جمال باروت يبحث في التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية

المصالح المتنافرة

يحاول كتاب "التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البدونة إلى العمران النظري" لمؤلفه الباحث السوري جمال باروت أن يدرس التكون الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للجزيرة السورية باعتبارها جزءًا من الإقليم التاريخي للجزيرة الفراتية، وهو يتعقب هذه المنطقة بقبائلها وعشائرها وطوائفها وتحالفاتها وانفكاك هذه التحالفات، والهجرات إليها، والصراعات التي نشبت فيها أو على أطرافها بين القبائل المختلفة أو بين أبناء الديانات المتنافسة، والموازين الديموغرافية التي استقرت عليها.

وفي هذا السياق، يغوص الكتاب في المصالح المتنافرة التي تحكّمت بهذه المنطقة، ولا سيما مصالح تركيا وفرنسا وبريطانيا، والتي كان لها شأن في عملية رسم الحدود والفرز السكاني وإشعال النزاعات المسلحة بين الأكراد والسريان والأشوريين وغيرهم من الأقوام النازلة في الجزيرة الفراتية.

لفهم كيفية نشوء الجزيرة السورية الحديثة، وعلاقتها بإقليم بلاد الجزيرة التاريخي كان لا بدّ من تحديد مفهوم الجزيرة، والعودة الى جذور تبلوره وتطوره.

وفي هذا الاطار يقصد الباحث بالجزيرة السورية في هذا الكتاب، ما كان يشكل من الناحية المجالية البشرية جزءا من "ديار ربيعة في اقليم بلاد الجزيرة التاريخي أو ما اطلق عليه الخبراء والاداريون الفرنسيون في مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريا اسم "الجزيرة العليا" او ما يعنيه اليوم المفهوم الاداري لمحافظة الحسكة في التقسيمات الإدارية السورية.

يتألف هذا الكتاب الذي يبحث في التكون الاجتماعي والسياسي التاريخي الحديث للجزيرة السورية الحديثة، من خمسة أقسام تؤلف في مجملها خمسة عشر فصلًا.

يضع الفصل الأول (القسم الأول) "الجزيرة الوسطى السورية جدلية العمران الحضري والتبدون: إطار تاريخي"، إطارًا تاريخيا للاقليم عمومًا وللجزيرة الفراتية الوسطى (السورية لاحقا) خصوصًا، محددا مفهوم الجزيرة ومجالها الجغرافي البشري وصولا الى التشكيل الحديث لمفهوم "الجزيرة العليا" الفرنسي الانتدابي.

ويتألف القسم الثاني "تاريخ الهجرات والاعمار: نشوء الجزيرة السوريا الحديثة" من خمسة فصول مترابطة، اما الفصل الثالث فهو تحت عنوان "المشرق العربي الحديث: نشوء المشكلات الكردية والكلدو- اشورية والأردنية وتساقط آثارها على سوريا: الأصول التكوينية والتاريخية".

ويبحث الفصل الرابع في "الهجرات الكبرى: موجة الهجرة الثالثة 1925-1939: التاريخ الاجتماعي والسياسي" والتي شكلت الجزيرة السورية الحديثة أبرز مقاصدها.

ثم يبحث الفصل الخامس في ردة الفعل على هذه الهجرات عبر تعيينها في مقاربة "قلق الحركة الوطنية من موجات الهجرة"، والعوامل التي تحكمّت بها، مع أن أثرها الصافي في اعمار الجزيرة كان ايجابيا وهذا الاثر هو الذي يبحثه الفصل السادس "إعمار الجزيرة" على مستوى تطوره وسيرورته وقوامه البشري وسياساته في المرحلة الانتدابية الفرنسية.

اما الفصل السابع فيتناول "مشروع الكيان الكردي – الكلدو- أشوري- البدوي في الجزيرة 1937-1939"، وفي الفصل الثامن "عصيان الجزيرة: إعادة تشكيل الأحداث"، وفي الفصل التاسع" من النظام الخاص للجزيرة الى الجلاء 1939-1946: المشاحنات الفرنسية – البريطانية - التركية".

ويبحث الفصل العاشر في الثورة الزراعية، ويتوقف الفصل الحادي عشر عند "مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في سوريا: مشاريع الجزيرة وجونستون وتحويل نهر الأردن".

