جورج قُرم: الشرخ بين الشرق والغرب أسطوري

دمشق ـ من حسن سلمان
مفهوم الدين مختلف عن مفهوم الثقافة

يبدو المفكر السياسي والخبير الاقتصادي اللبناني جورج قُرم كما لو أنه يغرد خارج السرب عندما ينطلق في مقاربته للظواهر السياسية والثقافية والتاريخية في العالم العربي من مقولة أن انشغال الفكر الغربي بما يسمى "عودة الدين أو المقدّس" لا تعكس إلا أهدافا ومآرب سياسية يسعى الغرب من خلالها لتكريس أسطورة عقلانية الغرب في مقابل لا عقلانية مجتمعات الشرق، مؤكدا - بخلاف عدد كبير من المفكرين - أن الشرخ القائم بين الشرق والغرب هو أسطوري الطابع يُغذّيه السادة السياسيون ومثقفو السلطة لأغراض دنيوية محضة. حول المسألة الدينية

تؤكد في كتابك الأخير "المسألة الدينية في القرن الحادي والعشرين" أنَّ انهيار الإيديولوجيات العلمانية المكرّس باختفاء الماركسية فتح الباب أمام عودة المفهوم الديني، هل نستطيع القول ـ في هذا الإطار ـ إن ظهور نظريات وضعها مفكرون أمثال "فوريه"، و"فوكوياما"، و"هنتنغتون"، اعتمدت النظرة الدينية للعالم وأفرزت مقولات كثيرة كان أبرزها "نهاية التاريخ"، و"صراع الحضارات"، تؤكد عودة الدين ومن ثم توظيفه في مقولات إيديولوجية لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية واستراتيجية؟ نعم. لا شك عندي أنَّ مقولة عودة الدين لا تعكس إلا أهدافا ومآرب سياسية، لأنَّها في الأصل هي سخيفة، كون الدين لم يختفِ من حياة الإنسان منذ بداية الإنسانية، ولن يختفي مستقبلاً، لأنَّ حاجة الإنسان إلى تصوُّر ما يحصل بعد الموت يطوِّر العقائد الروحية الدينية المختلفة. فإذاً لا معنى لطرح عودة الدين إذْ لم يختفِ من حياة البشرية ولن يختفيَ مستقبلاً. وهذه المقولة تعتمد على انخفاض مستوى التديُّن أو ممارسة الشعائر الدينية في أوروبا، وهي أصغر قارة في العالم ولا تأخذ في الحسبان استمرار حيوية الممارسة الدينية في كل المناطق الأخرى من العالم، من أميركا الشمالية والجنوبية إلى شرق آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا.
أما ما هو متغيِّر فهو حياة الأديان نفسها والعقائد الدينية حسب التطور الذي يحصل في المجتمعات المختلفة التي تؤمن بعقيدة دينية ما. فبالرغم من كل الجهود، هناك باستمرار طرق مختلفة ومتغيِّرة في الإيمان والممارسة الشعائرية ضمن الديانة الواحدة.
والديانات، عندما تتأسس في المجتمعات، تمر بمراحل مختلفة وتنشطر إلى مذاهب مختلفة وأحياناً متناقضة أو تتفاعل مع عقائد أخرى. وإذا أخذنا الديانات التوحيدية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وهي ديانات ليس لديها المرونة الكبيرة كما البوذية والهندوسية أو الكنفوشية، لأنَّ التوحيد له نظرة رسولية ومخلِّصية عبر الإيمان بالإله الواحد، فإنَّها تغيَّرت عبر التاريخ وعرفت الإنشقاقات، بلْ والحروب والفتن بين أهلها وتغيَّر وجهها كثيراً في الخمسين سنة الماضية تحت تأثير عوامل سياسية عديدة أعادت وجهاً أصولياً متشدداً إليها بدلاً من الوجه المتسامح الأكثر تقليدياً.
ومن الأسباب التي يمكن أن نذكرها بشكل سريع هنا، وهي التي تقف وراء ظاهرة عودة الدين:
- مكافحة الشيوعية ونفوذ الإتحاد السوفيتي، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وانتشار الشيوعية في العالم الثالث كإيديولوجيا علمانية الطابع. مع ذكر كل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة مع كنيسة روما وبعض الدول الإسلامية لتمويل تنامي الجماعات المتشدِّدة دينياً في كلٍّ من الإسلام والمسيحية.
- بروز الحركة الصهيونية وتوظيفها في الهيمنة الإستعمارية البريطانية على المنطقة العربية وكسبها هي هيمنة على اليهودية بعد حصول المحرقة في أوروبا على أيدي النظام النازي، وإقامة دولة إسرائيل كدولة تدّعي تمثيل كل اليهود في العالم والتأثير على مواقفهم السياسية.
- انكسار حركة القومية العربية أمام القوة العسكرية الإسرائيلية واتجاهها نحو نوع من الراديكالية الماركسية الهوى، عبر بروز التنظيمات الفلسطينية المسلَّحة ومن ثم صعود الصحوة الإسلامية برافديْها: العربي ـ الخليجي والفارسي الذي تجسَّد بالثورة الإيرانية وإقامة نظام جديد سُمِّي بولاية الفقيه.
أما المصدر العربي ـ الخليجي، فقد أخذ طابعاً اتنشارياً كبيراً بفضل الأموال النفطية وتراجع الحركة الناصرية وحركة القومية العربية، وعمل هذا الإتجاه أيضاً على مكافحة الشيوعية والعلمانية التي أصبحت تعني، ولو بشكلٍ مخالف لطبيعتها، الإلحاد. وقد تم في هذا الإطار تجنيد آلاف من الشبان العرب للقتال في أفغانستان ضد الاحتلال الروسي.
وتم أيضاً في نفس الفترة التاريخية إنشاء مؤتمر الدول الإسلامية لتحقيق التضامن الإسلامي في النظام الدولي كبديل للقومية العربية الراديكالية الطابع. وهذا التطور عكس أيضاً تراجعاً كبيراً في نفوذ الجمهوريات العربية وعلى رأسها مصر وصعود نفوذ الملكيات وبشكل خاص المملكة العربية السعودية بإمكانياتها المادية الكبيرة الناتجة عن تصديرها للنفط وزيادة أسعار الطاقة.
هذه لمحة سريعة جداً عن العوامل السياسية الموضوعية والتاريخية التي لا علاقة مباشرة لها بالدين، إنَّما تم توظيف الدين لمآرب سياسية وجيوبوليتيكية.
بما أنك ترفض مصطلح "صراع الحضارات أو الأديان" الذي طرحه هنتنغتون على اعتبار أنّ الصراع هو أساس العلاقة بين الغرب والإسلام، ما سمات "الأصولية المسيحية" التي تعتقد بأنها صاغت هذا المصطلح مبشِّرة بحروب دينية جديدة؟ وهل أنت مع مصطلح "حوار الحضارات" الذي طرحه عدد من المفكّرين كرد على هنتنغتون؟
لقد قلْتُ مراراً وتكراراً وكتبْتُ أنَّ المسألة ليست مسألة حوار حضارات لمنع صدام الحضارات لسببيْن أساسييْن:
أولاً: الحضارات ليست كيانات سياسية وإرادة موحَّدة عبر دولة و جيش، وذلك على خلاف الدول التي لها لغات وثقافات وأهواء مختلفة، وليس هناك من دولة إسلامية واحدة ولا دولة مسيحية واحدة ولا دولة بوذية واحدة، وإنْ كان يميل الغرب في اتجاه مثل هذا التوحيد عبر الإتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي العسكرية الطابع وخطابه السياسي السخيف الذي أصبح يضع عبارة "قيم يهودية مسيحية" لكيْ يضفي شرعية على سياسة الولايات المتحدة الهجومية تجاه العالم وحبها للسيطرة الإمبريالية الطابع، مما يساعد على إقناع العالم بأنَّ هناك حضارة مسيحية غربية تقوم حصراً على قيم "يهودية مسيحية".
وهذا أيضاً سخيف للغاية حتى من المنظور الديني إذْ أنَّ المسيحية برزت وانتشرت وولَّدت المؤسسات الدينية الطابع متخطية اليهودية، بلْ مضطهدةً لخصائص هذه الديانة التي زَمَّت بشكل كبير. ولسوء الحظ أنّ بعض الحكومات العربية والمثقفين تحمَّسوا لفكرة مماثلة للفكرة الغربية حول الحضارات، وكأنَّ الحضارة تُختصَر فقط بالديانة، فأصبحوا ينشرون أدبيات حول القيم العربية الإسلامية كنقيض أو كمنظومة مختلفة تماماً عن المنظومة الأخرى.
ثانياً: إذا قبلنا بمبدأ حوار بين الحضارات لمنع الحرب فهذا يعني أنَّنا نقبل بأنَّ الدين أو الثقافة بمكوِّنها الديني والدنيوي هي سبب الحروب والعنف، وهذا أيضاً سخافة نادرة لأنَّ ما يولِّد العنف هو الوجه الشرير للطبيعة الإنسانية الذي يحب التوسع في الهيمنة على أراضي وخيرات ومصير الشعوب، بلْ الديانات في معظم تعاليمها تدعو إلى الإنضباط والأخلاق والتسامح وليس الدين بذاته هو مصدر العنف بل توظيف أهل السلطة للعقيدة الدينية وتحريفها في كثير من الأحيان لإثارة الفتن والحروب.
وفي نظري أن الوقوع في فخ حوار الحضارات يحول دون النظر إلى القضايا الموضوعية والدنيوية التي تسبِّب حالة العداء الحالية بين العرب والمحور الأميركي الإسرائيلي الأوروبي، أيْ احتلال الأرض كما في فلسطين والعراق وأفغانستان (وهي دول مسلمة) وقمع الشعوب المحتلَّة والسيطرة على حياتهم اليومية ووصف أعمال المقاومة الشرعية بأنَّها إرهاب.
هذا بالإضافة إلى تطبيق القانون الدولي بمعايير مزدوجة، تماماً عندما يتعلّقَ الأمر بإسرائيل فهي تصبح فوق القانون وعندما يتعلَّق بدول عربية أو دول إسلامية أخرى فهي تطبَّق بانحراف خطير في تفسيرها وباستعمال أبشع الوسائل العسكرية والاقتصادية مثل الحظر الاقتصادي المجرم الذي طُبِّق على الشعب العراقي على مدى 13 سنة وأفقره وجعله في حالة بائسة التي هو فيها تحت الاحتلال الأميركي.
هذه هي القضايا الجوهرية والأساسية التي يجب مناقشتها وليست قضايا تتعلق بالقرآن أو بالإنجيل أو بالتوراة أو بثقافة الحياة وثقافة الموت كما درجت العادة مؤخراً. يرى البعض في دعوتك إلى استعادة روح الحضارة العربية الإسلامية التي مارست التعددية الدينية والإثنية، ونبذ الصورة التي تقدِّمها الحركات الأصولية عن الإسلام كدين مغلق وغير متسامح، وإنهاء المؤسسات القائمة على توجهات إقليمية أو دينية، وصوغ "إنسانوية" علمانية بديلة لحرب الحضارات، نوعاً من التصور الطوباوي للحل، في حين يرى الآخرون بأنَّك تقدِّم حلاً ناجحاً للمسألة الدينية وإشكالياتها المعاصرة في القرن الحادي والعشرين، ما ردك على ذلك؟ نعم. إنَّ التوجُّه طوبائي الطابع في الظرف الراهن لكن لا بدَّ للإنسان الذي يعي استغلال الدول الغربية للإيديولوجيات الشمولية والأصولية التي تأخذ الطابع الإسلامي أنْ يأخذ الموقف المناسب حمايةً للدين نفسه وحمايةً للمجتمعات العربية. ذلك أنَّ ما سُمِّي بالصحوة الإسلامية لم يملأ بتاتاً الفراغ الذي تركه تراجع الشعور القومي العربي ولم يؤدِّ إلى أي نوع أفضل من الدفاع عن الأمة والتضامن بين الأقطار العربية المختلفة ولا لمزيد من اللحمة داخل المجتمعات القطرية.
بلْ إنَّ مشهد الساحة العربية والتمزق والتوترات وأعمال العنف التي تصيب أقطار عربية مختلفة باسم الدين: كل ذلك مؤشِّر واضح وموضوعي على أننا سائرون على الطريق الخطأ، خاصة وأنَّ الاعتقاد بأنَّ هناك تضامناً إسلامياً عبر القوميات المختلفة (عربية، إيرانية، تركية، باكستانية، إندونيسية...) لهو ضرب من الخيال التام؛ فلو تعاطف المسلمون في العالم مع قضية الشعب الفلسطيني وتحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي، فهذا لم يؤدِّ بحكومات الدول الموصوفة كإسلامية إلى أي نوع من الوقفة الفعالة ضد الاستعمار والصهيونية.
بلْ نرى في معظم الأحيان أنَّ الحكومات التي تظهر أكبر السهر على الشخصية الإسلامية والقضايا الإسلامية بالكلام هي المتحالفة أساساً مع الولايات المتحدة في السياسة الدولية. وأنا أعتقد أنَّ السكوت على مثل هذا الوضع والرضوخ الفكري لهذا التناقض الصارخ هو موقف مدمِّر في صراعنا كعرب مع المحور الأميركي ـ الإسرائيلي.
أضف إلى ذلك أنَّ وجود مذاهب إسلامية مختلفة وفي حالة تصادم سياسي كما تشهده الساحة العراقية بشكل دموي أو الساحة اللبنانية من حيث التوتر السياسي الكبير والأزمة الدستورية الخانقة التي يتخبط فيها هذا البلد، يفرض علينا تحييد الدين من الصراعات على السلطة، وإقامة أنظمة لا تسمح بزج الدين في الحياة السياسية الداخلية أو مذهب من مذاهب الديانة الإسلامية في الحياة السياسية الداخلية، خاصة لدى الأقطار العربية التي تتعايش فيها مذاهب إسلامية مختلفة.
