جمعيات نسائية تونسية تجدد مطالبتها بالمساواة في الإرث

دعوات متكررة للحفاظ على مكتسبات المرأة التونسية وتعزيزها

طالبت جمعيات نسائية ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة بتفعيل مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي حول مبادرة المساواة في الإرث بين النساء والرجال بناء على ما ينص عليه الدستور وسط جدل بشأن مرجعية التشريع، الدستور المدني أم الشريعة.

وكان قائد السبسي قد دعا في 13 أغسطس/اب 2017 بمناسبة احتفال تونس بعيد المرأة إلى المساواة في الإرث، مشددا على "ضرورة إجراء مراجعات قانونية من شأنها أن تساوي بين الرجل والمرأة في مختلف المجالات"، وفق الدستور.

وقالت جمعية مواطنات بلا حدود وجمعية الحق في المساواة والجمعية التونسية لحق المواطنة، إن "المرأة التونسية التي نجحت في انتزاع العديد من المكاسب منها الحرية ومنع تعدد الزوجات من حقها أن تطالب اليوم بالمساواة في الإرث".

وأضافت الممثلات عن تلك الجمعيات في تصريحات لميدل ايست أونلاين "إن المساواة في الإرث حق من حقوق المواطنة كفلها الدستور ويجب تطبيقها".

وكان 11 نائبا في البرلمان تقدموا في خريف 2017 بمشروع قانون يهدف إلى المساواة في الإرث إلا أن الكتل البرلمانية لم تحسم بعد هذا الأمر.

ويقول الفصل 21 من الدستور التونسي "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز".

كما ينص الفصل 46 على أن "الدولة تلتزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها وتضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات".

وفي أعقاب تقديم المشروع قالت جمعية النساء الديمقراطيات إنه "حان الوقت لإقرار المساواة التامة بين نساء تونس ورجالها".

وبحسب دراسة أجرتها درة محفوظ أستاذة علم الاجتماع بالجامعة التونسية والناشطة في جمعية النساء الديمقراطيات يساند نحو 70 بالمئة من التونسيين مبدأ المساواة في الإرث منهم نحو 40 بالمئة من النساء ونحو 30 بالمئة من الرجال.

وتشدد الجمعيات النسائية على أن الحق في المساواة في الإرث هو جانب من الجوانب التي نص عليها الدستور.

وقالت ريم صميدة الناشطة في جمعية مواطنات بلا حدود "بعد سنين طويلة من النضال من أجل الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من حقنا اليوم أن نطالب بالمساوة في الإرث".

وتابعت "لا يمكن الحديث عن الديمقراطية وعن الحرية وعن المساواة بين الرجل والمرأة ما لم ننجح في انتزاع حقنا الذي يكفله الدستور".

وتعتبر تجربة المرأة التونسية تجربة متفردة في المنطقة حيث يمنع قانون الأحوال الشخصية الذي أقره الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، تعدد الزوجات ويكفل حرية المرأة.

وباستثناء الإرث تتمتع المرأة التونسية بالمساواة مع الرجل في الحقوق وفي الواجبات بما في الحقوق السياسية والمدنية.

وترى أسماء بن عزالدين رئيس جمعية الحق في المساواة أنه علاوة على ما ينص عليه الدستور فإن الاتفاقيات الدولية تضمن المساواة بين الرجل والمرأة بما في ذلك الإرث، ملاحظة أنه "من غير المقبول أن تبقى تونس خارج تطبيق تلك الاتفاقيات".

وأضافت "هل من المعقول أن نتحدث عن المساواة وعن مشاركة المرأة في عملية التحديث الاجتماعي والسياسي في ظل التمييز بشأن المساواة في الإرث".

غير أن المطلب الذي يجد مشروعيته في نص الدستور وفي تجربة تونس بشأن حقوق المرأة يصطدم بموقف رجال الدين والإسلاميين.

وكان عثمان بطيخ مفتي الديار التونسية بارك مبادرة قائد السبسي بطريقة غامضة حيث تجنب المجاهرة بموافقته على المساواة في الإرث واكتفى بعبارة "المباركة".

وقبل إعلان الرئيس التونسي عن مبادرته، أصدر بطيخ فتوى صريحة تحرم المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة استنادا إلى آية "وللذكر مثل حظ الأنثيين".

وفيما بدا موقف بطيخ غامضا كان موقف حمدة سعيد المفتي السابق واضحا حيث شدد على أن "حكم الله لا جدال فيه إذ أن الآية القرآنية واضحة وضوح الشمس".

غير أن مجيد الشعري المتخصص في العلوم الشرعية وأستاذ الأديان المقارنة بالجامعة التونسية قال "يجب أن نفهم الآية في إطار سياقها التاريخي والاجتماعي ولا يمكن بحال من الأحوال تفسير القرآن بعيدا عن أسباب النزول ومقاصد الشريعة".

وشدد على "ضرورة تفسير حديث للقرآن يكون منسجما مع العصر"، ملاحظا أن "المراجع التي يعتمدها الفقهاء تعود إلى أزمنة قديمة ومجتمعات غير مجتمعاتنا".

ويبدو أن موقف الشعري ينسجم مع رؤية الجمعيات النسوية إذ شددت سهام بن جدو الناشطة في الجمعية التونسية لحق المواطنة على أنه "من غير المقبول أن نحرم المرأة من حقها في المساواة في الإرث بناء على تأويلات تعود إلى قرون مضت".

وترى بن جدو التي تحمل شهادة دكتوراه في الحقوق "أنه حان الوقت كي يتحرر الفكر العربي والتونسي من سطوة الفكر الفقهي النقلي ليصبح فكرا نقديا منتجا للحداثة".

وتحظى مسألة المساواة في الإرث بدعم القوى العلمانية وهي قوى لها وزنها السياسي والاجتماعي تتمسك بـ"ضرورة المساواة الكاملة والمطلقة بين الرجل والمرأة".

ويشير أخصائيون في العلوم السياسية والاجتماعية أن المساواة في الإرث من الصعب تطبيقها حاليا في ظل رفض رجال الدين وحركة النهضة.

وشددت كل من ريم صميدة وأسماء بن عزالدين وسهام بن جدو على أنه "إذا كان الإسلاميون يقفون وراء منعنا من حقوقنا فما عليهم إلا أن يراجعوا أنفسهم وأن يكونوا على وعي بأنهم في تونس التي جعلت من حرية المرأة رهانا للحداثة".

وأضفن لميدل ايست اونلاين "تونس ليست شركة على ملك رجال الدين والإسلاميين، تونس دولة مدنية تحتكم إلى دستور واضح شارك في صياغته الإسلاميون أنفسهم ولا تحتكم إلى الشريعة كمصدر للتشريع وفق نفس الدستور".

ويرى أخصائيون في القانون الدستوري أن المساواة في الإرث يكفلها الدستور من خلال الفصلين 21 و46 وأنه من حق نساء تونس المطالبة بهذه المساواة.

وقال عبدالباقي عزوز الأخصائي في القانون الدستوري "إن الفصلين واضحين ولا يحتاجان إلى أي تأويل بشأن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في مختلف المجالات".

وتابع في تصريح لميدل ايست أونلاين على أن "المرجعية الوحيدة لتشريع القوانين والحقوق هو الدستور المدني الذي لم ينص لا من بعيد ولا من قريب عن الشريعة الإسلامية كمصدر من مصادر التشريع في تونس".