جولة أوباما ما بعد 'بداية جديدة' مع العالم العربي

في الرابع من يونيو 2009 ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما خطبةً سميت "بداية جديدة" مع العالم العربي الاسلامي بعد 11 سبتمبر 2001 والحرب الأميركية ضد العراق سنة 2003، وذلك في قاعة الاستقبال الكبرى في جامعة القاهرة في عاصمة جمهورية مصر العربية القاهرة.

كانت الخطبة وفاء بوعد من أوباما أثناء حملته الانتخابية بأن يوجه رسالة إلى المسلمين من عاصمة إسلامية في أشهره الرئاسية الأولى.

قدم الرئيس الأميركي وعودا كثيرة وخاصة بشأن إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية والتعامل مع العرب بأسلوب مختلف عن الذي مارسته الادارات الأميركية السابقة. خلال السنوات الأربع التي تلت ذلك الخطاب طبق البيت الأبيض سياسات لا يمكن وصفها إلا بالنقيض. إسرائيل رغم ما يسميه ملاحظون "خلافات العشاق" لوصف بعض المشاحنات بين واشنطن وتل ابيب، تقر أن التأييد الأميركي لها كان الأفضل منذ سنوات طويلة.

الولايات المتحدة وبعد الدرس القاسي والمكلف الذي تلقته في كل من العراق وأفغانستان بدلت تكتيك التدخل العسكري المباشر للتوسع والهيمنة في منطقة الشرق الأوسط، حيث ركبت حركة التطور والتحول في العديد من بلدان المنطقة العربية لتحولها إلى "فوضى خلاقة" كما يسميها المحافظون الجدد، ممهدة الطريق لإنتاج دول فاشلة ومقبلة على التفتت.

مرة أخرى وإبتداء من 20 مارس 2013 عاد الرئيس أوباما وفي فترة رئاسته الثانية إلى المنطقة العربية، مستهلا بزيارة الكيان الصهيوني ثم الضفة الغربية وأخيرا الأردن.

لأن أقلية فقط في المنطقة العربية لا تزال تتصور أن واشنطن جادة في البحث عن تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، بعثت إدارة البيت الأبيض برسائل متقاطعة المعنى بشأن نوايا الرئيس أوباما.

البيت الابيض لم يتحدث عن مبادرة خاصة في هذا اطار البحث عن تسوية.

وقال اوباما الخميس في مقابلة مع التلفزيون الاسرائيلي ان "هدفي اثناء هذه الزيارة هي الاستماع".

وبحسب وسائل اعلام اميركية، فقد اكد اوباما لمحادثيه في الجالية اليهودية في مجالسه الخاصة ان شروط تحريك عملية السلام لن تتوافر طالما لم يبد الاسرائيليون والفلسطينيون استعدادهم للتباحث.

والبيئة الجيوسياسية لا تتحرك مع ذلك لصالح مثل هذه المبادرة.

من هنا حالة التشكك الشاملة. وقال مروان معشر وزير الخارجية الاردني الاسبق "اعتقد ان الادارة الاميركية اهدرت ثلاث سنوات مهمة بعد القاهرة". واضاف انها "اعطت املا غير مسبوق لم يسفر عن نتائج".

وينفي البيت الابيض ان يكون خطاب القاهرة قد انهار بفعل الاحداث التي تلت. فهذا الخطاب "طرح قواعد صلبة في ما يتعلق برؤية الرئيس" في المنطقة، كما اوضح مستشار الامن القومي بن رودس مقرا في الوقت نفسها بان جزءا واحدا فقط من الاهداف تحقق.

آلان السنر نائب رئيس مجموعة "جي ستريت" الناشطة في مجال السلام الإسرائيلي الفلسطيني، قدر ان اوباما قد يثير مفاجأة في هذا الملف بعرضه على المعسكرين اجراءات ثقة متبادلة، اول مرحلة

في استئناف الاتصال.