ويجب أن نصل في العالم العربي إلى حالة من الرقي السياسي بحيث لا يُعْطى أي أهمية إلى الهوية المذهبية للأشخاص الذين يتولون الحكم (فإنَّ الهوية المذهبية أو الدينية في حال وجود طوائف غير إسلامية ليست هي المهمة، بل المهم هو عدالة وصوابية السياسة التي تمشي عليها النخبة الحاكمة أكان في السياسة الخارجية أو في السياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية في كل قطر عربي). حول تاريخ المشرق العربي تؤكد في كتابك "انفجار المشرق العربي"استحالة كتابة التاريخ العربي من منظور الدولة القُطرية، وافتقار المنطقة العربية لتقاليد الكتابة التاريخية من منظور الدولة القومية، والسؤال: إذا استثنيْنا مقدمة ابن خلدون، هل ثمة محاولات عربية أخرى لكتابة التاريخ العربي الكُلّي اتسمت بالموضوعية؟ أنا أعتقد أنَّ هناك العديد من المؤلَّفات العربية القيِمة جداً التي حلَّلت الأوضاع العربية، وذلك منذ بروز النهضة العربية في القرن التاسع عشر، وقد ذكرْتُ العديد منها في كتابي حول "انفجار المشرق العربي". وإنني شخصياً قد تكوَّنتْ رؤيتي التاريخية ليس فقط على قراءات غربية المصدر، إنَّما أيضاً على العديد من القراءات العربية المصدر التي حلَّلتْ التحديات التي نواجهها كعرب منذ انهيار السلطنة العثمانية.
لكن ما تفتقد إليه المنطقة العربية هو التطورات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في آنٍ معاً لتعميق فهم التطورات والأحداث الجمَّة التي حصلت في منطقتنا، دون أن نحصِّن أوضاعنا الداخلية وتضامننا لكيْ نصد الهجمات العسكرية الخارجية أو الهيمنة السياسية الآتية من الغرب.
ففي نهاية التحليل، أنا أعتقد أنَّ معيار النجاح التاريخي هو في ردع أي قوة خارجية بمجملها. فالشعب الذي لا يتمكَّن من الدفاع عن نفسه وعن أراضيه وخيراته يصبح شعباً متخلِّفاً بكل معنى الكلمة ومقموعاً وضائعاً في هويته. وهذه هي الحلقة المفرغة التي نتخبَّط فيها كعرب، فلا وجود لنا فِعلِيّ خارج قطاع النفط في الإنتاج العالمي والتطور الهائل والمتسارع في تقنيات الإنتاج والتكنولوجيا والعلم، ولا وجود فعلي لنا في النظام الدولي يفرض احترام الغير لمنطقتنا العربية وهويتنا التي أصبحت ممزَّقة. حول العلاقة بين الشرق والغرب تميل في كتابك السابق "شرق وغرب .. الشرخ الأسطوري" إلى نسف بعض المقولات السائدة حول العلاقة بين الشرق والغرب، حيث تشكك في مسألة علمانية الغرب وعقلانيته، كما تشكك في المقابل بروحانية الشرق وتديُّنه، لتنتهي بنتيجة يراها البعض غير موضوعية، وهي أنَّ ثمة شرخ "أسطوري" صناعي وغير واقعي نشأ بينهما، والسؤال: ما هي طبيعة العلاقة التي تربط بين الشرق والغرب في ضوء تصورك الجديد الذي تطرحه في كتابك؟ ومتى نشأ الشرخ الصُنعي بينهما؟ وما سبب نشوئه؟ إنَّني أعمل حالياً على وضع مؤلَّف خاص أحلِّل فيه وأفكِّك اللغتيْن الخشبيَّتيْن اللتيْن تتحدثان عن "عالم غربي" مبني على قيم يهودية مسيحية، و"عالم شرقي" مبني على قيم عربية إسلامية، وأستكمل ما كنْتُ قد كتبْتُه في كتابي السابق حول هذا الموضوع.
وأغوص فيه بشكل أساسي في مقوِّمات أسطورة وجود كيانٍ ذي طابع خرافي اسمه "الغرب" قد نشأ، إمَّا انطلاقاً من الرواية التوراتية ونشوء التوحيد لدى قبائل بني إسرائيل، أو عند ازدهار الثقافة اليونانية ـ الرومانية، لأنني أعتقد بأنَّ عنف هذا الخطاب الذي ترافق مع توسُّع قدرات بعض الشعوب الأوروبية (وليس كلّها) في الهيمنة على العالم منذ فتح القارة الأميركية ووصول البرتغاليين إلى شرق آسيا عبر مضيق رأس الرجاء الصالح، هو الذي يولِّد ويعظِّم من الخطاب المعاكس حول القيم العربية ـ الإسلامية، أو عندما يتعلَّق الأمر بشرق آسيا التحدّث عن خصوصية القيم الآسيوية المبنية على البوذية أو الهندوسية أو الكنفوشية.
وأسعى في هذا المؤلَّف إلى التذكير بمدى تفاعل الثقافات والأديان فيما بينها، خاصةً بين الثقافة العربية والإيرانية والتركية والثقافات الأوروبية، مما يدحض النظرة الثنائية للعالم بين شرق وغرب.
