جمالية التحول الرمزي.. دراسة في تجربة خليفة الوقيّان الشعرية (3 / 7)

في الزّمان النّحاسيّ تصدق كلّ النّبوءات

• الزّمان رمزٌ فنّيّ بين التّحوّل والانكسار:

في عمليّة رصد لدلالة رمز (الزّمان) بوصفه رمزاً لغويّاً أوّلاً، وفنّيّا ثانياً، ليس على مستوى مجموعة واحدة، بل على مستوى نصّ واحد، نشهد تحوّلاً رمزيّاً واسعاً في دلالة هذا الرّمز، تتعدّى مستوى التّعرّجات الواسعة، وتصل إلى حدّ الانكسارات الحادة، فالزّمان في نصّ "تحوّلات الأزمنة" من مجموعة الوقيّان التي تحمل هذا الاسم عنواناً لها أزمنة متعدّدة ومراحل متطوّرة، هو زمان ترابيّ، ثمّ رصاصيّ، ثم نحاسيّ، والانكسار الكبير في النّصّ يتجلّى حين نصل إلى الزّمان الخلاسيّ.

وتسهم النّعوت اللّغويّة في تعميق هوّة التّحوّلات لأنّ "الغرض من توسيع صورة الرّمز، تعميق واقعه النّعتيّ، ومدّه إلى حدود واسعة، هو مضاعفة طاقته الدّلاليّة وتخصيبها، فضلاً عن التّوكيد المثري لغموضه كلّما اتّجه النّسق الشّعريّ نحو العمق/المركز".

إذا كانت قضيّة الزّمان بأبعادها الفلسفيّة والفيزيائيّة وارتباطاتها وتعالقاتها بالمكان قد شغلت الفلاسفة والدّارسين والباحثين على مرّ العصور، فإنّ لها عند الوقيّان أبعاداً فنّيّة ورمزيّة أخرى، يختلط فيها التّاريخيّ بالفنّيّ، فتتوّلد دلالات شاعريّة يمكن رصدها، حيث البغايا رمز للمتعة السّاذجة، والطّواويس رمز للجمال في أبسط معانيه، والعار ثرثار يتبختر لا يخشى على نفسه لومة لائم، والأفاعي تبدّل جلدها الشّتويّ بثوب ربيعيّ، لتتصالح جميع الرّموز في نهاية مشهد هذا الزّمان البريء، حيث لا صوت فوق صوت الجمال، وهنا يقول الوقيّان:

في الزّمن التّرابيّ

تبتلع الأرض أحزانها

فتقيء بصُحف الصّباح

وجوه البغايا

ذيول الطّواويس

ثرثرة العار

كلّ الطّقوس القبيحة.

تُبدّلُ كلّ الأفاعي

جلود الشّتاء

وتخرج تختال

في ثوبها اللّولبيّ المفضّض

تحضن جلّادها في المساء الذّبيحة.

تشهد دلالة رمز (الزّمان) في المشهد الثّاني من قصيدة "تحوّلات الأزمنة" تحوّلاً رمزيّاً واضحاً في إحالاتها الجماليّة، وإن كان مشهد الزّمان التّرابيّ يشير إلى الجمال بأبهى وأبسط صوره في المشهد الأوّل، فإنّ "الزّمان الرّصاصيّ" في المشهد الثّاني يشير إلى الجلال بعظمته وفخامته، ويتآزر التّاريخ مع المكان ليرسم أبعاد هذا الجلال، فتحضر شخصّيّتا (قورش ونبوخذ) التّاريخيّة بأبعاد أسطوريّة تشع عظمة وجلالاً في إطار عظمة المكان وقدسيّته من خلال (القدس وبابل).

ولا يخفى على الباحث ما للمكان من "أهمّيّة كبرى في رسم حدود الصّورة، وتبرز هذه الأهمّيّة في حمل كلّ مكان بدلالة رمزيّة تتناسب وطبيعة المكان الذي يشترك مع مكان غيره في إعطاء هذه الدّلالة عن طريق الاختلاف فيما بينهما. وهذا الاختلاف يهيّئ للأشخاص في الصّورة، الحركة والانتقال بين الأمكنة المختلفة ممّا يؤدّي إلى تطوّر الحدث ونموّه". وتتجلّى تحوّلات هذه الرّموز من خلال قول الوقيّان:

في الزّمن الرّصاصيّ

يلبس "قورشُ" جبّته

يرتدي العمّة

الخوذة الأزليّة

يهدي جحافلنا

نحو بوّابة القدس

يقتاد أسرى اليهود

إلى بابل العربيّة

يبقى "نبوخذ" يرقب

كيف يدور الزّمان

تُغيّر أشكالَها الكائنات

ويكتسب الماء لوناً جديداً

وتبدو جليّة في نهاية المشهد رمزيّة الماء ليس في دورتها "من الأمطار إلى الينابيع، من الينابيع والنّوافير إلى الغدران والأنهار، من الأنهار إلى البحار، أو إلى ثلوج الشّتاء"، فقط، بل تتعدّاها ليفقد الماء بعض خصائصه حين تكتسب لوناً جديداً، وإن كان الماء ينتمي "تقليديّاً إلى حيّز من الوجود يقع تحت الحياة الإنسانيّة، فهو حالة الاضمحلال أو العماء التي تتلو الموت العاديّ، أو الرّجوع إلى غير المستعصي. ولذلك فغالباً ما تعبر الرّوح الماء عند الموت أو تغرق فيه".

