حادثة اقتحام السفارة الأميركية تعصف بحكومة النهضة



لقاء والس والجبالي بين الود والتوبيخ!

تونس - عصفت حادثة اقتحام الجماعات السلفية الجهادية لمقر السفارة الأميركية بتونس بحكومة الائتلاف الثلاثي الذي تقوده حركة النهضة الإسلامية وزجت بها في أزمة سياسية خانقة حتى أن الفاعلين السياسيين المعارضين لم يترددوا في القول بأن "غياب الإرادة السياسية" هو الذي يقف وراء نجاح عمليات الاقتحام والحرق والتخريب".

وطالبت كتل أحزاب المعارضة بالمجلس التأسيسي وزير الداخلية علي العريض، القيادي في حركة النهضة، بالاستقالة بعد فشله الذريع في تأمين الحماية الأمنية لمقر السفارة الأميركية.

وشددت كتل المعارضة خلال جلسة مساءلة لوزير الداخلية أمام التأسيسي على أن "نجاح السلفيين في اقتحام السفارة" هو نتيجة "غياب القرار السياسي" و"ليس نتيجة أداء الأجهزة الأمنية" في اتهام واضح لحكومة حمادي الجبالي بالتواطؤ مع السلفيين وعدم إصدار أوامر صارمة وحازمة لحماية السفارة.

وقال عصام الشابي عن الكتلة الديمقراطية التي يتزعمها أحمد نجيب الشابي متوجها إلى رئيس المجلس التأسيسي مصطفة بن جعفر "نطالب باستقالة وزير الداخلية من منصبه بعد أن فشل في وضع حد لتنامي عنف السلفيين خاصة بعد اقتحامهم لمقر سفارة الولايات المتحدة الأميركية".

وأضاف أن "حادثة السفارة شوهت صورة تونس في الخارج ولدى شركائها الاقتصاديين"، وأكدت الحادثة أن الحكومة عاجزة على توفير الأمن للمواطن التونسي كما هي عاجزة عن حماية البعثات الدبلوماسية" مشددا على أن تداعيات الحادثة "في منتهى الخطورة" لا سيما في ما يتعلق بقطاع السياحة وقطاع الاستثمار الخارجي".

وطالب الشابي بـ "تعيين شخصية مستقلة عن أي ولاء سياسي على رأس وزارة الداخلية" من أجل الفصل التام بين أجهزة الدولة والأحزاب" مشيرا إلى أن الوضع الذي تمر به تونس يستوجب "تركيز امن جمهوري لا يدين بالولاء إلا للدولة التونسية".

من جهته قال النائب سمير الطيب "يجب على حركة النهضة أن ترفع يدها عن وزارات السيادة وهي الداخلية والخارجية والعدل" مؤكدا أن "الأمن الجمهوري التونسي له كفاءة عالية لكن غياب القرار السياسي هو الذي قلص من نجاعته"، ملاحظا أن "التعيينات الأخيرة في وزارة الداخلية تمت باعتماد مبدأ الولاءات وليس الكفاءات".

وبدا العريض مقتضبا في إجاباته على تساؤلات نواب المعارضة في التأسيسي الذين حملوه "المسؤولية كاملة" في "الفشل في حماية السفارة".

وأكد مقتل 4 سلفيين وإصابة 49 آخرين و91 شرطيا خلال المواجهات.

ورغم أنه اعترف بأن "هناك خللا ما في الخطة الأمنية التي انتهجتها الوزارة لمواجهة السلفيين الذين اقتحموا مقر السفارة" إلا أنه حاول "التقليل من خطورة عملية الاقتحام" واعتبرها "حادثة استثنائية لا غير" لكنه اعترف بالمقابل بأنها "عثرة كبيرة من حيث نتائجها وأثارها".

وردا على مطالبة كتل المعارضة باستقالته قال العريض إن "الاستقالة ليست الخيار الأمثل وليست في صالح التونسيين في هذه المرحلة" مضيفا "لو كان لدي قناعة أن استقالتي ستفيد التونسيين لما ترددت في ذلك".

غير أن كتل المعارضة لم تقتنع بإجابات وزير الداخلية، فقد شدد محمد البراهمي النائب عن حركة الشعب على "ضرورة استقالة العريض من أجل تحييد وزارة الداخلية عن حركة النهضة التي تبدي تسامحا واضحا تجاه الجماعات السلفية".

وزجت حادثة اقتحام السفارة الأميركية بحكومة الائتلاف الثلاثي الهش الحاكم في "أزمة سياسية حقيقية" يتوقع أن تكون لها تداعيات خطيرة سواء داخليا أو خارجيا.

داخليا عمقت الحادثة شرخا موجودا أصلا بين الرئيس منصف المرزوقي وحركة النهضة، إذ في الوقت الذي شن فيه المرزوقي هجوما كاسحا على السلفيين الذين يصفهم بـ "الجراثيم" ويرى أنهم "تجاوزوا كل الخطوط الحمر"، قلل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي من الحادثة وشدد على حق المسلمين في الدفاع عن مقدساتهم.

أما خارجيا فقد اهتزت صورة تونس لدى شركائها الاقتصاديين وأثارت حادثة اقتحام السفارة "مخاوف جدية" لدى العواصم الغربية مما سينجر عنه تداعيات خطيرة على قطاعي السياحة والاستثمار الخارجي.

وكانت واشنطن طالبت الحكومة التونسية بـ "تأمين حماية فاعلة" للبعثات الدبلوماسية في البلاد و"اتخاذ إجراءات أمنية ناجعة" تضمن سلامة الجاليات الأجنبية" في البلاد.

وطالب السفير الأميركي بتونس جاكوب والس رئيس الحكومة حمادي الجبالي "تامين حماية فاعلة للبعثات الدبلوماسية وضمان امن وسلامة كل الجاليات الأجنبية".

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي أن والس أشار خلال محادثته مع الجبالي إلى أن "حادثة اقتحام السلفيين لمقر السفارة هو عمل إرهابي ستكون له تداعيات سلبية على علاقة بلاده بالحكومة التونسية".

ونقل والس إلى الجبالي "غضب واشنطن وامتعاضها" من أعمال العنف والحرق والتخريب التي تعرضت له السفارة.

وكان السفير الأميركي خاطب الشعب التونسي في ما يشبه التهديد قائلا إن "ما اقترفه المتطرفون ستكون تأثيراته وخيمة على حياتكم واقتصادكم فمن الصعب جدا دفع الأميركيين على الاستثمار في دولة غير آمنة واعتقد ان وضع تونس وصورتها العالمية غير جيدين".

وأضاف والس في تصريح لإذاعة "موزاييك'' التونسية ان "عمليات التخريب التي تعرضت لها السفارة الأميركية وكذلك المدرسة الأميركية سيدفع كلفتها الحكومة التونسية كما هو معروف في القوانين الدولية المعمول بها".

وقررت وزارة الخارجية الأميركية قررت "إجلاء موظفيها غير الأساسيين" بسفارتها بتونس وحثت مواطنيها على "تفادي السفر إلى تونس في الوقت الراهن" فيما أكدت السلطات التونسية أنها اتخذت "كل الإجراءات اللازمة لتأمين السفارات والبعثات الدبلوماسية والمدارس وحماية الجاليات الأجنبية" في البلاد.

ويقول المراقبون بأن تصريحات المسؤولين الأميركيين "تبعث على الانشغال" لأنها تضمنت رسالة تفيد بأن "العلاقات التونسية الأميركية أصبحت على المحك" خاصة في ما يتعلق بـ "مدى استعداد الولايات المتحدة لمواصلة دعم تونس اقتصاديا وماليا لإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي".