جولة باول تنتهي بأزمة في العلاقة مع مصر

القاهرة
باول لقي ما يكفي من الفشل في المنطقة

رغم أن العلاقات المصرية الأميركية تعرضت إلى العديد من الصدمات والخلافات طول السنوات الـ 25 الماضية منذ اتفاقيات كامب ديفيد، إلا أن الخلافات التي ظهرت بعد زيارة باول هي الأولى تقريبا التي تكون "علانية" بين البلدين، وتتميز عن سابقتها بطبيعتها العلنية الواضحة لحد رفض الرئيس المصري استقبال كولن باول وزير الخارجية الأميركي، ورفض وزير الخارجية ماهر علانية طلب الرئيس الأميركي بوش إدانة مصر للإرهاب (يقصد به أساساً الفلسطيني).
بل لقد حرصت "وكالة أنباء الشرق الأوسط" على بث الحوار الذي أجرته مع الرئيس مبارك قبل يومين في نفس توقيت وصول باول تقريباً، وفيه يؤكد الرئيس مبارك رفضه لعقد مؤتمر سلام دولي جديد حسب ما اقترح شارون ووافقه باول، وأن العمليات الفدائية ضد إسرائيل ستستمر، وأن توسيع إسرائيل المحتمل لعملياتها خارج فلسطين سوف يواجه برد فعل وتبعات.
وكان من الواضح أن الأجواء في القاهرة مشحونة وغاضبة حتى أن لقاء باول ووزير خارجية مصر والأردن لم يستمر سوى دقائق معدودة خرج بعدها باول إلى طائرة العودة لواشنطن، وكأنه يخفي وجهه الأحمر خجلا من رفض مبارك مقابلته.
وقد لوحظ أن رفض مبارك لقاء باول كان أمرا ظاهرا بوضوح وتحدث عنه باول في القدس. بيد أنه أرجع السبب إلى أن "الرئيس مبارك ليس على ما يرام"، وهي عبارة قد تحمل معنى أن الرئيس مريض أو أن مزاجه على غير ما يرام، ولكن تحدث مبارك مع باول هاتفيا أثناء لقائه في القاهرة مع وزيري خارجية مصر والأردن ينفي مسألة مرض مبارك ويرجح غضبه على الموقف الأميركي بدليل أنه تحدث مع باول فقط عن ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الفوري من الأراضي المحتلة، كما قال الوزير المصري في المؤتمر الصحفي، ويعتقد أن حديث مبارك مع باول استهدف تلافي التصعيد في الأزمة.
وقالت مصادر سياسية مصرية إن أكثر ما يغضب القاهرة أنه تم، في إطار التنسيق بين مصر وأميركا لتهدئة الأوضاع في فلسطين، إن يذهب وزير الخارجية ماهر إلى فلسطين لمناقشة سبل التهدئة وطلب باول وبوش من عرفات إصدار بيان باللغة العربية يدين عملية القدس الاستشهادية الأخيرة، وأن القاهرة استبشرت خيرا بعد صدور بيان عرفات رغم أنه الضحية، وتوقعت تحركا أميركيا أكثر جدية للضغط على شارون للانسحاب، ولكن على العكس ظل باول ينقل لعرفات شروط شارون للانسحاب من رام الله وبيت لحم دون أن يقوم بالدور المفترض أن يقوم به مع الطرف الإسرائيلي المعتدي.
ويقول كلا من الأستاذين بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة سيف عبد الفتاح وحامد عبد الماجد إن بدايات أي أزمة سياسية تبدأ من التصعيد اللفظي وخروج الخلافات من حيز الدبلوماسية السري إلى حيز وسائل الإعلام.
ويؤكدان أن المؤشرات السابق ذكرها تشير إلى تصعيد واضح في مسلسل الأزمة خصوصا مع التحيز وربما التواطؤ الأميركي الذي تشعر به ليس فقط القاهرة ولكن كل العواصم العربية فيما يتعلق بالمخطط الإسرائيلي لقمع الفلسطينيين بالقوة وتغيير القيادة الفلسطينية والدخول في دوامة المفاوضات من الصفر.
ويشير الدكتور حامد، وهو أستاذ زائر أيضا بجامعة لندن، الى أن مظاهر هذه الأزمة من الممكن أن تتصاعد إذا أعقبها صمت أميركا أو سكوت عن استمرار الحملة العدوانية لشارون لتصفية الفلسطينيين، وأنه من الممكن أيضا أن تتصاعد إذا انتقلت من اللفظ إلى الفعل سواء بقيام مصر بالسعي إلى توحيد الموقف العربي والضغط علي إسرائيل وأميركا، أو بالمقابل إذا حركت أميركا أساليب الضغط المتبعة مثل المعونات وغيرها.
وكان الحديث الذي أدلى به الرئيس مبارك لمحفوظ الأنصاري رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط قد حمل بدوره تصعيدا من جانب مبارك واتهامات لحكومة الرئيس بوش بالخضوع للوبي الصهيوني في أميركا، حيث أكد الرئيس مبارك أن "اللوبي اليهودي في أميركا في قمة مجده وعز سطوته ولم يحدث من قبل أن وصل إلي هذا الحجم من التأثير والفعل"، وقال إنه على قناعة تامة أن "هذا لن يستمر فهو مناف لقيم الشعب الأميركي ومبادئه".
