الثورة المصرية، وما جرى فيها من تشتت وهزائم وإصرار أو رغبة في التأقلم مع الواقع الجديد، وأصبح الكوثر بمثابة الوطن الجديد، والثورة الموازية، والحلم بعدالة تشمل الجميع.

بوعي شديد قدم علي عطا نصا ينتمي إلى عالم ما بعد الحداثة، هشم فيه الزمن وانتصر على فكرة الترابط الموضوعي الظاهري، لنجد العديد من العوالم المتجاورة رغم تباينها، ونجد الماضي حاضرا في لحظة وقوع الآني، ونجد ما هو خارج الكوثر متداخلا مع ما هو داخله، كما نجد شخوصا واقعية، لكنها لا تزيد عن كونها معادلات موضوعية لما يجري في العالم الخارجي، حيث الصراع الذي أودى بالجميع إلى البحث عن منظومة الكوثر، تلك المنظومة التي لا نعرف إن كانت هي العالم الحقيقي الواقعي، وأن ما يجري خارجها هو مجرد معادلات موضوعية لها، أم أن النقيض هو ما يجري، فالأبطال يتراوحون ما بين كونهم شخوصاً واقعية وحالات رموزية، بداية من أسمائهم ومهنهم وصولا إلى أمراضهم والأسباب التي جاءت بهم إلى الكوثر.

في حين أن ما يشهده الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي خارج الكوثر أصبح أكثر من فانتازي، ولا يمكن القول بواقعيته إلا بوصفه معادلا لما يجري في الداخل، سواء داخل الكوثر أو داخل الذات الساردة، ورسائلها المطولة بينها وبين الآخر، أو الطاهر يعقوب، ذلك الآخر الذي لا نعرف إن كان حقيقة أم معادلا موضوعيا لانقسام الذات أم حيلة فنية لاتساع السرد وتعدده.

يبدو عالم الكوثر بسيطا ومثالياً، يبدو كما لو أنه الجنة المفقودة، لكن ذلك من الظاهر، حيث يمكن الفصل ظاهريا بين السماء والأرض، بين الواقع والمأمول، بين المتخيل والمعاش، لكن بقليل من المعايشة نكتشف أن كل الخطوط والعوالم متداخلة، وأنه لا وجود للجنة في ظل احتدام الصراع، لا وجود لراحة أو شعور بانتماء ما لم نتقبل الآخر كما هو، دون رغبة لتغييره أو وضع وصاية عليه، حين نصل إلى ذلك فربما نكون قد وصلنا إلى الكوثر ذاته، أما ما عدا ذلك فإننا سنظل نحوم حوله، أو بحسب تعبير عطا نعيش على "حافة الكوثر".