تطمينات أميركية

يوم الخميس 7 مارس 2013 اعلن مسؤول اميركي ان اوباما اكد امام مسؤولين في الجالية اليهودية الاميركية انه لن يطلق مبادرة سلام للشرق الاوسط خلال زيارته للمنطقة. وأكد المسؤول "شدد الرئيس على ان رحلته لا تهدف الى حل مشكلة سياسية محددة بل هي مناسبة للتشاور مع الحكومة الاسرائيلية حول مجموعة واسعة من القضايا بما فيها ايران وسوريا والوضع في المنطقة وعملية السلام".

وتنظر الادارة الاميركية الى هذه الزيارة كوسيلة لتحسين العلاقات الحساسة احيانا مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ولتبادل وجهات النظر.

واضاف المسؤول الاميركي ان "الرئيس كرر دعم واشنطن الثابت لاسرائيل، وشكر للمسؤولين اليهود الدور الذي اضطلعوا به في تعزيز العلاقات بين البلدين".

وشدد اوباما ايضا على ان "هذه الرحلة ستكون فرصة بالنسبة اليه للتحدث في شكل مباشر الى الشعب الاسرائيلي عن التاريخ والمصالح والقيم التي يتقاسمها" البلدان.

تفاصيل قد تبدوا صغيرة ولكن الحقيقة أن لها دلالات كبيرة، وهي أنه وبعد وصوله الى تل ابيب يوم الاربعاء في 20 مارس، تفقد اوباما بطارية صواريخ مضادة للصواريخ في نظام "القبة الحديدية" الذي مولت الولايات المتحدة جزءا منه والذي تأمل تل أبيب أن يحميها من صواريخ خصومها.

وفي 22 مارس يضع الرئيس الاميركي باقة زهور على قبر تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية وعلى قبر رئيس الوزراء اسحق رابين الذي اغتيل في العام 1995 قبل ان يزور نصب المحرقة اليهودية.

"السلام"

قبل بدء زيارته للكيان الصهيوني توجه باراك أوباما عبر حديث إلى القناة الثانية، وهي أكبر قناة تلفزيونية في إسرائيل، إلى الرأي العام الإسرائيلي بالدعوة إلى وضع تسوية الصراع مع الفلسطينيين على قمة أجندتهم، مؤكدا أن السلام هو أكبر ضمانة لأمن إسرائيل.

وتكلم أوباما عن وجود خلافات بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، مردها سياسي "لأن حكومة نتنياهو تنتمي إلى اليمين المحافظ، بينما إدارتي تنتمي إلى الوسط واليسار"، ولكنه أكد أن العلاقات بين الدولتين أعمق من أن تتأثر بهذه الخلافات، وأن إدارته ملتزمة بأمن إسرائيل بلا حدود، مستطردا أن سلاما مع الفلسطينيين يضمن قيام دولة ذات سيادة لكن ليس على حساب أمن إسرائيل، هو أكبر ضمان لأمن إسرائيل ولازدهارها أيضا. وتابع الرئيس الأميركي أنه يريد مخاطبة الشعب الإسرائيلي بلا حواجز.

وسألته صحافية إن كان قد تنازل عن مطلبه من نتنياهو تجميد البناء الاستيطاني كشرط لاستئناف المفاوضات، فقال: "ينبغي أن تستأنف المفاوضات بلا شروط مسبقة، ولكن كل طرف يعرف ما هو مطلوب منه".

وقف الانحياز لإسرائيل

قبل أيام من بدء زيارة أوباما وجهت اكثر من مائة منظمة غير حكومية فلسطينية يوم الخميس 14 مارس رسالة خطية الى الرئيس الاميركي تطالبه بتغيير سياسة "الانحياز" الاميركي لاسرائيل.

وقالت شبكة المنظمات الاهلية الفلسطينية أن "اكثر من مائة من منظمات المجتمع المدني العاملة والنشطة في كل من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وقعت على رساله موجهة للرئيس باراك اوباما لمناسبة زيارته للمنطقة وطالبته بالعمل من اجل احداث تغيير جدي في سياسة الولايات المتحدة المنحازة والداعمة للسياسات الاسرائيلية".

