جينات القبح في ثورتنا الحسناء!

بقلم: ماجد ضيف

أكثر من أسبوع مضى على آخر ما كتبت وما نشر من حلقات سلسلة "النهضة لمن يستحقها"، أسبوع توقفت فيه أمام الكثير من الأحداث التي لم أملك حيالها سوى أن أتوقف لأتأمل المشهد السياسي والشعبي بكل ثوابته ومتغيراته التي تؤشر في مجملها إلى أن جينات القبح في ثورتنا الحسناء لا تزال هي الأبرز وجوداً وتأثيراً!

ولقد ارتأيت من صميم الواجب الوطني وبخاصة في ظل مساخر اللحظة الراهنة أن أؤكد اليوم على رؤيتي التي طالما نشرتها بشأن الثورة وتداعياتها:

1 ـ إن ما حدث في 25 يناير لم يكن ثورة، إذ هو من حيث التخطيط والتنفيذ والهدف والتأثير لا يعدو كونه مجرد تظاهرة كبيرة سبقتها عشرات التظاهرات والوقفات الاحتجاجية التي شهدتها مصر على مدار سنوات النصف الثاني من العقد الماضي.

2 ـ إن هذه التظاهرة رغم ضخامتها لم تكن لتتحول إلى ثورة لولا انضمام الشعب بكل فئاته وطبقاته إليها اعتباراً من يوم 28 يناير الذي أعتبره تنفيذاً وهدفاً وتأثيراً هو البداية الحقيقية لثورة شعبية عفوية حقيقية تستمد شرعيتها من الشعب.

3 ـ مما سبق فمن الجهل والظلم والتملق والجبن أن نصف ثورة 28 يناير بأنها ثورة شباب، أو أنها ثورة فجرها الشباب ثم انضم إليها الشعب، لأن من مهد لهذه الثورة وفجرها هم كل شريف مجاهد جسور من كتاب مصر وإعلامييها وعمالها حين كانت المعارضة بطولة حقيقية وحين كان أغلب (وأكرر أغلب وليس كل) شباب مصر منغمساً في ملذاته وتفاهاته في ملاعب الكرة والكافيهات والمخدرات والاختلاط السافر في شتى بقاع مصر العام منها قبل الخاص، إذن فنحن بصدد شباب الثورة وليس ثورة الشباب.

4 ـ ثمة تساؤل غاية في الأهمية والبساطة والمنطقية يتجاهله المغرضون من شباب الثورة ومتملقوهم من النخبة التافهة ألا وهو: هل كان مبارك حاكماً عادلاً وديمقراطياً أم كان حاكماً ظالماً ومستبداً؟ أعتقد أن الإجابة لدى كل من مهد للثورة وكل من شارك فيها وكل من ساندها وأيدها هي أنه كان حاكماً ظالماً ومستبداً، إذن فما معنى ظلم الحاكم واستبداده؟ أعتقد أن الإجابة لدى أى عاقل ستكون أنه الحاكم الذي جعل إلهه هواه، فهو لا يقيم عدلا ولا ينتصر لحق إلا إذا وافق هواه وليذهب الشعب إلى الجحيم.

5 ـ إذن فالمنطق يؤكد أن مبارك الظالم المستبد لا يمكن أن يتنحى عن الحكم نزولاً على رغبة الشعب، إذن فهناك سبب آخر.

6 ـ أعتقد أن السبب الحقيقي وراء التنحي لا يحتاج إلى استشارة عالم فلك أو قارئة فنجان، فهو أجلى وأوضح من أن يماري فيه إلا مغرض أو جاهل، إنه الموقف التاريخى الوطني المشرف للجيش الوطني ممثلاً في مجلسه الأعلى الذي تحمل من إساءات الصغار وسبهم وقذفهم ولمزهم ما لا يطيقه بشر، حتى صرنا نسمع من كل رضيع أو رضيعة في مهد السياسة ما يفيد أن المجلس جاهل بالسياسة وأدواتها، وكأن هؤلاء الرضع ومتملقيهم قد خبروا السياسة في حضاناتهم وشربوها في ببروناتهم وهضموها وأخرجوها في حفاظاتهم، ووالله ثم والله ثم والله إن أظفر أحدث أعضاء المجلس لو أنها وضعت في إحدى كفتي ميزان السياسة ووضع جميع هؤلاء الرضع ومتملقيهم في الكفة الأخرى لطاشت كفتهم!