وأنه حذر قادة المنظمات اليهودية وفى الكونجرس من أن الانحياز الأعمى يضر بالسلام ويضر بشعب إسرائيل ذاته ويوفر لأعداء السلام وقوى التطرف فرص القيام بأعمال لا قبل لأحد على صدها.
أما اقتراح شارون الذي تبناه باول على الفور، ربما لإنقاذ مهمته من الفشل، حول عقد مؤتمر سلام دولي جديد فقد رفضه مبارك قائلا إنه: "من غير المعقول عقد مؤتمر دولي في ظل الأوضاع المتدهورة في الأراضي المحتلة ودون وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من المدن"، بل إن مبارك انتقد التصريحات الأميركية المتناقضة، حيث قال إن "الصورة ما زالت غامضة" في ضوء جولة كولن باول وزير الخارجية الأميركي، واستغرب بشدة من "التصريحات المتناقضة" التي تصدر من الجانب الأميركي، فـ "باول" تحدث عن عقد مؤتمر يضم الأطراف المباشرة والمعنية، في حين أعلنت كونداليزا رايس مستشارة الرئيس الأميركي للأمن القومي عن رفضها للمؤتمر، وقالت إنه لدينا أفكار أخرى.
ولم ينس الرئيس مبارك التحذير من المخاطر المستقبلية لما يفعله شارون بقوله: "إن أسلوب
إسرائيل سيؤدي إلى المزيد من العنف الذي ينال الإسرائيليين كما ينال الفلسطينيين .. عنف يضرب المنطقة بل ويمتد إلى خارجها".
وحذر من أن الوضع "في غاية الدقة والخطورة ومليء بكل الاحتمالات السيئة وكذلك الطيبة، شريطة أن تكون هناك نوايا مخلصة تبدد أوهام الهيمنة والتوسع". وأنه لا يستبعد احتمالات توسيع إسرائيل نطاق العمليات العسكرية خارج الحدود الفلسطينية قائلا: "كل شيء محتمل ولا يصح استبعاد أي احتمال"، وإن "لكل فعل أو عمل مخاطره، ومن يريد أن يقدم على فعل ما أن يدرس جيدا تأثيراته ونتائجه وتداعياته وعليه أن يتحمل تبعات هذا العمل.
وقد وصل غضب الرئيس المصري في خطابه إلى حد الحديث بتشاؤم كبير عن مستقبل العالم كله قائلا: "إن العالم يمر بحالة أو مرحلة اللامعقول، كما يمر بحالة من انفصام الشخصية، حيث كثر حديثه عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما الانتهاك المتعمد لحقوق الإنسان وتجاوز المبادئ الأولية للديمقراطية يجرى أمام الجميع".
وقال: "نحن في عصر اختلطت فيه الأوراق بقدر اختلال المصالح وأحد أهم أسباب العنف هو الشعور بالظلم وغياب العدالة أو انعدامها وهذا بدوره يؤدي إلى اليأس والى الإحباط، وحينما يصل الإنسان إلى حالة اليأس يستوي عنده كل شيء ويقوم بالتالي بغير المعقول من التصرفات والأشياء.
بل واستغرب مبارك مطالبة السلطة الفلسطينية بوقف أعمال العنف بعدما هدمت مقارها وبنيتها التحتية وكوادرها الأمنية ورجال البوليس والشرطة جرى مطاردتهم أو قتلهم أو القبض عليهم.
وقال: قلت لوزير الخارجية الأميركي، حينما اتصل من رام الله بعد لقائه بالرئيس عرفات (أنه) لا يصح أن يظن أحد أن عملية القدس ستكون الأخيرة .. علينا أن نتجه إلى مائدة المفاوضات لنعيد الحقوق لأصحابها ونبدأ في بناء جسور الثقة من جديد.
ومع أن دبلوماسيين سبق أن أكدوا أن رفض مصر قطع العلاقات مع إسرائيل يستهدف عدم التضحية بكل أوراق الضغط مرة واحدة، فقد شرح مبارك - بعد صمت عدة أيام - السبب وراء عدم قطع العلاقات مع إسرائيل رغم عدوانها قائلا: "هذا معناه ببساطه إعطاء الفرصة لإسرائيل لتحل نفسها من أي التزام أو ارتباط وتطلق يدها دون رادع وتحرر رقبتها من السلام وتعطيها فرصة العمر للإفلات من حصار الرأي العام العالمي".
وكان وزير الخارجية المصري أحمد ماهر قال في وداع الوزير الأميركي باول بالمطار إن مصر رفضت الدعوة التي وجهها الرئيس الأميركي جورج بوش إلى دول الشرق الأوسط من اجل أن تتحرك ضد الإرهاب، مؤكدا أن على إسرائيل أن توقف قبل ذلك عدوانها على الشعب الفلسطيني.
وقال ماهر للصحفيين إن "مصر ترفض دعوة الرئيس بوش"، وإن "النداء يجب أن يوجه أولا إلى إسرائيل، لكي تنهي احتلالها وعدوانها على الشعب الفلسطيني" ، وشدد على أن "المقاومة هي الوجه الآخر للاحتلال. وطالما أن هناك احتلال، فالمقاومة ستستمر" و"لا أتصور بان أحدا يمكن أن يطالب بإدانة المقاومة".
كذلك رفض وزير الخارجية الأردني مروان المعشر ضمنا طلب بوش قائلا: "إن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية هو الشرط المسبق لتعهد عربي على العمل من اجل وقف العمليات الانتحارية". (ق.ب)