كما لا بدَّ من التذكير بأنَّ هذه الثنائية نشأت تاريخياً في المخيِّلة وفي الواقع السياسي عندما انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى كيانيْن: الإمبراطورية الشرقية التي اعتمدت القسطنطينية عاصمة لها، والإمبراطورية الغربية التي بقيت فيها السلطة متمركزة في روما. وقد انهار الجزء الغربي من الإمبراطورية بالتدريج تحت أثر فتوحات القبائل المختلفة الآتية من أقصى الحدود الشمالية والشرقية لأوروبا.
وقد ترسَّخ هذا الانقسام وأخذ طابعاً حاداً عندما تأجَّجت الخلافات العقائدية والتنظيمية بين كنيسة القسطنطينية وكنيسة روما، حيث رفض بطريرك القسطنطينية الخضوع لهيمنة بابا روما، معتبراً أنَّ مراكز السلطة الكنسية يجب أن تبقى على قدم المساواة.
ويظهر جلياً من هذا السرد المختصر بأنَّ المنبع الأساسي للثنائية قد انفجر في قلب الديانة الواحدة المسيحية. وأي كلام عن أنَّ أصل الشرخ هو الثنائية المتناقضة بين المسيحية والإسلام هو هراء وكلام خرافي أسطوري يوظَّف في معارك الهيمنة السياسية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدوائر السياسية وبعض المثقفين الأوروبيين. ويجب ألاّ نقع نحن كعرب في مثل هذا الفخ.
المشكلة الأساسية هي في أنَّ الخيال البشري والأسطوري المتفرِّع عنه يمكن أن يصنع حدوداً أكثر خطورةً وتحجُّراً من الحدود الجغرافية، وهذا هو الموضوع لأنَّ على جغرافية الأرض فإنَّ الشعوب تتمازج وتختلط وتحب مثل هذا الإختلاط، والثقافات تتفاعل فيما بينها وكل واحدة تأخذ من الأخرى ما يناسبها في عملية تطوير حضارة ما.
ونحن نصطدم بمشكلة أخرى في الدول العربية والإسلامية هي استعمال كلمات ومقولات مختلفة دون الدقة المطلوبة وبشكل مترادف فنخلط بين الدين وبين الثقافة وبين الحضارة وبين القومية، ولا نفرِّق بينها بلْ نستعملها كمرادفات.
والحقيقة أنَّ مفهوم الدين مختلف عن مفهوم الثقافة ولو يؤثِّر الدين على تطوير الثقافة، إنَّما الثقافة تجمع عناصر مختلفة دينية وعقيدية وأخرى دنيوية مثل الشعر والأدب والرواية والرسم والموسيقى الخ... أما الحضارة فهي أيضاً مفهوم مختلف عن مفهوم الديانة والثقافة فهو يشتمل على البعد المؤسسي في حياة الشعوب، والحضارة كما الثقافة تحتاج إلى لغة للتعبير عن نفسها وداخل ما يُسمَّى بالغرب نجد حضارات مختلفة. فالثقافة الفرنسية والمؤسسات الاجتماعية والسياسية الفرنسية اختلفت عن تلك العائدة للكيانات الأوروبية الأخرى على سبيل المثال، وإنْ نرى اليوم تطوراً نحو جعل الجانب المؤسساتي في الحضارات الأوروبية المختلفة متشابكة ومتناسقة عبر إقامة السوق الأوروبية المشتركة الذي أصبح اتحاداً اقتصادياً اليوم.
ويمكن أن ننظر نفس النظرة عندما نتحدَّث عن الشرق المتخيَّل، فالثقافة العربية هي غير الثقافة التركية وغير الثقافة الفارسية، كما لا علاقة لها بثقافة إندونيسيا وباكستان، بلْ هناك عداوات موروثة من تاريخ الكيانات السياسية المختلفة التي كانت تدين كلها بالديانة الإسلامية، ولكنها كانت في كثير من الأحيان في حالة حروب فيما بينها، ولنتذكر مؤخرا هذه الحرب الشعواء بين العراق وإيران.
ولم تتمكن منظمة مؤتمر الدول الإسلامية من تأسيس الحد الأدنى من الوئام والوفاق والتضامن أمام الهجمات الغربية الأميركية - الإسرائيلية للهيمنة على ديار المسلمين بالرغم من الكلام عن وحدة القيم الإسلامية ووحدة الثقافة الإسلامية.