7 ـ مما سبق يحق لى أن أؤكد للرضع ومتمليهم أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يحم الثورة فقط بل لولاه ما نجحت الثورة.

8 ـ تساؤل آخر شديد الأهمية: هل كانت تظاهرات 25 يناير سلمية؟ ومن ثم هل كانت ثورة 28 يناير سلمية؟ هذا ما يدعيه الكثيرون ويروجون له كالببغاوات دون تفكر أو تدبر، ولو أننا شئنا الحق لتحرينا معنى السلمية.

أليست السلمية هي أن تتمركز مجموعة من الناس في مكان عام لإعلان مطالب محددة دون الإساءة للمجتمع أو الإضرار بحقوقه أو التجاوز في حق السلطات أو التحرش بها، فهل هذا هو ما حدث؟

من المؤكد والموثق بالصوت والصورة أن هذا ليس هو ما حدث، إذ ما حدث أنها كانت تظاهرات سيارة وعشوائية وغير متمركزة وأنها كانت تتحرش بالسلطات في إصرار واضح على تجاوز الأطواق الأمنية التي نفذتها قوات الشرطة لتأمين أهم مؤسسات الدولة! إذن فهي لم تكن سلمية ولو أنها كانت سلمية لما كانت ثورة!

9 ـ وأخيراً دعوة أتوجه بها إلى فضيلة شيخ الأزهر وفضيلة المفتي وكل صاحب فضيلة، أما شبعتم صمتاً طيلة عهد مبارك عما شاع في البلاد وبين العباد من مظاهر وظواهر الفساد؟

ألا أفتيتمونا يرحمكم الله في تعريف الشهيد؟

أفلا أفتيتمونا أعزكم الله عن رأى الدين في خروج النساء والفتيات إلى الشوارع والميادين بل وعن مبيتهن في الخيام بين الرجال والشباب تحت مظلة الثورة وتوابعها التي لا تنتهي؟

أفلا أفتيتمونا أثابكم الله عن رأى الدين فيما يحق للحاكم وأجهزته من إجراءات لفرض الأمن في البلاد ولو من باب القياس على أحداث لا أحبذ ذكرها؟

ألا أفتيتمونا بارككم الله هل أزمة مصر الأمنية فيما بعد الثورة هي انفلات أمني من أجهزة الأمن أم هي انفلات أخلاقي من أجيال تكفر بالقيود في شتى صورها سواء كانت قيود أسرية أو مجتمعية أو قانونية أو حتى دينية؟

إن تداعيات ما بعد الثورة ـ وبخاصة مهزلة العباسية ـ أسفرت عن مجموعة من الحقائق والمؤشرات المهمة، هي:

1 ــ أن المجلس العسكري ممثلاً للجيش المصري يحتل في وجدان غالبية المصريين مكاناً ومكانة لا ينازعه فيهما أحد.

2 ــ أن هذه الأغلبية تطالب المجلس العسكري بل وترجوه أن يكف عن التسامح المفرط مع الخارجين عن القانون أياً ما كان نعتهم.

3 ــ أن نواب الشعب من التيارات الإسلامية مطالبون بالجهاد الأكبر إذا كانوا حريصين على مكانهم ومكانتهم لدى الشعب.

4 ــ أن الانتخابات الرئاسية قد تسفر بكل أسف عن رئيس لا يملك من مقومات الرجل الحاكم والحاكم الرجل سوى صورته فقط.

وعاشت مصر لنا وبنا وعشنا بمصر ولها.

ماجد ضيف

maged.daif@hotmail.com