جمعة يجتث بقايا النهضة من المساجد التونسية

حسين العبيدي اهدر دم التشكيليين

تونس ـ في تحد شجاع لإمعان حركة النهضة الإسلامية على الهيمنة على المساجد واستغلال منابرها للدعاية السياسية لها على الرغم من مطالبة أئمة تونس المصلين والأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني بتحييد بيوت الله عن التجاذبات السياسية، قرر رئيس الحكومة مهدي جمعة عزل إمام جامع الزيتونة حسين العبيدي المعروف بولائه للحركة الإسلامية بناء على ارتكابه عديد التجاوزات القانونية والأخلاقية التي لا تليق بإمام أكبر وأعرق جامع في تونس.

وقالت الهيئة التي تشرف على إدارة جامع الزيتونة إنها قررت عزل الإمام الحالي للجامع حسين العبيدي بعد توليه مسؤولية إدارة الجامع لمدة ثلاث سنوات ارتكب خلال عديد التجاوزات القانونية والأخلاقية وقررت تكليف الشيخين علي لعويني وصالح الدافي كهيئة وقتية لتسيير الجامع إلى حين انعقاد المؤتمر الخارق للعادة لانتخاب شيخ الجامع ونائبيه خلال 15 يوما.

والعبيدي هو أشد الأئمة موالاة لحركة النهضة وتربطه علاقة وثيقة براشد الغنوشي الذي يعتبر جامع الزيتونة معقلا من معاقل الحركة نظرا لأهميته الدينية والعلمية ودوره في الحياة العامة باعتباره يقع في قلب العاصمة ويرتاده آلاف المصلين خاصة من التجار ورجال الأعمال وكبار المسؤولين في الإدارة لقربه من أسواق المدينة العتيقة ومن قصر رئاسة الحكومة.

وكان العبيدي أول إمام يفتح أبواب جامع الزيتونة المعروف في تونس بالجامع الأعظم أمام راشد الغنوشي إثر عودته من لندن عام 2011 حيث قدمه على أنه "إبن تونس البار ومن أبرز العلماء" مضيفا عبارة "رضي الله عنه".

وأثارت "رضي الله عنه امتعاضا لدى المصلين لكونها عبارة تطلق إلا على الخلفاء الراشدين.

وألقى أنذاك الغنوشي كلمة مقتضبة استغلها لـ"مباركة الثورة وتمجيدها ومساندته لها على الرغم من أن الإسلاميين لم يكن لهم دور يذكر في الانتفاضة التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني 2010 .

وقال عضو الهيئة الوقتية لتسيير الجامع إنه تم تعليق الدروس بجامع الزيتونة ودعا إلى عدم التعامل مع حسين العبيدي "الذي تسبب في عداء العديد من العلماء والمؤسسات الدينية بعد أن سخر منبر الجامع للدعاية السياسية لحركة النهضة وزج بالجامع في تجاذبات سياسية ليست من مشمولاته، رافضا إجماع العلماء على تحييد الجامع عن أي شكل من أشكال الولاء الحزبي.

ويعتبر قرار عزل العبيدي "صفعة قوية" لحركة النهضة التي راهنت عليه لشحن المصلين ضد الأحزاب العلمانية والديمقراطية التي تقول إنها تمثل خطرا على الإسلام والمسلمين.

وعلى إمتداد السنوات الثلاث الماضية التي قضاها العبيدي على رأس إمامة جامع الزيتونة، وظف الجامع لخدمة مشروع النهضة منتهجا خطابا متشددا لم يتردد فيه عن الدعوة صراحة إلى دعم الحركة الإسلامية من جهة، كما لم يتردد في التهجم على شخصيات سياسية علمانية لها ثقلها في المشهد السياسي للبلاد.

وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية تهكم العبيدي من على منبر الجامع الأعظم على مرشح نداء تونس الباجي القايد السبسي موظفا الفضاءات الدينية في العملية السياسية والانتخابية بعد أن أصطف وراء مرشح الإسلاميين آنذاك منصف المرزوقي، حيث حرص على الظهور إلى جانبه في عدة مناسبات الأمر الذي اعتبره السياسيون "توظيفا مقيتا للإسلام وللأئمة لغايات انتخابية لا تمت بأية صلة لطبيعة دور جامع الزيتونة ووظيفته الروحية والدينية والعلمية.

ورفض حسين العبيدي مؤخرا قرار تحييد المساجد الذي اتخذته حكومة المهدي جمعة متذرعا بأنّ جامع الزيتونة له كامل الاستقلالية القانونية والإدارية بمقتضى وثيقة ماي/ايار 2012 التي صادق عليها 3 وزراء من حكومة الترويكا الأولى بقيادة حركة النهضة.

وقال النائب الثاني لمشيخة الزيتونة، عمر اليحياوي، إن قرار العزل جاء بسبب "سوء تصرف الشيخ العبيدي في مؤسسة جامع الزيتونة، وتحويل منبره إلى موقع للتهجم على العلماء والمؤسسات التعليمية والجمعيات العلمية والثقافية والأحزاب بألفاظ لا أخلاقية ولا تليق بمنبر جامع الزيتونة ولا بتاريخه.