وتغطي الفصول اللاحقة عملية تطور تكوين الجزيرة من مرحلة نهاية "النظام الخاص" الفرنسي والجلاء الفرنسي عن سوريا 1946 حتى منتصف السبعينيات مع توغل في بعض القضايا ذات الصلة بقضايا التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية حتى اواخر مرحلة السبعينيات.

ويشدّد الكتاب هنا على نشوء مشكلة "أجانب تركيا" في سوريا، وخلفياتها وأبعادها. والكتاب، في نهاية المطاف، دراسة شائقة عن العمران البشري والأقوامي، ولا سيما في تركيزه على نشوء المدن الجديدة - مثل القامشلي - جرّاء الهجرات الحديثة بعد ارتسام الحدود بين تركيا وسوريا والعراق.

ويقارب المؤلف في الفصل الأخير الاشكالية المعاكسة لنشأة الجزيرة السوريا الحديثة وتطورها بالصيغة التالية: من الهجرة الى الجزيرة الى الهجرة منها: من مجرة الاسئلة الى العمران الخامس، بعد مراحل عمرانها السابقة في الحقبة العثمانية والحقبة الانتدابية والحقبة الوطنية.

يقول المؤلف في معرض حوارنا معه أن ثمة عقبات واجهته في اعداد الكتاب منها محدودية الدراسات والبحوث المتعلقة بتاريخ المنطقة واضطرار البحث اللجوء إلى حزمة واسعة من المراجع والوثائق والمذكرات، وسد الثغرة بالعودة إلى وثائق الجريدة الرسمية والمداولات البرلمانية، إضافة البحث للقيام بعملية إعادة البناء التاريخية للأحداث والاتجاهات ولاسيما أنه يناقش مسائل حساسة وأساسية مثل الهجرات وبناء العمران البشري والحضري في الجزيرة بعد طول اندثار وخراب.

ويضيف المؤلف أن هناك مثلا حالة الثورة الزراعية في الجزيرة ومشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين فيها والعلاقات السورية التركية.. كل ذلك تطلب عملية إعادة بناء جديدة وكتابة تاريخية.

ويضيف أيضًا: "كنت محظوظًا في أن أجد في الارشيف الوطني السوري في مركز الوثائق التاريخية بدمشق مادة غنية ومتنوعة، لم تستخدم حتى اليوم في الكتابات التاريخية السورية الا على نحو جزئي كما شكلت الجريدة الرسمية للباحث منبعًا لا ينضب للتفاعل البحثي مع المواد الهائلة والمتنوعة التي تقدمها هذه المجموعات".

ويقول أيضًا "حاولت في هذه الفصول ان استند الى أكمل مكتبة مرجعية أساسية ومساعدة ممكنة بأنواعها في قواعد البيانات" وهو يدين لها بالكثير. إذ "قام المؤلف ببناء قاعدة بيانات ومعلومات جديدة بهدف استخدامها".

وقد أخضع الباحث ما استطاع بطريقة منظمة علميًا البيانات والمعلومات كافة في هذه المراجع المساعدة، بما في ذلك معلومات الصحف، إلى القواعد التقليدية التي أرستها المدرسة "المنهجية" في النقد الداخلي والخارجي للوثيقة والنص أو بتعبير معاصر أرحب للمعلومة.

ويقول الباحث: "لجأت الى المعلومات المقارنة، ولم أعتمد أي معلومة مفردة الا في سياق احتماليتها ونقدها". وفي ذلك كله كان الباحث يرغب في التأكيد أن حجم معلومات كتابة تاريخ الجزيرة وسوريا عمومًا" ملقاة على الرصيف"، وتحتاج الى من يستخدمها بشكلها "الخام" أو من خلال بيانات وسلاسل ومعلومات جديدة في ضوء المقاربة المنهجية المركبة والتكاملية للعلوم الاجتماعية والانسانية.

ويختم المؤلف بالقول: "يضع هذا الكتاب نفسه في حقل المكتبة التاريخية السورية، أو استوريوغرافيا" التاريخ السوري الحديث، لكن في ضوء المقاربة التاريخية في المناهج الحديثة التي تتسم بهضم معطيات العلوم الاجتماعية والانسانية كافة في حقل ممارسة التاريخ أو انتاج المعرفة التاريخية في موضوع مميز لتاريخ العمران هو عمران الجزيرة السورية".