جيوم أبولينير و'أغنية معذب في حبه'

وداعا أيها الحب الزائف

ثمة مشاعر عميقة تحملها هذه القصيدة "أغنية معذب في حبه" وهي تسجل بشرف حضورها في ذاكرة الشعر، وخصوصا أن ابولينير كتبها بصدق عاطفة فياضة. والتي يشع فيها أيضا ذكرى حبيبته الانكليزية إني بلايدن التي شاءت الأقدار أن يلتقيا ذات يوم في قصر أحد النبلاء في ألمانيا، هي مديرة القصر وهو شاعر يخطو خطواته الأولى ومعلما لابنة ذلك النبيل، فالتهب قلبه بحبها وعندما غادرت إلى لندن لم يستطع فراقها فسافر إليها مرتين لكنه لم يستطع أن يلتقي بها ورجع خائبا حزينا إلى باريس! وفي ظنه انه سيلتقي بها ذات يوم في لندن لكن الأقدار وضعت حدا لذلك الحب لان إني محبوبة قلبه هاجرت إلى أميركا، فأصابه اليأس من كل شيء ليعيش حياة تشرد وصعلكة استمرت ثلاث سنوات، وكان لذلك الحب الكبير أثر في إغناء تجربته وإمداد قريحته الشعرية بأعذب القصائد وترك بصماته الواضحة على كل خطواته الشعرية مستقبلا.

جيوم ابولنير شاعر الحداثة ومبتكر القصيدة الصورة، ولد في باريس عام 1880 ودرس في مدارسها (نيس وكان وموناكو). نشر ديوانه الأول وعمره 31 عاما وأسماه "مواكب أورفيه" وعندما اندلعت شرارة الحرب العالمية الأولى تطوع جنديا في سلاح المشاة وكتب قصائد استلهم موضوعاتها من سيل المعارك هناك.

تميز الشاعر والفنان ابولينير بنضاله المستمر من أجل حركه التجديد في الشعر والرسم فسلك طريقا خارج الأطر التقليدية التي كانت سائدة آنذاك فأصدر ديوانه الثاني "خمور" الذي مثّل تنوع وغنى تجربته الشعرية الكبيرة فامتلكت قصائده إحساسا صادقا ورقيقا، وواضحة في تلقائيتها وبساطة تركيبها متجاوزة عصرها ذا القصيدة ذات الرنين المدوي أو اللغة الفخمة فكان له الأثر البالغ في اجتذاب شعراء الطليعة وفنانيها إلى التجديد، كما أنه فنان اللوحة المتجددة مع الفنان الكبير بيكاسو وماكس جاكوب وكذلك كتب المسرحيات وعثر على ديوان بعد وفاته بعنوان "المتربص الكئيب".

وفي القصيدة التي نشير إليها والتي كانت ضمن باقة ديوانه "خمور" تطل محبوبته إني كذكرى حبه الأول الذي لم ينسه حتى وفاته في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 متأثرا من جرح سببته الرصاصة التي أصابت رأسه في الحرب العالمية الأولى.

• مقاطع من قصيدة "أغنية معذب في حبه" (والقصيدة مترجمة من كتاب "في الشعر الفرنسي" للكاتب الراحل علي درويش):

صادفني في لندن ذات أمسية خفيفة الضباب

صعلوك كان يشبه حبي

وطالعني بنظره

جعلني أغض الطرف من الخجل

***

كانت بنظراتها التي تنم عن فظاظتها

بجرح عنقها العاري

خارجة ثملة من حان

في اللحظة التي تعرفت فيها

على زيف الحب نفسه

***

وداعا أيها الحب الزائف المختلط

بالمرأة التي تبتعد

بتلك التي فقدتها

في ألمانيا في السنة الماضية

والتي لن أراها من جديد