وشدد على ان "حسين العبيدي كرر من إهاناته لعديد المشايخ، وعمد إلى طردهم تعسفيا أمام طلبتهم، بالإضافة إلى طرد الطلبة والطالبات والموظفين والقائمين على شؤون المؤسسة، وذلك بقرارات ارتجالية دون مراعاة لأحكام النظام الداخلي"، مشيرا الى انه قام كذلك بافتعال أزمات مع مؤسسات الدولة، مما أدى إلى عزل مؤسسة الزيتونة عن محيطها العلمي والثقافي والإداري.

وكانت حكومة جمعة باشرت مند مطلع العام 2014 خطة لتحييد المساجد عن الحياة السياسية واسترجاع المنابر التي استولى عليها الإسلاميين وجعلوا منها قواعد لنشر أفكارهم وتأليب المصلين على الأحزاب السياسية وتجنيد الشباب في خلايا جهادية تتولى غسل أدمغتهم وإرسالهم إلى القتال في العراق وسوريا.

وانتقد كاتب عام نقابة الأئمة والمساجد فاضل عاشور في تصريحات سابقة محاولة سيطرة النهضة على جامع الزيتونة من خلال التعيينات على أساس الولاء الحزبي.

وقال إنه تم تعيين عضو النهضة عبد الغني بالنور وهو سجين سابق متهم في أحداث باب سويقة في منصب إمام بالجامع، فيما تم تعيين عضو مجلس الشورى لطفي العمدوني في خطة ناظر.

كما انتقد ما اعتبره صمت وسائل الإعلام والحقوقيين على ما يحدث في جامع الزيتونة، وقال إنه تم "استبعاد أحفاد رسول الله" عن إدارة شؤون الجامع ليحل محلهم أناس لا كفاءة لهم، لافتا إلى أن حسين العبيدي، استولى على الجامع بالقوة.

وتقول نقابة أئمة المساجد "إن عدد المساجد والجوامع التي يسيطر عليها السلفيون وحزب التحرير والنهضة قرابة 216 مسجدا" يقع أغلبها في تونس العاصمة وخاصة في الأحياء الشعبية مثل حي التضامن وحي الملاسين وحي السيجومي وغيرها.

وفي رده على قرار العزل، قال حسين العبيدي إنّ هيئة الجامع لا تملك صلاحيات العزل، متهماً وزارة الشؤون الدينية بتحريكها، كما هدّد بمقاضاتها، غير أن المسؤول الإعلامي في الوزارة، شدد على "عزل العبيدي يعني أنه فقد أي صفة بجامع الزيتونة".

ويعتبر العبيدي من الأئمة الأكثر إثارة للجدل حيث يزعم جهرا بـ"معاداته" للنهضة وهو في الواقع مدعوما من رئيسها راشد الغنوشي، حيث تولى إمامة الجامع في ظروف غامضة بدعم من زعيم إخوان تونس حيث حضر بنفسه بجامع الزيتونة في فبراير/شباط 2011 ليشرف على إزاحة الإمام السابق وتزكية إمام جديد في حفل مشهود تقبل أثناءه التهاني، وقام في خضم الحدث تنصيب كوكبة من الشيوخ الزيتونيين منهم حسين العبيدي في إمامة الجمعة والخمس إيذانا بسيطرة النهضة عبر شيوخ متطرفين على الجامع.

وكان العبيدي دعا إلى "إهدار دم وقتل" فنانين ومبدعين شاركوا في تظاهرة ثقافية في جوان/حزيران 2012 تم خلالها عرض لوحات إعتبرها السلفيون مسيئة للمقدسات الإسلامية.

وتداول نشطاء عبر الانترنت على نطاق واسع مقطع فيديو يظهر حسين العبيدي وهو يخطب في جامع الزيتونة، ويقول إن كل من شارك في المعرض التشكيلي "كافر بصريح النص يهدر دمه ويقتل".

ويأتي قرار عزل العبيدي ليقطع الطريق أمام مساعي حركة النهضة للسيطرة مجددا على منابر المساجد بعد النكسة الانتخابية والسياسية التي منيت بها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية والتي أكدت تراجع التأييد الشعبي لها.

فقد أرجعت النهضة تلك النكسة إلى فشلها في استمالة قواعد انتخابية واسعة من المصلين في المساجد ما دفعها إلى تعزيز مواقعها في الجوامع لتجعل منها فضاءات لاستقطاب الشباب ضمن هياكلها التنظيمية.

غير أن أئمة تونس وكذلك الأحزاب السياسية تطالب السلطات بضمان تحييد المساجد على الدعاية الحزبية، مشددين على أن استغلال منابر المساجد يتناقض مع طبيعة التجربة الديمقراطي الناشئة التي انخرطت فيها البلاد بعيدا عن خطاب الكراهية والتحريض على العنف الذي تفوح رائحته من بعض أئمة المنابر.