جوزف حرب.. كتاب ضخم من الشعر الفكري

بيروت
في المحبرة او دم القلم يختلط المجازي بالواقعي

في الكلام المجازي يصح القول ان الشعر الفكري خاصة ذلك الذي يحافظ على قدر من البرودة الفكرية فيه ولا يذيبها .. هو شأن ذو ثقل يصعب انكاره.
وعند الانتقال الى ديوان "المحبرة" للشاعر اللبناني جوزف حرب قد يجد القارئ نفسه يواجه اختلاطا للمجازي بالواقعي.. اي ثقل الموضوع الفكري بثقل اخر حسي هو كتاب ضخم ثقيل الحمل يتالف من 1723 صفحة تكاد تربو على القطع المتوسط. وزيادة في الشرح يزيد وزن الكتاب على ثلاثة كيلوجرامات بحوالي ربع كيلوجرام.
صدر الكتاب عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" برسم غلاف وتصميم فني لحسن ادلبي. اما الاهداء الذي استهل به هذا الكتاب الفكري السمات فكان "الى الموت". موضوعاته جدية بل موغلة في الجدية فلا ابتسامة فيها ولا حتى سخر يلتمع فيه شبه تبسم.
توزعت صفحات الكتاب على عناوين ناطقة في غالبيتها هي التالية "الرائعة. رؤيا المحبرة. رباعية الخلق. المشابهات. راما. بوذا. الجنتى. زارا. لي بو. ارجونا. السيدة الشجرة. السيد الفأس. الجحيم. المقدس. الينابيع. الحرب. المرارات. السيرة المسائية لابن الصباح. الاجنحة. الناقد. صباحات".
اما عنوان الكتاب اي "المحبرة" ففكري بامتياز. المحبرة كانت قديما مصدر "دم" القلم. والقلم رمز للكلمة المكتوبة والكلمة والعقل صنوان او توأمان منذ الفكر اليوناني القديم ثم في الديانات التوحيدية الكبرى ففي المسيحية في البدء "كان" او كانت الكلمة مع الله.. واسلاميا الله خلق القلم وعلّم الانسان ما لم يعلم.
صدرت للشاعر -وهو الرئيس السابق لاتحاد الكتاب اللبنانيين- سبع مجموعات شعرية بين عام 1986 وعام 2004 بينها مجموعتان باللغة المحكية اللبنانية. شعر حرب هنا يحفل بالرموز الفكرية والصوفية وينتقل من الواقع فيتجاوزه الى ما هو ابعد.
في قصيدة كبيرة من وسط الكتاب عنوانها "الدائرة" يقول جوزف حرب هنا "كأنني في دائرة/ مغلقة تظل في آفاقها روحي/ حيرى طائرة/ سئمت يا/ روحي من تكار هذي/ الحرب هذا/ السلم هذا/ العرش هذا/ السجن ذاك/ الجوع تلك/ المائدة.../ سئمت ايماني/ وكفري/ الفلسفات الفن/ كشف العلم/ اني لترابي عائد/ انك للمابعد روح/ عائده."
ويتساءل قائلا "ليس من شيء/ سوى هذا../ مجيء وغياب/ خالق/ لا خالق/ جسم/ وروح/ هذه الدنيا/ وتلك الآخرة."
ويختم القصيدة بالقول "لما ازل/ كانني الان خلقت/ او كان قد بدأ البدء انا/ بعد انا/ وما تغيرت سوى/ اقنعتي/ لا شيء عندي غير ضدين انا/ بينهما عصفورة عمياء/ في اجنحة مهاجرة."
ننتقل الى القسم الثاني من القصيدة وقد اعطاه الرقم 2 فنقرأ ما جاء بفكرية باردة مكررة وان حملت احيانا بعض التغير في نبض موسيقى الشعر. يقول "بي قرف/ من جسدي/ من كفي ووجهي من هذي/ الشهوة من عمري من اني اغفو او اتنفس او/ اشرب/ من ان لدي اصابع/ اسنانا/ قلبا/ يخفق/ اجفانا/ تمضي سنوات وهي ترفّ/ ولا تتعب..."
و يمضي في سلسلة الاسئلة الفكرية والوجودية القديمة فيقول بهدوء شبه تقريري لا "تشوبه" حرارة عاطفية "ما هذي الدائرة المرسومة لي/ اولد.. احيا/ وأموت/ وأولد..احيا/ وأموت/ وأولد احيا/ وأموت وما معنى اني/ اولد ما معنى اني/ احيا والى اين اخيرا/ اذهب."
ويختم القصيدة قائلا "بي قرف من معرفتي اني/ آت كي أتعذب/ وبضعفي اولع/ او أغلب/ يا جسدي نادانا الموت/ افتح شمسيتك/ السوداء مخافة ان تبتل من مطر الايام/ افتحها الان/ اجعلها اوسع اقوى/ اقرب/ ولنذهب".
نعود لنبدأ من البداية فيظهر لنا ان شعر جوزف حرب اسئلة متلاحمة او سؤال واحد لا بداية فيه ولا نهاية.
يقول اذن في البداية اي القصيدة الاولى "يدي ريح/ وطاولتي سواد الليل. والاوراق غيم/ عن يميني قربها اقلام صندلة ومحبرة تقطر/ حبرها الكحلي من ماء البنفسج/ عن يساري/ شمعة من فضة يدعونها قمرا/ ولي كرسي ايلول حفيف الحور/ اجلس فيه/ مستندا الى/ قزحي سحابة/ وظهر عريشة/ عند الكتابة".
في القسم الثاني منها يقول "تقدم مرة مني السنونو/ خادمي/ قال الملاك/ فقلت/ فليدخل".
في النهاية نقرأ ما قبل القصيدة الاخيرة وتحت عنوان "ابعاد" ما يبدو كلاما على اعادة الخلق عبر الكلمة المكتوبة. يقول "لا شيء الا وهو/ اجمل حين/ تغدو ريشة بين المغامض/ مبحرة/ في محبرة".
في القصيدة الختامية "سفر المحبرة" المقسمة الى عدة اقسام يبدأ بالقول "قبو تعذيب هو الافق امامي/ الشمس في احدى الزوايا طبق للجمر/ والريح كرابيج/ خفيات لجلادين من غيم وما/ البحر سوى بركة زفت/ ازرق تعرف من موج له ابيض عال/ انه يغلي."
القسم الاخير هو ختام "مصفّى" اذا صح التعبير. يقول "لو تمحّي الآلام لو في الارض/ لا زلزال لا اعصار لاجوع ولا قتلى جفاف لا جراح وانما/ دوران راقصة برفق خصرها ناي/ وابريق عتيق الخمر/ وغناء موّال/ بصوت البحر".
اما الحل عند الشاعر فهو "حلولية ووحدة وجود" حديثين.. اعادة خلق العالم بالحبر. مساواة وطمأنينة في عالم طوباوي.. اي ان "تبقى اناشيد السلام/ حتى يصير الكل انت وانت/ هذا الكل/ في كون بلا موت به/.../ وتكون هذي الارض لا قاض/ ولا ملك/ ولا خوذ ولا دول ولكن كلها/ وطن مساحته الشعوب بها طيور الصيف/ وهي الفجر./ يا مبدع النص/ العجيب الحبر/ نصّ بهيّ/ صالح للنشر".