حائر بين عالمين: رقمي وورقي!

بقلم: عبدالواحد محمد
حبيبة قلبي نأت دارها ** ولم تنأ عني وعن ناظري

لها من الحسن الكثير والعجيب، وفوق ذلك شموخ تداعب به صباحنا ومساءنا بلغة فظة لا تتفق مع سيكلوجية مفاتنها وثقافتها وثرائها الذي حولها إلى درة دائمة لأقرانها وعالمها المبهم بقصائد ماكرة!
فمتي طاب لك العشق وحرية الأسفار بدون حقائب وجواز سفر دبلوماسي يدلل من نزواتك التي جعلتي راغبا في البحث عن صديقة غيرك؟
نعم فلسفة يحلو لي استعارتها من عالم ورقي وإعلامي لم يعد نقرأ أو نشاهد فيه غير الجريمة بكل إبعادها الثلاثة والتي غيرت من طبيعة الحلم اليومي في إيجاد من تأنس بسهولة وسط كل الحماقات التي تدفعك إلى الهروب إليها ثانية رغم شرودها وعبثها الدائم بمواعيد لقائنا الذي يتجدد من آن لآخر بالصدفة البحتة فالترتيب ليس من صفاتها ولا الحرص على تقديم اعتذار مثل جواز سفرها الدبلوماسي؟
عادت لي الثقة مرة ثانية للخروج من عالم الجريمة وعالمها المرير بفعل الكتابة الرقمية والحضور الرقمي المرتب والذي لا يعرف أعذارا بلهاء كي أسطر قصيدة لا تعترف بالضعف والحلم والحاجة لها مهما كانت الظروف! لأجدني في صحبة شاعر الجندول علي محمود طه أردد معه هذه الأبيات: لوجهك هذا الكون يا حسن كله ** وجوه يفيض البشر من قسماتها
وتستعرض الدنيا غريب فنونها ** وتعرب عن نجواك شتي لغاتها
ولولاك ماجاش الدجي بهمومها ** ولا افتر ثغر الصبح عن بسماتها
ولا سعدت بالوهم في عالم المنى ** ولا شقيت بالحب بين لداتها
ولا حبت الفنان آيات فنه ** ولا رزق الإبداع من نفحاتها
هيهات هيهات تغني لمن وفي عينك رسالة ذات مغزي لمسائية حزن عميق تسأل عن درب فيه كل الرفاق الذين ودعوك منذ عقد، وكأنك لن تعود أو تعرف غيرها سبيلا لرحلة طريق، وكم كان شاعر الجندول يتساءل هو الآخر في مسائية عالم ربما سعيا لحل معادلة ما وهو يعتكف للكتابة الورقية بين نقيض المشاعر وجلالة اللحظة ونحن نقرأ له هذه الأبيات المفعمة بالشباب ومأنسة كل كتاب يفتح له ألف جواب: حبيبة قلبي نأت دارها ** ولم تنأ عني وعن ناظري
أرى وجهها يفصل ما بيننا ** مدلا بتمساحه الغادر
نوسد رملته شاخصا ** إلي وما كنت بالخائر
إليها على رغمه فلا خض ** غوارب تياره الثائر
إذا ما تقاذفني موجة ** وسال على بدني الضامر
مضيت كأني علي مائه ** أنيل الثري قدمي عابر
فيك شئ من روح مازلت باقية تدفعني للخروج من منحنى الدال والراء لكي أكتب سيرتي الذاتية بلغة الشعر الساكنة في أعماقي لعلها محاولة جديدة لإبداع روائي يداوي آلامه بمثل هذا اللون. ربما لو كان بيننا اليوم عمنا نجيب محفوظ لتوجهت إليه على الفور في بيته المطل على نيل العجوزة استفسر منه بدقة عن كتابة روايتي بالشعر فهل هذا ممكن؟!
وربما كانت إجابته الدبلوماسية: لا، لكنها تحمل أيضا نعم لأننا في زمن تاهت فيه كل الإبداعات إلى نهديها بلا ضوابط تضمن لك ولي ولغيرك الاستمرار في مشروع ما؟ حتى الحب تحول إلى كابوس مزعج لا يعرف غير أساور من ذهب وبيت من فضة وطعام فيه كل أصناف ما أثقلنا به أجسادنا وانتفخت به كروشنا كدليل عز وليس ذل؟
ولها من أجابة تؤكد أننا نكتب الرواية بلا ضوابط، والشعر أيضا خرج ولم يعد وتحولت القضية إلى صراع بين اثنين ليس لهم علاقة بالموضوع والاثنين هنا على ما يبدو طبال.. وسجان فلا يلتقيان ولن يلتقيا؟
شكرا يا من كنتم تزرعون لنا الشوك ولا تزرعون الحنضل؟
تذكرت أنني منذ أعوام لم أتوجه إلى مقهى الفيشاوي في الحي الحسيني لأستنشق عبق التاريخ الذي تغير كثيرا، ولم يعد فيه المسحراتي، وعازف الربابة، والمذياع، والأصدقاء الذين هاجروا منذ زمن بدون جواز سفر دبلوماسي إلى فضاءات الأرض هنا وهناك.