كما طلبت الرسالة "تمكين الشعب الفلسطيني من التمتع بحقوقه المشروعة والعادلة في العودة وتقرير المصير وقيام دولته المستقلة لتنعم المنطقة والعالم بالامن والسلام والاستقرار".

وقال امجد الشوا منسق الشبكة لفرانس برس ان زيارة الرئيس الاميركي "تأتي في ظل تنكر اوباما لما ورد في خطابه في القاهرة خلال ولايته الاولى".

زيارة لن تحمل جديدا

مساء يوم الأربعاء 13 مارس 2013 وخلال برنامج "السلطة الرابعة"، الذي يقدمه ابراهيم ملحم على شاشة تلفزيون فلسطين،

استبعد محللون أن تحقق زيارة باراك أوباما اختراقا في عملية السلام، مشيرين إلى أن أي تغيير في سياسة الولايات المتحدة لن يتم دون وجود ضغوط على مصالحها، وقالوا إن التغير الذي حدث في عدد من الأقطار العربية لم يؤد إلى تغيير عربي ضاغط على السياسة الأميركية نحو القضية الفلسطينية.

وقال الكاتب مهند عبد الحميد إن حديث أوباما عن استكشاف المواقف أثناء الزيارة، يدل على أنه يريد أن يدير الصراع لا أن يحله، وأن مجمل ما قد يحدث هو تبييض للسياسة الأميركية.

وبدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. باسم الزبيدي إن أولوية الرئيس أوباما في ولايته الثانية هي داخلية بالأساس، ثم تأتي في المرتبة الثانية الأولوية الخارجية، ومن ضمنها الشرق الأوسط المشتعل حاليا، في سوريا ومصر، وما بينهما إسرائيل.

وأضاف أن الرئيس قد يتحدث في مجالسه الخاصة عن الظلم الذي يتعرض له البشر، لكن حينما يتصرف كرئيس الولايات المتحدة، فإنه يواجه الكثير من الضغوط والمحددات.

وقال إنه في ظل التغييرات التي تحدث في المنطقة، فإن الفلسطينيين تعاملوا مع واقع الانقسام كأنه حالة أبدية، وبالتالي لاتوجد استراتيجية فلسطينية موحدة، تقلق الولايات المتحدة وإسرائيل، وتدفعها إلى تغيير تعاملها مع الفلسطينيين.

وذكر المحلل السياسي طلال عوكل إن الأجدر على الفلسطينيين والعرب البحث عن مصالحهم، فعلى الفلسطينيين العمل على تغيير السياسة الأميركية.

وأضاف على العرب أن يضغطوا على المصالح الأميركية لكي تتغير، وذلك لأنها لا تتغير طواعية، وإن ما يسمى بـ "الربيع العربي" لم يجلب جديدا للفلسطينيين، إذ حدث توافق بين الإخوان المسلمين والأميركيين حول مستقبل الأنظمة السياسية في مصر وتونس، بما يخدم المصالح الأميركية في المنطقة قبل أي أمر آخر.

اوباما يغازل نتنياهو

الدكتور أحمد الطيبي العضو العربي في الكنيست الاسرائيلي أكد ان التشكيلة الحكومية الاسرائيلية لا تبشر بخير للفلسطينيين ولا بامكانية حدوث انطلاقة في العملية السياسية بالمنطقة.

واضاف الطيبي "انا ارى في هذه الحكومة، يمينا سياسيا ويمينا اقتصاديا.