لذلك أتمسك برأي القائل إنَّ الشرخ هو أسطوري الطابع يغذّيه السادة السياسيون ومثقفو السلطة لأغراض محض دنيوية، سواء تعلَّق الأمر بمزيد من الهيمنة من قبل قوى غربية أو الدفاع عن النفس في بعض الحالات الشرقية، إنَّما يأتي هذا الدفاع في معظم الأحيان في صراع نفوذ رهيب بين الدول الإسلامية نفسها للهيمنة وتوسُّع النفوذ السياسي داخل مجموعة ما يسمّى بالدول الإسلامية وكذلك في الجامعة العربية. لكن كيف تفسِّر حالة العداء المنتشرة بين الشرق والغرب؟ هل تنطوي على عدم فهم الآخر، رغم مسألة الوحدة التي سلَّمنا بها سابقاً؟ أم أنَّها تندرج في إطار نظرية "المؤامرة" التي تذكرها في بعض كتاباتك؟ طبعاً، إنَّ الشرخ اليوم له ما يبرِّره لسوء الحظ في الواقع، ذلك أنَّ الولايات المتحدة خلفت كلا من فرنسا وإنكلترا في النزعة الاستعمارية، ورغبة السيطرة على الشعوب العربية وعلى إيران وأية قوى سياسية تقف في معسكر الممانعة لهذه السيطرة؛ بالإضافة إلى استعمال القيادات الغربية، وبشكل خاص الأميركية، عبارات تثير عداء المسلمين مثل الفاشستسية الإسلامية أو الإرهاب الإسلامي. هذا بالإضافة إلى الإستعمال المكثَّف لعبارة "الحضارة الغربية المسيحية ـ اليهودية".
أمّا من جانبنا نحن العرب أو المسلمين، فأصبحت تستهوينا أيضاً عبارات مضادة لها طابع ديني، خاصةً في خطابات الحركات التكفيرية الإسلامية المستوحاة من كلام أسامة بن لادن أو من أعمال ومؤلَّفات سيِّد قطب. بالإضافة إلى النفور من كل شيء غربي وإلى تحويل كلمة علمانية إلى شتيمة وإلى عبارة معادِلة للكفر.
في القرن التاسع عشر بدأ الشعور الحديث في الشرخ عند تقسيم العالم لدى الاختصاصيين بعلم الألسنية في ألمانيا بين مناطق "آرية الطابع" يتكلَّم فيها الناس لغات مشتقة من أصل هندي وتشتمل هذه المناطق على أوروبا من جهة، ومناطق "سامية الطابع" تتكلَّم لغات سامية ومركزها الأساسي الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهريْن من جهة أخرى.
وقد تطوَّرت هذه النظرية طوال القرن التاسع عشر لتضفي طابع التخلُّف على المجموعات السامية لأسباب تكوينية غير قابلة للتغيير، وطابع التقدُّم المتواصل للشعوب الآرية الأصل.
وأعطى عالِم الفينيقيات الفرنسي Ernest Renan الذي كان معجباً بالثقافة الألمانية إلى أبعد الحدود طابعاً حاداً عندما حمَّل الدين الإسلامي مسؤولية تخلُّف الشعوب السامية مستثنياً اليهودية من التحليل ومدَّعياً أنَّ المسيحية رغم كونها انطلقت من الشرق السامي، غير أنَّها لم تتطور وتُؤسس لحضارة أوروبا الراقية إلا بفضل العبقرية الآرية في مقابل البلادة السامية. هذا الكلام العنيف لـ Renan الذي أتى في محاضرة شهيرة في أرقى منبر في فرنسا في القرن التاسع عشر أسَّس فعلياً لنمط عدائي بين الشرق المسلم والغرب المسيحي. وقد أثار في حينه غضب جمال الدين الأفغاني الذي راسله في الموضوع.
أنا أعتقد أنَّ كل هذا مرتبط بصعود النزعة الاستعمارية في أوروبا وتبرير هيمنتها على العالم كما حصل فعلياً في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد تراجعت هذه النزعة وتزايدت القوى المعادية للاستعمار في قلب أوروبا في القرن العشرين.
لكن بعد إزالة الاستعمار وتقلُّص القدرات العسكرية الأوروبية وتعاظم الرأي الإنساني الأوروبي المعادي للاستعمار، حلَّت الولايات المتحدة محل أوروبا في النزعة الاستعمارية، وظهرت بشكل ساطع عند انهيار الإتحاد السوفيتي وصعود إيديولوجية المحافظين الجدد التي أعادت صياغة كل الأفكار الرجعية والعنصرية الأوروبية القديمة التي كانت برَّرت سياسات القوة والهيمنة في الماضي.
لذلك لا أعتقد أنَّ هناك مؤامرة، إنَّما هي تطورات تاريخية في موازين القوى العالمية وتُستعمَل الإيديولوجية الرجعية مجدداً كغطاء لنزعة الهيمنة والسيطرة. برأيك، كيف نستطيع، كعرب، إلغاء هذا "الشرخ"، أو ترميمه على الأقل، في وقت يبدو فيه وكأنَّه يزداد توسعاً؟ إنني أرى أنَّ العمل الثقافي الموضوعي والهادئ وصبغ غور وتحليل منابع الاتجاهات الفكرية المختلفة والمتناقضة، وعلاقتها فيما بينها وتفاعلاتها الإيجابية والسلبية بين الشرق والغرب، هو واجب على كل مفكِّر مستقل لم يقبل بأن تندرج أعماله في إحدى التيارات الإعلامية التي تسيطر على المشهد الأكاديمي والإعلامي في الشرق كما في الغرب.
