جهود دولية متواترة لا توقف المحرقة في الغوطة الشرقية

ضوء أخضر روسي لمواصلة الهجوم على الغوطة الشرقية

نيويورك - أعلنت روسيا الخميس أن "لا اتفاق" في مجلس الأمن الدولي على وقف لإطلاق النار في الغوطة الشرقية يستمر ثلاثين يوما بهدف السماح بإدخال المساعدات الانسانية واجلاء الجرحى.

وندد السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا خلال جلسة للمجلس دعت إليها موسكو بـ"الخطب الكارثية" التي تذكر بما قاله أعضاء في المجلس خلال المعارك في مدينة حلب نهاية 2016 معتبرا أنها لا تنسجم مع الوضع على الأرض.

ودانت الولايات المتحدة وفرنسا وأعضاء آخرون بموقف روسيا الداعم للنظام السوري، وانتقد السفير الفرنسي فرنسوا دولاتر "الهجمات على المستشفيات والوضع الذي لا يمكن القبول به".

واعتبر الدبلوماسي الفرنسي أن "الوضع على الأرض ملح جدا ومن الضروري أن يتم سريعا تبني" مشروع القرار الذي يتفاوض في شأنه الأعضاء الـ15 في مجلس الأمن، محذرا أيضا من "الأسوأ" ما يعني "اتساع النزاع".

والمشروع الذي اقترحته الكويت والسويد ينص على وقف لإطلاق النار في سوريا يستمر شهرا للسماح خصوصا بتخفيف الحصار عن الغوطة الشرقية والقيام بعمليات اجلاء انسانية.

ولتجنب فيتو روسي خلال التصويت، وافق المفاوضون قبل أسبوع على أن تستثني هذه الهدنة تنظيمي الدولة الاسلامية والقاعدة.

والخميس، أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده مستعدة لوقف اطلاق النار شرط أن تشمل الاستثناءات أيضا "المجموعات المتعاونة" مع التنظيمات الجهادية و"التي تهاجم الأحياء السكنية" في أنحاء العاصمة السورية.

جحيم في الغوطة

وكانت نائبة المندوبة الأميركية لدي الأمم المتحدة، السفيرة كيلي كيري، قد وصفت الوضع في الغوطة الشرقية لدمشق بـ"الجحيم".

وجاءت تصريحاتها قبل انعقاد جلسة مجلس الأمن بطلب من موسكو وأكدت خلالها أن بلادها ستصوت لصالح مشروع القرار الكويتي السويدي بخصوص فرض هدنة إنسانية في الغوطة وجميع أنحاء سوريا.

وقالت كيري في افادتها "الوضع في الغوطة صار كالجحيم. واشنطن ستصوت اليوم لصالح مشروع القرار الخاص بإقامة هدنة إنسانية خاصة أن النظام السوري يشن هجوما بربريا علي المدنيين في تلك الغوطة".

وتابعت "سيواصل النظام السري قصف 400 ألف من المدنيين في الغوطة وسيعول في ذلك علي الدعم الذي تقدمه روسيا له".

وتقع الغوطة الشرقية ضمن مناطق "خفض التوتر" التي تم الاتفاق عليها في مباحثات أستانا عام 2017، بضمانة من تركيا وروسيا وإيران.

وقبل دقائق من انطلاق جلسة مجلس الأمن المذكورة، دعا مندوب السويد لدى الأمم المتحدة، السفير أولوف سكوغ، إلى ضرورة أن يعتمد المجلس مشروع القرار الذي تقدمت به بلاده مع الكويت.

أكثر من 400 قتيل في خمسة أيام

وقُتل أكثر من 400 مدني في خمسة أيام من الغارات الجوية والقصف الذي يشنه النظام السوري على الغوطة الشرقية آخر معاقل الفصائل المعارضة قرب دمشق، بحسب ما أعلن المرصد السوري لحقوق الانسان الخميس.

وأورد المرصد أن "403 مدنيين قتلوا في خمسة أيام من الغارات الجوية والقصف المدفعي الكثيف"، بينهم 46 على الأقل قتلوا الخميس.

وارتفعت حصيلة القتلى منذ الأحد بسبب ضربات جديدة الخميس والعثور تحت الأنقاض على جثث مدنيين قضوا الأربعاء، بحسب مدير المرصد السوري.

واستهدفت قوات النظام السوري الخميس بوابل من القذائف الصاروخية الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق لليوم الخامس على التوالي في تصعيد هستيري وذلك بالتزامن انعقاد مجلس الأمن الدولي للتصويت على مشروع قرار حول هدنة في ما أسمته الأمم المتحدة "جحيما على الأرض".

وعلت بعض الأصوات في المجتمع الدولي للمطالبة بوقف التصعيد، فيما توالت بيانات منظمات غير حكومية تندد بوحشية القصف الذي طال أيضا المنشآت الطبية وتسبب في توقف الخدمات في عدد من المشافي.

وتشير مصادر إلى أنه حتى لو تم اقرار هدنة انسانية في المنطقة المشمولة اصلا باتفاق سابق لخفض التصعيد، فإن ذلك لا يعني انتهاء المآسي في الغوطة الشرقية حيث يتوقع أن يتكشف حجم الفظاعات بمجرد وقف عمليات القصف.