وبشأن اذا ما توحي تركيبة حكومة نتنياهو الجديد بانها حكومة حرب قال الطيبي "فيما يتعلق بالحرب لا ارى ان احدا معني بالمبادرة لحرب ولكن لا شيء غريبا على الحكومات الاسرائيلية، فحكومة اولمرت التي كانت توصف بانها حكومة المعتدلين خرجت في حربين. واما فيما يتعلق بالمسار السياسي على صعيد الفلسطيني الاسرائيلي، فانا لا ارى أي بشائر لامكانية انطلاقة سياسية او عمل جدي فيه تغيير لمسار الحكومة السابقة، فنتنياهو هو نفسه نتنياهو وربما يكون هناك تغيير في النغمة وفي الجو ولكن الجوهر يبقى ليكوديا يمينيا واستيطانيا".

وحول زيارة الرئيس الاميركي وامكانية ان تحدث اختراق على صعيد العملية السياسية بالمنطقة قال الطيبي "اوباما يغازل نتنياهو، ولا أرى ان زيارة الرئيس الاميركي قد تؤدي لتغيير جذري في الوضع، فهو يقوم بهذه الزيارة ربما نظرا لاحتياجات الحزب الديمقراطي الاميركي لتقوية علاقاته مع اسرائيل، هذا اولا، وثانيا هناك ملفات عديدة مثل الملف الايراني والسوري وكذلك الفلسطيني"، مضيفا "لا اعلق على هذه الزيارة امالا عريضة".

وفي ظل خلو جعبة اوباما من أي شيء ملموس سيقدمه للفلسطينيين في حين عاد نتنياهو رئيسا للحكومة الاسرائيلية الجديدة، قال الطيبي "هناك ضرورة للتمسك بالسياسة الفلسطينية التي كانت خلال العام الماضي والقائمة على الرفض للمفاوضات دون ان يكون هناك جدول زمني لاقامة دولة فلسطينية على اساس حدود عام 1967 وتجميد الاستيطان، خاصة انني لا ارى الظروف قد تغيرت، الا اذا قدمت الادارة الاميركية واسرائيل شيئا مخالفا لما عهدناه، وانا اشك في ذلك، خاصة وان هناك في تركيبة الحكومة الاسرائيلية الجديدة نفتالي بينت وهو رئيس البيت اليهودي للاستيطان وهو حزب المستوطنين، واعلن انه لن يسمح بتجميد الاستيطان، وهو حزب أئتلافي مهم، ولذلك المطلوب انا اعتقد بانه على العرب والفلسطينيين ان لا يعلقوا أي امال على امكانية حدوث انطلاقة في العملية السياسية.

الرسائل الفارغة

يوم 14 مارس كتب المحلل الإسرائيلي البروفيسور ابراهام بن تسفي في صحيفة "اسرائيل اليوم":

ستكون رحلة باراك اوباما الى اسرائيل تاسع زيارة لرئيس اميركي يتولى عمله الى البلاد، فقد سبقه الرؤساء ريتشارد نيكسون وجيمي كارتر وبيل كلينتون "اربع مرات" وجورج بوش الابن "مرتين".

اذا استثنينا زيارة كارتر التي مهدت الطريق للتوقيع على اتفاق السلام بين اسرائيل ومصر، فقد تميزت سائر الزيارات الرئاسية كلها بفرق بارز بين البعد المراسمي والبعد المضموني الجوهري. وبرغم ان القدس تنفست للحظة هواء القمم ملتفة بالبريق الرئاسي، كان الحديث عن زينة جليلة واحتفالية اختفت فورا بعد أن أُطفئت أنوار المنصة وودعنا الضيف الجليل الشأن منطلقا على وجهه. أو بعبارة اخرى ثبت فيما يتعلق بأكثر هذه الوقائع الكليشيه المعروف وهو ان أهمية الزيارة كانت في مجرد وجودها، ثبت أنه صحيح وخاب توقع ان يعمل صولجان الرئيس مثل عصا سحرية وان يحرز شق طريق سياسي بحركة واحدة.