وأودُّ بهذه المناسبة أن ألفت النظر إلى الهوة الكائنة بين الأدبيات الأكاديمية والإعلامية التي تسعى إلى السيطرة على عقول الناس في الشرق كما في الغرب بأساليب ووسائل مختلفة تموِّلها القيادات السياسية، وبين شعور الناس العاديين الذين يبقى جزء كبير منهم بمنأى عن الكلام البرَّاق والكاذب والدراسات المنحازة والمنحرفة، ولو صدرت عن جامعات مرموقة.
وهو شعور منطقي وموضوعي يرى صراع القوى على حقيقته ويتمسَّك بشتى أنواع الإنسانوية أكانت مستلهَمة من القيم العلمانية الحديثة أو مستلهمة من إيمان ديني الطابع يرى أنَّ البشر على أنواعهم وأجناسهم سواسية ولا يمكن قهر أي إنسان بسبب دينه أو عرقه.
لكنَّها معركة طويلة والتاريخ يمشي ببطء، ولو تسارعت الأحداث. إنَّما لا شك عندي بما يختص بإسرائيل بأنَّ هذا الكيان زائل بفعل قوى الممانعة الكبيرة عند الشعوب العربية. وإذا فشلت في الماضي الحركات المسلَّحة الفلسطينية، فاليوم المشهد المقاوِم مختلف تماماً مع القدرة القتالية الكبيرة في التنظيميْن الرئيسييْن "حزب الله، وحماس"، وقبول الشعوب بتحمُّل أعباء المعركة على خلاف العديد من الزعامات السياسية.
وفي النهاية فإنَّ الاحترام الذي نود أن نحظى به من قبل الشعوب الأخرى وقياداتها السياسية مرتبط بإنجازاتنا، سواء في الميدان العسكري أو الميدان الاقتصادي. ويجب ألا ننسى أنَّ العرب كمجتمعات ونخبة بقوا قرونا عديدة في سبات عميق تحت حماية العنصر غير العربي (تركي أو عجمي)، وأنَّ إطلالتهم في النظام الدولي حديث للغاية ولم يتمتع العرب من جرَّاء ذلك بتراكم خبرة في إدارة شؤونهم على خلاف العنصر التركي أو الإيراني. حول مفهوم النهضة الجديدة ومسؤولية المثقف العربي تقول في أحد حواراتك "المطلوب من المثقف العربي تغيير نوعية الخطاب الحضاري والثقافي العام وبناء صرح ثقافي لعمل تراكم معرفي."، في حين يرى البعض أنَّ المثقف العربي لا حول له ولا قوة، فهو واقع بين مطرقة السلطة من جهة وسندان الأصولية من جهة أخرى، والسؤال: ما هو نوع الخطاب الذي يمكن أن يقدمه المثقف العربي في ظل فقدانه لشرط الحرية وتعرُّضه للضغط من قبل السلطات السياسية والاجتماعية والدينية أيضاً؟ وما هي سمات النهضة العربية الجديدة التي تدعو إليها، والتي من المفترض أن يقودها المثقفون العرب؟ بالنسبة لي ليست مهمة المثقف الدخول في العمل السياسي المباشر واليومي خاصة ضد أنظمة غير مستقرة البنية والتركيبة الاجتماعية، ويمكن أن تكون شرسة في حال التهجم عليها بشكل تجريحي لأصحاب السلطة. هذه هي مهمة الناشط السياسي والأحزاب.
أما مهمة المثقف فهي العمل المتواصل الشاق الدؤوب للمساهمة في التراكم المعرفي حول أوضاعنا وتاريخنا وفهم مواقع الضعف في المجتمع والنظر إلى ما حققته شعوب أخرى تعرَّضت لما تعرَّضنا له من الهيمنة الأوروبية وعجرفة الإستعمار وشراسته والأفكار المسبقة والنمطية ضد هذه الشعوب (الصين والهند واليابان...)، وهي أفكار أتت أيضاً من الثقافة الغربية، لأخذ العبر وتنوير الرأي في بلداننا. وكذلك على المثقف أن يحلِّل بدقة الاتجاهات الفكرية في العالم وعلاقتها بظواهر القوة في النظام الدولي.
لسوء الحظ أعتقد أننا في التباس تام بين المهنة الإعلامية أيْ كتابة مقالات الرأي في الصحف أو الظهور على الشاشات التلفزيونية لإبداء الرأي في الأحداث اليومية الظرفية، وبين وظيفة المثقف الذي عليه أن يبني ثقافة متينة رصينة تفرض نفسها بالتدريج على أنظمة الحكم والأجهزة الإعلامية.
يجب أيضاً أن نخرج من الإشكاليات التي نتخبَّط فيها منذ النهضة العربية الأولى مثل الإشكالية العقيمة بين الحداثة والتقليد، أو الإشكالية بين القومية والدين. وهما إشكاليتان لا تزالان تحتلاّن كل الحيز الفكري والإعلامي دون إيجاد حلٍّ لهما.
