جمال مبارك حلم فقراء مصر أم كابوسهم؟

بقلم: عادل الجوهري

يبدو أن الرئيس حسني مبارك لن يضع في القريب حداً لطموح ابنه جمال في حكم مصر، إما لأنه لا يريد، أو لأنه غير قادر على ذلك، وجمال يعتبر حكم مصر حقاً طبيعياً له بصفته ابن الرئيس، وهو يستمد ذلك من التراث الشعبي المعمول به في المنطقة والذي يرث بموجبه الأبناء مهنة الآباء، ومع أن ذلك كان مقتصراً على الأعمال التجارية والمهن اليدوية الحرفية، إلا أن تدرجاً اجتماعي واقتصادي في المنطقة العربية أدى إلى تطور هذا التراث حيث دخلت إليه مهناً لم تكن موروثة من قبل مثل أساتذة الجامعات والقضاة والأطباء وضباط الشرطة والجيش والمحامين والمهندسين والإعلاميين والفنانين والموظفين في وظائفهم الحكومية وفي الشركات العامة، وامتد ذلك إلى جميع جوانب الحياة، وساعد على تأصيل هذا المبدأ البطالة القاتلة التي يعاني منها شباب الدول الإسلامية والعربية، بحيث أصبح توريث المهنة هو الحل الآمن الوحيد لتوفير الحياة الكريمة للأسرة تلو الأسرة.
في حالة جمال مبارك المقارنة مع الفارق كبيرة جداً، فالمهنة التي يريد أن يرثها ليست دكاناً للتجارة، أو مصنعاً للملابس، أو حتى مزرعة للدواجن أو المواشي، إنه يريد أن يرث منصب رئيس الجمهورية بما يشتمل عليه من صلاحيات إلهية تتيح له ملكية الأرض وما عليها، والسماء وما تحتها، والبحار وما يجري فيها، والشجر والحجر حتى البقر، وقد ينبري أصحاب الحزب الوطني بأصواتهم العالية وأذرعهم الإعلامية والأمنية الفتاكة معبرين عن غضبهم من كلمة توريث، باعتبار أن الرجل لن يرث الرئاسة اجتماعياً ولكنه سيرثها انتخابياً، مثله في ذلك كمثل أي مواطن، وهي كما يعلم الجميع كلمة حق يُراد بها باطل، فلا يوجد مواطن يستطيع أن يتقدم لانتخابات الرئاسة على أرض مصر إلا إذا مر من خلال مقصلة الحزب الوطني هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى وهو الأهم أن عبارة "انتخابات مصرية" أصبحت مرادفاً طبيعياً للتزوير والغش والخداع والاغتيال المعنوي والأدبي، والبدني إذا لزم الأمر، وطالما لن تكون هناك رقابة دولية وشعبية للعملية الانتخابية، وتُرفع يد الأمن والضباط والمحليات عنها، وتؤدى وفق الأصول المتعارف عليها عالمياً، وتركياً، مع توفير كافة الضمانات الأساسية، فإن أي انتخابات تجرى في مصر هي مزورة، ومن سيأتي من خلالها فاقد للشرعية الشعبية ولو أقسم النظام على الماء فصار ثلجاً.
وهناك أسئلة تفرض نفسها في هذه الحال، لماذا تقف أجهزة الدولة بكامل عدتها وعتادها وراء جمال مبارك؟ وهل حقاً جمال حلم فقراء مصر كما تقول الملصقات المنتشرة في ميادين وشوارع مصر وتحمل صورته؟
بالتأكيد هو ليس حلم فقراء مصر، لا لشيء، إلا لأنه لم يكن يوماً مهموماً بهم ولا عابئاً بمشاكلهم، لأنه ببساطة لم ينشأ في بيئتهم ولم يحاول أن يتعرف عليها، كما أنه لم يحتك مطلقاً بعينة عشوائية منهم كباقي شباب مصر في معسكرات التجنيد، وهو لا يعرف عن الفقراء إلا ما تبثه عنهم الأرقام الإحصائية العالمية من أنهم 40% من سكان الريف والصعيد وأنهم يعيشون تحت خط الفقر، كما أن الفقراء لا يعرفون عن جمال إلا أنه القوة الوحيدة التي يستمد منها بعض رجال الأعمال جبروتهم وجشعهم الجارف نحو الثراء الفاحش.
إن الذين اختاروا هذا الشعار لتسويق جمال مبارك رئيساً جانبهم الصواب بالتأكيد، فهم يستفزون مشاعر الشعب المصري إلى أقصى درجات الاستفزاز من ناحية، ومن ناحية أخرى يفترضون في الشعب البلاهة والغباء وهذا خطأ جسيم، كما أن الشعار يدل دلالة قاطعة فاضحة على أن الكذب هو شعار هذه المرحلة والمرحلة القادمة، وأنه ليس من الضروري أن يكون الشعار حقيقياً طالماً استطاع أصحابه فرضه بالقوة وبالقهر، فلم يبق إلا أن يقولوا أنه حلم الفقراء رغماً عنهم.
إن جمال مبارك هو حلم وأمل وضرورة ولكن لمجموعة من انتهازيين مصر وناهبين خيراتها والمتربحين من مناصبهم، فهو حلم للأثرياء فقط، أما الفقراء فهم غير قادرين على متطلبات ورفاهية الحلم، فمن يسكن المقابر، ومن يلتحف السماء، ومن نام دون تناول طعام العشاء ناهيك عمن لم يتناول الفطور والغداء، ومن اعتصرت آلام شتى الأمراض بدنه، ومن هتكت الملابس الرثة والممزقة عرضه، ومن قتلت الأمية آماله،ومن سطت المحسوبية على عمره، ومن اغتال الفساد مستقبله، كل هؤلاء لا تراودهم أحلام، بل كوابيس. عادل الجوهري