والى ذلك وفيما يتعلق ببعض الزيارات، لم يكن يوجد ادعاء ما لأن يدفع في اثنائها بخطة سياسية أو استراتيجية محددة، الى الأمام، وكان الحديث في تلك الحالات عن برنامج عمل اميركي داخلي واضح، كمحاولة الرئيس نيكسون اليائسة ان يتحرر من القبضة الخانقة لفضيحة ووتر غيت باثباتٍ عظيم التأثير لانجازاته في ميدان الشرق الاوسط، أو بتفضل تأييد اسرائيل مثل زيارة الرئيس بوش الابن في مايو 2008 التي تمت على خلفية الاحتفالات بذكرى ميلاد الدولة الستين. وعلى كل حال، حتى لو كان في الخلف مخطط سياسي ما وحتى لو كانت تقارنه محاولة التأثير في الرأي العام الاسرائيلي، أو اجراء حوار مع الجمهور الاسرائيلي من فوق رؤوس قادته، فلم يكن للكثرة الغالبة من الزيارات تأثير مباشر وواضح وملموس في نسيج العلاقات بين واشنطن والقدس. وحقيقة ان برنامج العمل الرئاسي كان مكتظا مزدحما ولم يترك وقتا لتفاوض حقيقي تقريبا، أسهمت هي ايضا في أن أصبحت تلك الزيارات في الأساس مراسم فارغة من مضمون حقيقي.

إن هذه الصورة للجلالة الملكية من جهة، والنقائص الجوهرية من جهة اخرى، يتوقع ان تميز ايضا زيارة رئيس الولايات المتحدة الـ 44 القريبة. والى ذلك، وبعكس زيارات رئاسية سابقة كانت تطمح الى الدفع قدما بخطة سياسية موجودة، مثل اتفاقات واي التي كانت في مركز زيارة كلينتون الرابعة الى اسرائيل التي تمت في ديسمبر 1998، أو اطار أنابوليس الذي كان في خلفية زيارة الرئيس بوش الابن الاولى التي تمت في يناير 2008، لا تقوم اليوم في برنامج العمل خطة سياسية محددة ما في المجال الاسرائيلي الفلسطيني. وعلى ذلك فليس الحديث عن جهد رئاسي لمنح مسيرة محددة الحث والتشجيع لأن المسيرة نفسها لم تخلق بعد.

إن خلاصة الرحلة الرئاسية لاوباما يمكن ان تجمع اذا في مقولتين صريحتين أو ضمنيتين: الاولى ان حقيقة الزيارة يفترض ان تثبت تصميم القوة العظمى على ألا تفصل نفسها نهائيا عن ميدان الشرق الاوسط باعتبار ذلك جزءا من جراء انطوائها في داخل الوجود الاميركي. وبرغم الاقتطاع الكثيف المتوقع من ميزانية الدفاع، وبرغم ترتيبات الأولويات الجديدة التي سمتها الادارة، يريد اوباما أن يشير الى ان استمرار التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة ولا سيما بازاء الخطر الذري الايراني الذي يزداد قوة، لا يشك فيه حتى بعد إتمام الانسحاب الاميركي من الساحة العراقية.

والثالثة ان الزيارة قد تعبر عن القلق الاميركي وتسرب الجو العاصف العنيف الى الصعيد الفلسطيني ايضا. ومن هذه الجهة وبرغم ان ليس الحديث حتى عن طرف خيط سياسي ما، يكمن في هذه الزيارة تعبيرا عن أمل ان يكون من الممكن في أثناء الأشهر القريبة إدارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وإن لم تتم تسويته، على نحو يمنع تصعيدا خطيرا. لم يبق سوى ان ننتظر ونرى هل ستتلاشى الخطب الفصيحة البليغة سريعا في هاوية النسيان كما حدث في زيارات رئاسية سابقة من غير ان تترك أثرا ما على ساحة الشرق الأوسط.

تمويه وأولويات

في نطاق تكتيك التمويه الأميركي، تضاربت الأنباء في واشنطن، يومي الأحد والاثنين 3 و4 مارس، حول صحة ما تسرب عن البيت الأبيض، بأن الرئيس الأميركي "طالب رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، بتقديم جدول زمني مفصل للانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية".

