جونبلاطومتر الجزائر: مناصرة... حين تبتذل البراغماتية

بقلم: بوزيدي يحيى

تناقلت وسائل الإعلام الوطنية الجزائرية في الآونة الأخيرة نبأ سعي عبدالمجيد مناصرة العودة لصفوف حركة مجتمع السلم وحل حزبه جبهة التغيير الذي تأسس قبيل الانتخابات التشريعية التي جرت في العاشر من مايو وحصل فيها على أربعة مقاعد فقط من مجموع مقاعد البرلمان الأربعمائة واثنان وستون.

ما يهمنا في هذا الموضوع ليس عودة مناصرة إلى صفوف حمس من عدمها وما هو مستقبل الحركة إذا حصل ذلك، وإنما الضجة الكبيرة التي أحدثها يوم انشقاقه وإدعائه أن الغالبية من أبناء حركة الراحل محفوظ نحناح رحمه الله انسحبوا منها وانظموا لحركته الجديدة، وذلك بعدما هونت قيادات حمس من الموضوع وتحدثت عن أن نسبة المنشقين لا تتجاوز الثلاثة بالمائة.

ورغم أن التيار الإسلامي بشكل عام مني بهزيمة كبيرة في الانتخابات الأخيرة بغض النظر عن الشوائب التي تخللتها، إذ حصل تكتل الجزائر الخضراء الذي كانت حركة مجتمع السلم أهم حزب فيه على ثمانية وأربعون مقعد فقط أغلبها بفضل حمس، ولكن المقارنة بين نتائج الحزبين تمثل الفاصل في حقيقة قصة الثلاثة بالمائة التي أثارت لغط كبيرا.

نتيجة مناصرة والتي انحصرت في أربعة مقاعد فقط تؤكد أن كل أحاديثه السابقة كانت غير دقيقة وتدخل في إطار المزايدات السياسية حتى لا نتجاوز الحدود ونقول مجرد أكاذيب سياسية وإن كنا نعتقد ذلك مادام الفارق في النتائج كبير جدا دون أن يكون له تفسير منطقي.

والسؤال الذي يطرح هنا هو لماذا اتجه رئيس حزب جبهة التغيير ومن ورائه قيادات حركة الدعوة والتغيير وهو الاسم الأول للمنشقين عن حمس بعد المؤتمر الرابع والذين كان من بينهم بعض رفقاء زعيم الحركة في التأسيس أو ما يصطلح عليهم بأهل السبق إلى الإدعاءات الغير حقيقية التي مهما طال الزمن أو قصر ستكتشف عند أول محطة انتخابية وهذا ما حدث بالفعل؟ هل كان الهدف من ورائها إحداث بلبلة داخل قواعد الحركة حتى تستقطب المزيد منها؟ وهل هذا الأسلوب في الاستقطاب السياسي مقبول عند حركة عزت انشقاقها عن الحركة الأم إلى انحرافها عن نهج المؤسس؟ أليس هذا الأسلوب هو أهم مأخذ كان يعاب عليه أبوجرة سلطاني؟ ثم ألا يتنافى هذا مع القيم والمبادئ الإسلامية التي يفترض بالإسلاميين التميز بها في عملهم السياسي خاصة وأن كلمة الدعوة التي حرص المنشقين عليها في تسميتهم لمولود هم الجديد كانت ردا على تفريط حمس في الجانب الدعوي الذي هو الأصل في تصورهم؟

كتبنا حينها مقالة تحت عنوان "حركة الدعوة والتغيير بين الإستراتيجية والتكتيك" مرجعين خطاب مناصرة أيامها إلى أنه تكتيكات وانفعالات شخصية ليس إلا، وكان لافتا يومها دعم عبد المجيد مناصرة ترشح رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة لعهدة ثالثة، وشنَّ هجومًا على أبي جرة وقال: "رئيس الحركة سانَد ودعم بوتفليقة للترشُّح لعهدة ثالثة؛ من أجل الحصول على مناصب ومنافع شخصية بعيدة كلَّ البعد عن مبادئ وثوابت الحركة، وعلى عكس ما وصَّى به مؤسِّسها الراحل محفوظ نحناح، وأضاف أن أبو جرة انساق وراء حزبا التحالُف في دعمه العهدة الثالثة بشكل فردي خارج قواعد وهياكل الحركة، وقبل اجتماع مجلس الشورى الوطني مما يدعو إلى التساؤل حول الهدف الحقيقي لمسارعة رئيس حزب عريق مثل حركة مجتمع السلم إلى الدعم المطلق للرئيس بشكل ارتجالي، ودون إشراك إطارات ومناضلي الحركة". وكان السيد عبدالمجيد قبلها يرى أن النظام الرئاسي في دول العالم الثالث أقرب إلى النظام الشمولي.