ويتوقع أن تكون حصيلة القتلى والدمار أعلى بكثير مما هو معلن حاليا من أكثر من مصدر، حيث لا يمكن التسليم بدقة ما أعلن بسبب القصف المتواصل.

وقتل 15 مدنيا، بينهم أربعة أطفال جراء عشرات القذائف الصاروخية التي استهدفت مدينة دوما وأربعة أشخاص في قرية افتريس نتيجة الغارات.

وقال مدير المرصد رامي عبدالرحمن إن "الطائرات الحربية الروسية تستهدف أيضا الغوطة الشرقية اليوم". وأصيب أكثر من 120 شخصا بجروح في مدن وبلدات أخرى.

وكانت الطائرات الحربية غابت عن أجواء الغوطة الشرقية الممطرة طوال الليل وحتى الصباح، لتعاود القصف ظهر الخميس، وفق المرصد السوري.

وفي مدينة دوما، شوهد متطوعون من الدفاع المدني يخرجون نساء جريحات من تحت الأنقاض. وأثناء انهماكهم بإنقاذ امرأة، استهدف القصف الجوي المنطقة وتمكنوا من اخراجها لاحقا لكنها كانت قد فارقت الحياة.

وفي مستشفى بدوما تكدست جثث من بينها جثتان لطفلين مجهولي الهوية وقد لفتا بكفن أبيض. وعلى طول الطريق المؤدي إلى المشفى من الممكن رؤية بقع الدماء المنتشرة في كل مكان.

وكان بعض السكان خرجوا صباح الخميس لتفقد منازلهم ومتاجرهم أو لشراء الحاجيات مستغلين غياب القصف الجوي، لكن عشرات القذائف أجبرتهم على العودة إلى مخابئهم.

وفي دوما، خرج طفل لبيع الولاعات لتأمين بعض المال قبل أن يتجدد القصف ويلوذ بالفرار.

وفي مدينة حمورية، تجمع بعض السكان صباحا أمام متجر وحيد فتح أبوابه لبيع المواد الغذائية إلى أن سقطت قذائف عند أطراف الشارع، فانفض الجمع سريعا.

ويفاقم التصعيد من معاناة المدنيين والكوادر الطبية التي تعمل بإمكانات محدودة نتيجة الحصار المحكم منذ 2013 ويتوافد إليها مئات الجرحى يوميا.

وطالبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الأربعاء بالسماح لها بدخول الغوطة الشرقية للمساعدة في علاج مئات الجرحى، خصوصا أن الكثيرين "يلقون حتفهم فقط بسبب عدم تلقيهم العلاج في الوقت المناسب".

وأكد أطباء والمرصد السوري استهداف عدة مستشفيات عدة دوما وحمورية وعربين وجسرين وسقبا، فضلا عن مركز للدفاع المدني في دوما وغيرها من المرافق الطبية.

وباتت عدة مستشفيات خارج الخدمة، فيما تعمل أخرى رغم الأضرار الكبيرة التي طالتها.

وقال المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة الإقليمي للأزمة السورية ديفيد سوانسون "يمكننا أن نؤكد حصول ست هجمات على مستشفيات خلال الأسبوع الحالي"، مشيرا إلى تقارير عن هجمات أخرى ما "يثير القلق الشديد"، مضيفا "هذا أمر مروع ويجب أن يتوقف حالا".

وأوردت الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز) أن ثلاثة أفراد من طاقمها الطبي العامل في الغوطة الشرقية قتلوا في القصف.

وفي مستشفى في بلدة كفربطنا وقف رجل عجوز الأربعاء غطاه الغبار والدماء يبكي مرددا "يا رب، يا رب"، إلى جانب طفل مصاب في رأسه ويده وبطنه وقد بدا فاقدا للوعي فيما كان ممرض يلتقط له صورة أشعة.

إدانات دولية

ويتزامن التصعيد العسكري في الغوطة الشرقية مع تعزيزات لقوات النظام تُنذر بهجوم بري وشيك.

وأثارت حملة القصف احتجاجات دولية وعلت أصوات مطالبة بوقف العنف.

وطالب الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش الثلاثاء بـ"تعليق فوري لكل الأعمال الحربية"، واصفا الغوطة بـ"الجحيم على الأرض".

ووصفت ألمانيا ما يحصل بأنها "مجازر قتل الأطفال وتدمير المستشفيات"، فيما طالبت فرنسا بهدنة في أسرع وقت.

كما دعت الرياض النظام السوري إلى "وقف العنف".

وسيجتمع مجلس الأمن الدولي الخميس للتصويت على مشروع قانون يطالب بوقف لإطلاق النار في سوريا لمدة ثلاثين يوما لإفساح المجال أمام وصول المساعدات الانسانية وإجلاء المرضى والمصابين.

ويتذرع النظام السوري بوجود جماعات اسلامية متطرفة في الغوطة الشرقية لتبرير عمليات القصف المتواصل.

وتوجد بالفعل فصائل اسلامية مسلحة أخرى في آخر معقل للمعارضة السورية قرب دمشق إلا أنها تحظى بحاضنة شعبية بسبب تجاوبها الكبير في السنوات الماضية مع سكان المنطقة.