وذكرت صحيفة "وورلد تريبيون" التابعة لهيرالد تريبيون بأن الجدول الذي سيطلبه أوباما جزء من مبادرة أميركية وشيكة ومؤكدة، من أجل تحقيق حل الدولتين، وقيام الدولة الفلسطينية خلال عام 2014".

إلا أن مصدراً مطلعاً في واشنطن. استبعد ذلك بقوله:"لا يبدو لي أن هناك قوة دفع بالغة وراء إعادة عملية السلام إلى صدارة أولويات السياسة الخارجية، خاصة وأن الرئيس أوباما، قام بتعيين فيليب غوردون، مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، وهو شخصية فذة وقديرة، لكن خبرته في أوروبا، وليس لها علاقة قوية بالشرق الأوسط".

ولكن المصدر استدرك، مشيرا إلى الموقع المميز الذي سيتحلى به نائب الرئيس الأميركي، "جوزيف بايدن" كما أعلن مؤخرا "وان فريقا مؤلفاً من بايدن نائب الرئيس، وكيري وزير الخارجية، وهيجل وزير الدفاع، يستطيع إن أراد لهم الرئيس، أن يتقدموا بمبادرة قوية، يمكن لها أن تتحقق، كجزء من صفقة كبرى، تشمل الملف النووي الإيراني، وعملية التحول في سوريا".

ولم يكن مفاجئاً أن هذه المعلومات تسربت، أثناء انعقاد مؤتمر "إيباك"، اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، الذي يدفع باتجاه تجاهل عملية السلام، والذي ركز على قضية السيطرة على أمن سيناء المصرية وقضايا أخرى.

وكانت هذه الرسالة، التي روجت من قبل أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي البارزين، مثل الجمهوري "ماركو روبيو" الذي قال في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بأنه يعود من إسرائيل، وهو مقتنع بأن لدى إسرائيل أولويات أخرى، أهم من عملية السلام مع الفلسطينيين، من ضمنها تحييد سيناء، واستدامة اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، والحيلولة دون وقوع الأسلحة الفتاكة التي يمتلكها النظام السوري بيد "حزب الله" اللبناني، وان الانطباع الذي لمسه هو أن القضية الفلسطينية، ليست القضية الأولى بالنسبة للإسرائيليين، وأن الإسرائيليين محقون باعتبار استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، أمر غير واقعي في الوقت الراهن".

سيناء ومشروع الوطن البديل

تفيد مصادر رصد أهمها أوروبي أن واشنطن وتل أبيب أنعشتا منذ بداية سنة 2011 مخططا قديما لإيجاد وطن بديل للفلسطينيين في جزء من شبه جزيرة سيناء. الجديد هو أن المشروع في نسخته الأخيرة ينص على أنه في نطاق البرنامج الأميركي للشرق الأوسط الجديد والقاضي بتقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و56 دويلة على أسس دينية وعرقية ومناطقية، يتم فصل سيناء عن مصر وتقاسمها بين إسرائيل والفلسطينيين، على أن تؤمن تل أبيب السيطرة على الضفة الشرقية لقناة السويس.

الحديث عن فكرة الوطن البديل تم تداولها إعلاميا بشكل واسع مما ولد رد فعل لدى الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة.

يوم 11 أغسطس 2012 أكد موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أن سيناء لن تكون وطنا بديلاً للفلسطينيين، وذلك ردا على ما تردَّد عن مخطط لتهجير فلسطينيين من غزة إلى الأراضي المصرية.

ونفَى أبو مرزوق مشاركة أي شخص من قطاع غزة في الهجوم الذي أودَى بحياة 16 جنديا وضابطا من قوات حرس الحدود المصرية في رفح يوم الأحد 5 أغسطس "2012.

واتهم أبو مرزوق إسرائيل بالوقوف وراء هذه العملية، مؤكدا أن "من قام بالعملية الإرهابية مجموعة مخترقة لصالح إسرائيل".