وبمجرد أن وطئت قدمي المقهى العتيق شعرت بغربة أنا الآخر لأجد عالما جديدا من الفوضى. فتيات النرجيلة ذات المبسم الفضي. الملاية اللف اختفت لم يعد لها هي الأخري وجود؟ فبدت بنت الحي الحسيني هي الأخرى غائبة تائهه في زمن غير الزمن.
شعرت بالحزن يسري في دمائي والخزي من كم المرادفات العقيمة والتي يرددها الشباب على الملأ وبصوت مسموع: نفض .. كبر دماغك .. يا برنس .. الخ وباعة الصحف تحولوا في الحي العريق إلى باعة موبايلات لدرجة مزعجة؟
تملكتني رغبة في مغادرة مقهاي المفضل سابقا، ولكن قبل الرحيل جاءني النادل بالشاي الأخضر، فجلست على مضض مرة ثانية أرتشف بضع رشفات من شاي لا هو أخضر ولا هو أحمر وسط ضجيج ليس له معني؟
تذكرت ثانية عمنا نجيب محفوظ وشلة الحرافيش لو عاد بهم الزمن اليوم ما كتبوا
إبداعاتهم، لذا قررت كتابة روايتي بالشعر الذي لا أعرف بحوره وأوزانه، "نفض ياعم!" لتكون كلمة افتتاحية أبدأ بها مقالي الرقمي بعدما عقدت العزم على كتابة بعض ما شعرت به علي جهازي الذي لم يعد يفارقني كثيرا (اللاب توب) لينقلني بسرعة إلى عالم آخر ربما هروبا لكنه هروب منهجي يحمل روح كل الأوطان التي لم تهاجر من ذاكرتي بعد ففيها كثير من دفء، ولعلني تذكرت كم كان لي كثير من الحوارات الإنسانية مع كم من بشر التقيتهم في عواصمنا العربية، لذا كان محتوى سطوري الرقمية أن عالمنا الرقمي غير من طبيعة العصر. لم نعد نسجن في مكان واحد ومع تقديري لمقهاي الفضل الفيشاوي الذي بدت فيه الملامح الرمضانية غائبة اليوم. الكل يرقص ويغني بطريقة أبو الليف مطرب العصور؟ ويدخن من هم دون العاشرة النرجيلة، ويحلم من هو دون السابعة بالزواج العرفي؟ تاهت القضية كما لم نعد نعرف هل ستعود الثانوية العامة علمي وأدبي علي الطريقة القديمة أم ستصبح ثانوية واحدة بدون علمي وأدبي. إنها معادلة يجب أن تحسمها الرواية الرقمية هكذا كنت أدون على هامش السطور لعلني أجد بصيصا من الأمل في تغير ذاكرتنا الورقية بلون أبيض قبل أن نتحول إلى الأسود؟
وفي اليوم الأول لرمضان تفتح كل الأبواب للرحمة ومعها الحلم في عودتنا من غربة الديار وحنين لكل عواصمنا العربية، والتي قهرها الطغاة، أن تعود كما كانت حرة وترتدي ثوب العروس، وهي تغني كما كانت تغني بدون مطرب الالفية "أبوالليف" وأمثاله الذين يعيشون في تابو عار من اللحن والكلمة بل من أبسط أنواع الكلمات التي تنم عن حرفية صانع وترحمت على هؤلاء أحياء واموات: شفيق جلال، أحمد عدوية، شكوكو، عبدالعزيز محمود، وغيرهم. فارق كبير بين ثقافة مريضة وثقافة هي الأصل التي مهدت لكثير من روايات عربية لا تزال تشهد أن الإبداع الحقيقي باق ورقيا ورقميا.
نرفض كجيل شاب ثقافة "أبوالليف" وأمثاله لأنهم ترجموا الهايفة كلها وليس بعضها.
شكرا لهذا الجاهز الرقمي ولكل من هم وراء هذه المنظومة الرقمية التي أعادت صياغة العقل حتى لا يدور في كواليس النسيان. عبدالواحد محمد abdelwahedmohaned@yahoo.com