إلى هنا قد يفهم هذا التغير على أنه قراءة سياسية طبيعية مادام التغير هو الأصل في السياسة ولكن مناصرة بعد الربيع العربي يعود ليتحول إلى أكبر ناقد لنظام مرة أخرى حيث وصف المجلس الشعبي الوطني الأخير الذي أفرزته تشريعيات العاشر من مايو بأنه برلمان الجيش الوطني الشعبي وأسلاك الأمن، وبرلمان حسني مبارك الذي أفرزته انتخابات مجلس الشعب لـ22 نوفمبر 2010، ولم يعمر إلا أشهرا قبل أن يسقط مع سقوط نظام مبارك. في إشارة إلى دور أفراد الجيش الوطني في ترجيح نتائج الانتخابات.

قد يوصف هذا السلوك بأنه براغماتية تحسب لمناصرة وليس عليه، باعتبار أن البراغماتية تبقى في المحصلة الأخيرة الأسلوب الغالب على العملية السياسية سواء داخليا أو خارجيا، لذا يجد الكثير من الإسلاميين أنفسهم مضطرين لممارستها مع محاولة الحفاظ على قدر من المبادئ والبحث عن صياغات منطقية لسلوكياتهم السياسية أو محاولة تبريرها لإقناع قواعدهم على الأقل.

غير أن من يتابع مسار الخطاب السياسي لعبدالمجيد مناصرة المنشق عن حركة مجتمع السلم وانتقاله من الشمال إلى اليمين ثم إلى الشمال يجد فيه ابتذال حقيقي للبراغماتية بأسلوب يذكر بمواقف وليد جنبلاط في لبنان. هذا الأخير الذي يصلح لأن تشكل مواقفه فرصة لدفع بالعلوم السياسية نحو المنهج التجريبي أكثر، وذلك باختراع جهاز لقياس المواقف السياسية يشتق من اسمه "الجونبلاطومتر" حيث كلما كان هناك تغير كبير في المواقف كانت درجة الترتيب أكبر، وعلى سبيل المثال فإن أهم سياسيين يسجلان درجات قياسية على هذا المقياس هذه الأيام هما مقتدى الصدر في العراق الذي كان من أكثر المتحمسين لسحب الثقة من رئيس الحكومة نوري المالكي واعتبرها واجبا شرعيا ثم عاد ليتراجع عن ذلك ويصف الخطوة بأنها مضرة بالشعب العراقي في فترة وجيزة، والسياسي الثاني هو موضوع المقالة السيد عبد االمجيد مناصرة بناء على المواقف التي تتبعناها أعلاه.

ختمنا المقالة السابقة عن حركة مناصرة بأنه تنعدم عند قيادييها أي رؤية إستراتيجية وأنها تكرر نفس الأخطاء ما ينبئ بقصر عمرها السياسي، وحديث مناصرة عن حل الحزب يؤكد ما ذهبنا إليه يومها، وحتى إن لم يحصل ذلك فإن مسارعته لتأسيس حزب سياسي وإهمال الجانب الدعوي الذي رفع صوته عاليا والنتائج الهزيلة في الانتخابات لا تبشر بأي مستقبل لهذا الحزب، ونظيف بهذه المناسبة أيضا أنه على من يحاولون لم الشمل من جديد في حمس أن يستحوا من أنفسهم لأن أهم ما يبحث المواطن عنه في السياسي هو صدقه وإخلاصه في العمل وإن كانت الميكيافيلية لصيقة بالعمل السياسي فإنها ليست بالضرورة قدرا محتما، وعلى الإسلاميين أن يكونوا أول من يكسر هذه القاعدة ولكن أن يمارس الإسلاميون البراغماتية كتعبير مهذب للميكيافيلية بهذا الشكل المبتذل ويمسون على موقف ثم يصبحون على موقف آخر دون أي مبرر منطقي، ثم يتشدقون بالأخوة والعفو والتصالح وتكاثف الجهود ولم الشمل وغيرها من الشعارات الجذابة كما هو الحال مع المساعي في حمس ثم نسمع في نفس الوقت الأنباء المتواتر عن سعي الوزير عمار غول لتشكيل حزب جديد ما ينذر بانشقاق آخر في حمس فهذا معناه أن هناك أزمة قيمية تنخر الأحزاب الإسلامية يجب حلها أولا.

بوزيدي يحيى

كاتب من الجزائر