تبادل الأراضي

مقترحات وطن بديل للفلسطينيين في سيناء، هو مشروع نشره مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية في منتصف يناير 2010، وهو يتخفى وراء تفاهم لتبادل الأراضي ولا يتحدث بالطبع صراحة عن سلب كل شبه الجزيرة.

جاء في المخطط "نجحت إسرائيل فى إقناع الولايات المتحدة بحل إقليمى للصراع الفلسطينى الإسرائيلى، يقوم على استمرار سيطرة إسرائيل على مساحات ضخمة من الضفة الغربية، مقابل تعويض الفلسطينيين بمساحات ضخمة من شبه جزيرة سيناء لإنشاء دولة فلسطينية مستقرة وقادرة على النمو والمنافسة.

عملية الانسحاب الأحادى من غزة عام 2005 كانت الخطوة الأولى فى هذا الاتجاه. وبمجىء الرئيس اوباما آن الأوان لتنفيذ الخطوة التالية فى المشروع، غير أن مسؤولا رفيعا ومؤثرا فى الإدارة الأميركية سبق أن اطلع على مشروع التسوية الإسرائيلى، قال للمسؤولين فى تل أبيب: "انتظروا عندما يأتى خلف مبارك".

بهذه الخلاصة أنهى مستشار الأمن القومى الإسرائيلى السابق، اللواء احتياط غيؤرا أيلاند، عرض المشروع الإسرائيلى فى إطار دراسة أعدها لصالح مركز بيغين السادات للدراسات الاستراتيجية، نشرت فى 37 صفحة من القطع الكبير بعنوان: "البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين".

وبدأ اللواء أيلاند، وهو أحد صناع القرار المؤثرين فى إسرائيل، عرض مشروع التسوية المقترح بالتأكيد على أن حل القضية الفلسطينية ليس مسؤولية إسرائيل وحدها، ولكنه مسؤولية 22 دولة عربية أيضا، يجب أن تبذل جهودا إضافية لرفع معاناة الفلسطينيين. وأردف قائلاً "وينبغى على مصر والأردن، بالذات، أن يشاركا بصورة فاعلة وإيجابية فى صياغة حل إقليمى متعدد الأطراف، وليس هناك منطق يقول بأن تقف الدول العربية مكتوفة الأيدى فى انتظار أن تقدم تل أبيب الحلول على طبق من ذهب أو فضة".

وأوضح أيلاند أن إسرائيل "باتت ترفض بشكل واضح فكرة اقتسام تلك المساحة الضيقة من الأراضى مع الفلسطينيين لإقامة دولتين لشعبين، فهذا الحل يضرب نظرية الأمن الإسرائيلى فى مقتل من ناحية، ويتجاهل الواقع فى الضفة الغربية، من الناحية الأخرى، الذى يحول دون إخلاء 290 ألف مستوطن من بيوتهم لما يترتب على ذلك من تكلفة اقتصادية باهظة، ويحرم إسرائيل من عمقها الاستراتيجى، وينتهك الخصوصية الدينية والروحية التى تمثلها الضفة بالنسبة للشعب الإسرائيلى".

ونص المشروع الإسرائيلى على تزويد الدولة الفلسطينية المستقبلية بجزء شاسع من الأراضى المقتطعة من شمال سيناء يصل إلى 720 كيلومتراً مربعا، ويبدأ من الحدود المصرية مع غزة، وحتى حدود مدينة العريش، على أن تحصل مصر على 720 كيلومتراً مربعا أو أقل قليلا داخل صحراء النقب.