تزداد درجة الانعراج في النّص خلال مشهد (الزّمان النّحاسيّ) ثالث مشاهد هذا النّصّ، وفيه يختلط الجلال بالجمال، وتصدق كلّ النّبوءات والمقولات على هذا الزّمان من خلال هذا المشهد، وتجتمع المتباعدات، فيحضر سيف بن ذي يزن مع سيفه إلى جانب كسرى ومسروق مع وهرز وبهرز وشهنشاه غمدان، فتنتشر الدّلالات، وتتشتّت أطيافها في عدّة اتّجاهات تمهيداً للانكسار الحادّ في دلالة النّص مع (الزّمان الخلاسيّ) في المشهد الرّابع، وهنا نستطيع سرد المشهدين بشكل متوالٍ لكي نستطيع ملاحظ حدّة التّحوّل والانكسار:

في الزّمان النّحاسيّ

تصدق كلّ النّبوءات

والحلم يحصد نبت البحار.

يُقلّب "سيف بن ذي يزن" سيفه

حائراً

باحثاً عن معينٍ

يعيد إلى القدس أحلامها العسجديّة

يبدّل "كسرى" بـ "مسروق"

إنّ جحافل "وهرز" تقتطف النّصر

والجزية السّرمديّة:

"من مثل "كسرى" شهنشاه الملوك له

أو مثل "بهرز" يوم الجيش إذ صالا"

"فاشرب هنيئاً عليك التّاج متّكئاً

في رأس "غمدان" دار منك محلالا"

***

في الزّمن الخلاسيّ

تغتال أسماءَها الأحرف اليعربيّة

تُستبدل الضّاد

تجتث أعراقها الأبجديّة

يشكو "الإياديُّ" عدل الإمام "ابن شروان"

يا لإياد الشّقيّة:

"إنّي أراكم وأرضاً تُعجبون بها

مثلَ السّفينة تغشى الوعثَ والطّبعا"

"في كلّ يوم يسنّون الحراب لكم

لا يهجعون إذا ما غافل هجعا"

"وقد أظلّكُمُ من شطر ثغركُمُ

هولٌ له ظُلَمٌ تغشاكمُ قِطّعا".

تبدو جليّة حدّة الانكسار في المشهد الرّابع، وهو مشهد (الزّمان الخلاسيّ)، حين يعين الرّمز اللّغويّ (الخلاسيّ) نعتاً أو وصفاً يسهم في تعميق حدّة الانكسار من خلال إضافة زمان جديد إلى الأزمنة التي مرّت بالعالم عموماً، والعرب خصوصاً، فإن كانت السّذاجة أو البساطة مع السّعادة والجمال قد حلّت على المجتمع البشريّ في الزّمان التّرابيّ، تبعها علوّ لصوت الجلال من خلال ارتفاع شأن العرب في الزّمان الرّصاصيّ، لتختلط قيم (الجلال والجمال والخير والسّعادة) ومعادِلاتها الموضوعيّة في الزّمان النّحاسيّ، فإنّ قيم الجمال السّلبيّة تلقي بثقلها على أمجاد العرب، فيحلّ (الظّلم والجور والذّلّ والهوان)، ولا صوت يعلو فوق صوت الشّؤم.

وبعد أن كانت الأحرف العربيّة تزهو بأسماء أصحابها، لأنّهم مجّدوا تلك الأسماء بأفعالهم، صارت الأحرف اليعربيّة تغتال أسماءها لأنّ "النّاس في حياتهم العاديّة يربطون بين الأعلام ومجموعة من الصّفات المعيّنة، شعروا بذلك وقت التّسمية أم لم يشعروا، فقد تكون تلك الصّفات مرتبطة بهذا العلم في عقلهم الباطن".

ولا تحتمل الأحرف اليعربيّة أن ترى (الإياديَّ) يشكو عدل الإمام "ابن شروان" ليحضر نصّ لقيط بن يعمر الإياديّ الغائب بأبعاده ودلالاته التّاريخيّة مسهماً في تشكيل فسيفساء النّصّ وتعميق حدّة التّحوّل والانكسار فيه.

ويعبّر الانكسار الحادّ في آخر مشاهد النّصّ عن حالة من الضّياع في زمان يجدر به أن يكون بلا اسم ولا معنى، فتأتي التّهنئة السّاخرة على ما آل إليه زمان مجد العرب الغابر الذي تحوّل من حماية الثّغور والقلاع والحصون وتشييد صروح العزّ والمعالي إلى زمان الذّل والهوان بمعادلاته الموضوعيّة في هذا النّصّ من (تقبيل للّحى والعمائم) و(استنجاد بالرّقى والتّمائم)، حيث تختلط مشاعر الحزن والأسى والذّلّ والهوان وما رادفها أو قاربها، وتبدو جليّة في قول الشّاعر:

هنيئاً لثوّارنا

في ثغور العواصم

يقيمون صرحاً

من الخَزَف الفارسيّ المنمّق

يبوسون كلّ اللّحى والعمائم

يسلّون سيف الكرامات

والمعجزات

يُعيدون مجد الرّقى والتّمائم

يصلّون في معبد النّار

يمشون في ركب "ماني"

ليوم الخلاص

يديرون في حفل "قورش"

نخب الهوى البابليّ المُعتّق.