جنوب السودان والدروس المستفادة

بقلم: د. خليل حسين

منذ قرن تقريبا هب العرب باحثين عن وحدة حلموا بها للتخلص من حكم العثمانيين، وما لبثوا ان وقعوا تحت احتلال بريطاني وفرنسي جديد وان سميَّ انتدابا، فبدلا من الوحدة قُسمت البلدان العربية وفقا لمعايير حملت بذور التجزئة والتفتيت ولو بعد حين. لعبت السياسات الدولية فيهم عقودا وكرّست انقساما يصعب رأبه، فكانت مشاريع الانفصال تغزو مجتمعاتهم ومعتقداتهم، حتى وصل الأمر بهم إلى الاعتقاد بأن مسيرات الانفصال حلا لمشاكل مزمنة لم يعد بالإمكان احتوائها أو التغاضي عنها. وانتهى الأمر بهم إلى التسليم بانفصال جنوب السودان حلا نموذجيا لصراعات استمرت عقودا.

اليوم حمل جنوب السودان الرقم 193 بين الدول المستقلة والمنضمة إلى الأمم المتحدة. وربما ثمة الكثير من الأسباب التي دعت شعبه إلى الاحتفال بالانفصال باعتباره نصرا موصوفا، ذلك للعديد من الأسباب التي يمكن تبريرها من بعض جوانبها، لكن التدقيق في باطن الأمور يظهر ان ثمة تحديات كثيرة تنتظر الدولة طرية العود كما باقي البلدان العربية الأخرى.

فبعيدا عن نظرية المؤامرة ومتفرعاتها، ثمة العديد من العيوب التي رافقت معتقداتنا وتفكيرنا وسلوكنا السياسي في التعاطي مع أزماتنا العربية البينية أو القطرية الداخلية. صحيح ان فكرة الوحدة العربية وإيديولوجيتها، كانت يوما حلما عظيما وربما لا زالت كذلك عند البعض من مفكرينا، لكننا لم نقف يوما لنتأمل أين أصبحنا وماذا حل بنا؟ وما هي أسباب مشاكلنا وكيف السبيل إلى حلها؟

من بين المشاكل الكبرى التي لم نجد حلا لها في إطار قوميتنا العربية، مشاكل الأقليات بيننا. بل أن هروب حكامنا من أزماتهم وحتى من شرعية سلطتهم، الهروب إلى الأمام عبر لصق الأزمات بكل أقلية هنا أو هناك في بلداننا العربية المترامية وما أكثرها تنوعا وتعددا.علما أننا لا نسوق الاتهام جزافا ونعفي بعض الأقليات من مسؤولياتها في تضخيم بعض جوانب أزماتها في المحيط التي تتواجد فيه.

فمشكلة السودان ليست وحدها، فثمة البربر والامازيغ في المغرب العربي، كذلك الأكراد في المشرق العربي، كما ثمة شماعة المسيحيين في كل مكان يتواجدون فيه شرقا وغربا ووسطا. باختصار غرق العرب على حجمهم الكبير بأعداد لا تشكل ثقلا عدديا، فكان عبء المشكلة أكبر وأعظم في ظل تجاهل المشكلة، بل السعي لاستثمار قضاياهم في حل المشاكل العربية البينية تارة، وحل أزمات الأنظمة تارة أخرى.

لكن المشكلة ليست هنا فقط، بل المشكلة القادمة هي أسوأ وأفظع، ثمة حراك عربي تحت مسميات وشعارات متشابهة ظاهرا، ومتناقضة أو متباينة ضمنا؛ لكن ما يجمعها كم كبير من جهل المستقبل. ورغم أحقية الكثير من مطالبات هذا الحراك العربي، ثمة ذهاب نحو المجهول، أقله استغلال مشاكل هذه الأقليات في مزيد من عمليات التفتيت والتجزئة.

يكاد لا يخلو أي بلد عربي من مشكلة أقلوية، ذات طابع أو مضمون عرقي - إتني أو ديني – مذهبي. تجتمع معظمها على سلوك باطني انفصالي الهوى ظنا ان آخر الدواء الكي. وما يساعد على تعزيز هذا السلوك تغذيته موضوعيا وترسيخه ذاتيا، في ظل معطيات داخلية مساعدة وخارجية داعمة.

اليوم السودان، وغدا ستكر السبحة بغير اتجاه عربي، حراك عربي عارم لا أفق له سوى المطالبة بإسقاط الأنظمة، وفي ظل عدم تكافؤ موازين القوى بين الأنظمة والقوى المعارضة تنساب الأزمات باتجاه الانفصال والتقسيم والتفتيت، باعتباره حلا بعدما وصل الأمر بالشعوب إلى نوع من اليأس والتسليم بقضاء كان امرأ مقضيا، عله يجلب بعض الاطمئنان على الغد المجهول التي غرقت به دهورا لا عقودا.

اليوم نحن العرب علينا واجب التفكير مليا لكي نبقى موقعا ودورا بين الشعوب لا رقما يضاف بين الأمم والدول. علينا الاعتراف بفشل تطبيق الكثير من الآليات التي اعتقدناها يوما حلا لأزماتنا ومشاكلنا، علينا الاعتراف بوجوب ابتداع أفكار خلاقة لكي لا نعود ونقع في أتون مصائبنا. جميع بلداننا العربية باتت اليوم مهيأة للانفصال اذا استمر الضغط بها وعليها، وحينها لا ينفع لا الندم ولا الوقوف على أطلال أمجادنا الغابرة التي تغنينا بها كثيرا.

قوميتنا ووحدتنا العربية أمرا واقعا علينا التمسك بهما والعمل للوصول إليهما، لكن علينا أيضا البحث عن تقديم الحلول للكثير من مشاكلنا الداخلية باعتبارها سببا رئيسا لضمورنا بين الأمم والشعوب. ثمة واجب البحث عن أزمة الأقليات في محيطنا كي لا تتكرر تجربة السودان ودروسها ربما غير المستفادة عربيا.

إن التعاطي مع تلك المشاكل بخفة، ستوصلنا إلى فوضى عارمة لإعادة إنتاج أنظمة جديدة كما يدعي البعض. وفي مطلق الأحوال ثمة بلدان عربية كثيرة تنتظر دورها وربما لن تبدل تبديلا. عندها وعندها فقط يمكن القول ان لا تجارب السودان ولا غيره من البلدان العربية ستكون مستفادة، بل ان حفلات التفتيت والتجزئة ستتكرر في غير بلد عربي.

د. خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

www.drkhalilhussein.blogspot.com