جمعة يقفز فوق أزمة تونس حاملا تركة ثقيلة

جمعة يطمئن الخارج قبل الداخل

تونس - أثار خطاب رئيس الحكومة الجديد مهدي جمعة الذي ألقاه أمام المجلس التأسيسي لنيل ثقة فريقه الحكومي "استياء" لدى أحزاب المعارضة وكذلك لدى غالبية التونسيين الذين رأوا فيه خطابا "عاما" وفضفاضا" يعبر عن "حسن نوايا" في وقت تحتاج فيه البلاد إلى برنامج سياسي وتنموي واضح يستجيب لتطلعات التونسيين ويشخص مشاغلهم الحقيقية.

وبدا جمعة الذي كان وزيرا للصناعة في حكومة القيادي في حركة النهضة علي العريض "حريصا" على مخاطبة المؤسسات المالية الإقليمية والدولية وشركاء تونس الاقتصاديين لـ"استجداء" تعاطفها معه ونيل ثقتها أكثر مما هو حريص على مخاطبة التونسيين من خلال التركيز على الملفات الساخنة وفي مقدمتها توفير التنمية والشغل لأبناء الجهات المحرومة والأحياء الشعبية التي ترزخ تحت خط الفقر.

فقد تعهد رئيس الحكومة الجديد بمكافحة الإرهاب ونشر الطمأنينة ومعالجة الوضع الاقتصادي والمالي وتوفير الظروف الملائمة للانتخابات القادمة وعدم التساهل مع الفوضى ومزيد من عرقلة العمل والإنتاج واكتفى بالدعوة إلى "هدنة اجتماعية" والمطالبة بدعم حكومته دون أن يقدم خطة تنموية من شأنها أن تكون رسالة طمأنة للتونسيين بشأن معالجة أوضاعهم المعيشية بما في ذلك مكافحة المضاربة وغلاء الأسعار إضافة إلى معضلة التشغيل.

وقد بدت هذه التعهدات بالنسبة للتونسيين رسالة طمأنة إلى الخارج أكثر منها إلى الداخل وفي مقدمتها المؤسسات المالية المانحة وشركاء تونس الاقتصاديين الدين ناشدهم جمعة صراحة بدعم حكومته حتى تتمكن من النجاح في إنعاش الاقتصاد وإنقاذ مؤسسات الإنتاج في ظل الأزمة الخانقة التي تعصف بالبلاد منذ أشهر.

وتقول المعارضة العلمانية إن جمعة اختار عدم القطع مع سياسة حكومة النهضة التي هي بالأساس "سياسة ترقيعية" لم تنتهج خططا تنموية مدروسة تعالج المشاغل الحقيقية للتونسيين وفق أنموج تنموي يضع حدا لحالة التفقير والتهميش التي تعيشها العديد من الجهات والفئات.

وتضيف المعارضة أن رئيس الحكومة الجديد الذي وجه رسالة طمأنة إلى المؤسسات المالية الإقليمية والدولية "حكم منذ البداية على حكومته بالفشل" لأن المطلوب أولا طمأنة الرأي العام والوطني الذي يتطلع إلى إنهاء الأزمة الحادة في البلاد من خلال إصلاحات عملية تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

وتواجه حكومة الكفاءات التي شكلها جمعة وفق خارطة الطريق التي ترعاها أربع منظمات من المجتمع المدني وفي مقدمتها الإتحاد العام التونسي للشغل المركزية النقابية القوية تحديات حقيقية على جميع الصعد في ظل سقف عال من التطلعات الشعبية لم يتفاعل معها خطاب جمعة، الأمر الذي خلف استياء كبيرا لدى المواطن الذي يطالب بتحسين ظروف المعيشة ولا تعنيه طمأنة شركاء تونس الاقتصاديين في شيء.

ويبدو أن التركة الثقيلة التي ورثها جمعة عن حكومة علي العريض هي التي دفعت به إلى "القفز" عن المشاغل المعيشية للتونسيين، ذلك أن نسبة الفقر تتجاوز في الجهات المحرومة نسبة 40 في المائة فيما تبلغ نسبة البطالة أكثر من 30 بالمائة إضافة إلى تردي الوضع الاقتصادي بعد أن توقفت مئات المؤسسات عن الإنتاج.

ويقول المتابعون للشأن التونسي أنه إذا أضفنا "ثقل التركة الاجتماعية" إلى "ثقل التركة السياسية" المتعلقة أساسا بالتعيينات التي أجرتها حكومة النهضة يمكن أن نفهم "الخلفية" التي تقف وراء خطاب جمعة الذي بدا متوجسا من ردود فعل الحركة الإسلامية خاصة وأنه كان أحد نشطائها بالجامعة.

وبرأي المتابعين فإن تأكيد جمعة على مراجعة التعيينات على رأس المحافظات والمؤسسات الإدارية الحساسة لا يعدو هو الآخر أن يكون سوى رسالة موجهة إلى الخارج مفادها أن حكومة الكفاءات الجديدة هي "حكومة مستقلة تلتزم الحياد وتتخذ نفس المسافة من جميع الأطراف" وبالتالي فإنها تستحق الدعم.

ولم يتردد الخبراء في وصف خطاب جمعة بـ"الوهمي" و"ذر الرماد في العيون" باعتباره "لم يقدم شيئا عمليا" من شأنه أن يساعد على الخروج بالبلاد من الأزمة.

وشدد الخبير في التنمية البشرية فتحي النوري على أن "حل المشاكل الحقيقية للمجتمع التونسي يتطلب برنامج عمل ميداني" مؤكدا أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد ليست في حاجة إلى "خطاب حسن نوايا" وإنما في حاجة إلى "طرح برامج تنموية واضحة وناجعة كان يفترض تبليغها إلى المواطن".

ويؤكد المراقبون أن حكومة جمعة لن تتمكن من إنقاذ البلاد إلا إدا قطعت مع سياسة حكومة النهضة ورسمت خططا تنموية تستجيب لتطلعات التونسيين وتوفر الحلول العملية لمشاغلهم المعيشية.