ويقسم الوضع كالتالي:

أولا: تتنازل مصر عن 770 كيلومتراً مربعاً من أراضى سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المقترحة. وهذه الأراضى عبارة عن مستطيل، ضلعه الأول ٢٤ كيلومتراً، ويمتد بطول ساحل البحر المتوسط من مدينة رفح غربا، وحتى حدود مدينة العريش، أما الضلع الثانى فيصل طوله إلى ٣٠ كيلومتراً من غرب "كرم أبوسالم"، ويمتد جنوبا بموازاة الحدود المصرية الإسرائيلية. وهذه الأراضى أي 720 كيلومترا مربعا التى سيتم ضمها إلى غزة تضاعف مساحة القطاع حوالي مرتين، حيث إن مساحته الحالية تبلغ 365 كيلومتراً مربعاً فقط.

ثانيا: منطقة الـ 720 كيلومتراً مربعاً، توازى 12 في المائة من مساحة الضفة الغربية. وفى مقابل هذه المنطقة التى ستضم إلى غزة، يتنازل الفلسطينيون عن 12 في المائة من مساحة الضفة لتدخل ضمن الأراضى الإسرائيلية.

ثالثا: فى مقابل الأراضى التى ستتنازل عنها مصر للفلسطينيين، تحصل القاهرة على أراض من إسرائيل جنوب غربى النقب منطقة وادى فيران.

ويضيف التقرير "لا تقدر غزة بمساحتها الحالية على الحياة. فالقطاع لا يملك الحد الأدنى من الأراضى التى تتيح لسكانه بناء اقتصاد مستقر، والعكوف على تنمية مستدامة. ويعيش فى غزة، حاليا، 1.5 مليون نسمة. وسيصل تعدادهم فى 2020 إلى 205 مليون نسمة.

ولاشك أن سكان غزة بمساحتها الأصلية لن يتمكنوا من العيش فى سعادة ورفاه على قطعة أرض محدودة لا تسمح بالتطوير والتنمية. ويستحيل بناء ميناء بحرى بحجم معقول، سواء بسبب محدودية المساحة، أو لأن قرب هذا الميناء من إسرائيل سيتسبب فى أضرار بالغة لشواطئها".

"وكل من يحاول المقارنة بين غزة وسنغافورة يخطئ التقدير. فاقتصاد سنغافورة يقوم على التجارة الدولية، والتعاملات المصرفية المتقدمة، وصناعات التقنية العالية، أما اقتصاد غزة فيقوم على الزراعة والتكنولوجيا البسيطة. وصحيح أن مساحة دولة سنغافورة لا تؤثر سلبا على نموها الاقتصادى، لكن توسيع مساحة غزة شرط أساسى لضخ الحياة فى أوصالها".

وتضيف الدراسة أن الواقع هو أن توسيع غزة وفقا للمشروع الإسرائيلى، المقترح يمنحها 74 كلم إضافية من السواحل المطلة على المتوسط، بكل ما يترتب على ذلك من مزايا مثل التمتع بمياه إقليمية تصل إلى 9 أميال بحرية، وخلق فرص وفيرة للعثور على حقول غاز طبيعى فى هذه المياه.

كما أن إضافة 720 كم مربع لغزة تمكن الفلسطينيين من إنشاء ميناء دولى كبير فى القطاع الغربى من غزة الكبرى، ومطار دولى على بعد 25 كلم من الحدود مع إسرائيل. والأهم، بناء مدينة جديدة تستوعب مليون شخص على الأقل، وتشكل منطقة تطور ونمو طبيعى لسكان غزة والضفة، بل ويمكنها استيعاب أعداد من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فى دول أخرى.

ويضيف التقرير أن الفوائد الاقتصادية من هذا التوسع عظيمة الأثر، كما سيتبين لاحقا، فغزة الجديدة ستتحول إلى منطقة جذب تفيض بفرص النمو الاقتصادي، وتصير، بين عشية وضحاها، مركزاً تجاريا دوليا، لكن على الفلسطينيين، فى المقابل، أن يتنازلوا عن جزء من الضفة الغربية يشغله المستوطنون الإسرائيليون، وقواعد الجيش الإسرائيلى منذ عشرات السنين. وربما يكون هذا التنازل مؤلما، لكن لا يمكن مقارنته بحجم الفوائد والمكاسب التى ستحققها غزة فى المستقبل.