ومن المؤسف على سبيل المثال أننا لا نزال نتعامل مع قضية حرية الاجتهاد وإقامة الفصل بين شؤون الدولة التي يجب أن تبقى مدنية وشؤون الدين، وكأنَّ هاتيْن المسألتيْن من الممنوعات وتؤديان إلى الكفر وفقدان الشخصية الحضارية. وأنا في الحقيقة لا أرى كيف يمكن أن نؤسس لقومية عربية يرتاح إليها العرب من كل الأديان والمذاهب، طالما نجعل من الدين قاعدة أساسية وحصرية في كثير من الأحيان في تحديد الهوية القومية.
فأين تصبح الخصوصية العربية بالنسبة إلى الشعوب الأخرى التي تدين بالإسلام؟ وكيف ننظِّم أمور الحكم داخل الأقطار العربية إذا كان الدين هو مصدر السلطات واللحمة المجتمعية، في حين أنَّ العرب المسلمين منقسمون إلى مذاهب وطوائف كما هو الحال في معظم أقطار المشرق العربي، فنفتح المجال لتدخلات دول عربية وإسلامية أخرى في شؤوننا مما يؤجِّج صراعات مذهبية الطابع أصبحت تنهش في جسم الأمة بشكل خطير؟
وأخيراً في هذا الموضوع، لا أعتقد أنَّ أحداً ينفي الدور العظيم الذي لعبته الرسالة النبوية الشريفة كونياً ودور العرب في انتشار الديانة الجديدة، وكذلك إنجازات الحضارة الإسلامية عندما كانت في أوجها تتفاعل وتتكيَّف مع الحضارات الأخرى وتسمح بتعدد المذاهب في اجتهاد النص القرآني والسيرة النبوية، فلماذا هذا الإصرار اليوم على تأكيد الجانب الديني من الشخصية العربية، وكأنَّ هناك من يشكِّك بشكل خطير بأهمية الرسالة النبوية في حياة العرب؟
وليس كوْن بعض الدوائر الغربية، الأكاديمية والإعلامية والسياسية، تهاجمنا بصفتنا مسلمين وتهاجم الدين الإسلامي سبباً وجيهاً لكيْ نكون مستنفرين باستمرار للرد على هذه الحملات والخزعبلات التي وصفنا سابقاً منابعها الفكرية ودوافعها السياسية الواضحة.
إنَّ هذا الإستنفار يكون استنزافاً للقدرات الفكرية التي يجب أن تنصبَّ على بناء قدرات الأمة الفكرية وعلى إعادتها إلى حالة إبداع علمي وتقني واقتصادي، بدلاً من الحياة المذلة التي نحن فيها حيث نعيش على نشاطات قليلة وريْعية الطابع (نفط، بترول، بتروكماويات، فوسفات، قطن، مساعدات خارجية وتحويلات المغتربين) بدلاً من أن ندخل في عالم الإنتاج وفي واقع الحياة اليومية لملايين من المواطنين العرب الرازحين تحت أوضاع الفقر والأمية والتهميش والبطالة، إلى حد أنَّ الملايين من الشبان العرب يحلمون بالهجرة إلى ديار من يعادينا، ويعرِّضون حياتهم للموت عند عبور المتوسط بأقصى الظروف. إنَّ هذه الحالة تثير فيَّ الإشمئزاز ولا أفهم كيف أنَّ كتلة المثقفين العرب لا تحرِّك ساكناً في ذلك.
وأخيراً أنا لا أحمِّل الأنظمة العربية كل المسؤولية في أوضاعنا لأنَّها لم تهبط من السماء وخطاب الأنظمة هو مأخوذ من خطاب المثقفين العرب ومن الحالة الحضارية الثقافية العامة التي نحن فيها، والتي تدهورت تدهوراً كبيراً في العقود الأخيرة. فأين نحن فيها من الأجواء الثقافية الغنية للغاية خلال النهضة العربية الأولى (وقد اختفت آثار هذه النهضة العملاقة ثقافياً)، وكيف حصل هذا الانقطاع الخطير في المعرفة والانفتاح والتفاعل مع تطور الإنسانية؟
وأعتقد أنَّ مسؤولية المثقف العربي هي العودة إلى هذه النهضة للبناء عليها والعودة كذلك إلى أوجه عديدة من التراث العربي والإسلامي في الفلسفة وعلم التاريخ وعلم السوسيولوجيا الذي أسَّسه بعبقرية خارقة ابن خلدون.
كل ذلك أصبح مجهولاً بل مطموساً ومقبوراً لصالح ثقافات سطحية وأفكار جامدة تأسرنا في سجن فكري وثقافي وحضاري كبير يجب أن نعمل على تفكيكه. وهذه هي مسؤولية المثقف الأولى وليس العمل السياسي اليومي والكتابة السريعة الإعلامية الطابع حول أحداث ظرفية ومتلاشية ومتكرِّرة في الساحة الإعلامية الدولية والإقليمية والعربية.