جمالية التحول الرمزي .. دراسة في تجربة خليفة الوقيّان الشعرية (2 / 7)

تطوّر ملحوظ في التّجربة الشّعريّة

• التّحوّل الرّمزيّ ضرورة ملحّة:

عبّر الشّاعر الكويتيّ خليفة الوقيّان في مرحلة مبكّرة من مراحل إنتاجه الفنّيّ عن حتميّة تطوّر النّصوص الأدبيّة على المستويين الشّكليّ والدّلاليّ انسجاماً مع سيرورة الحياة وتطوّرها وتحوّلاتها المستمرة، وجاءت مجموعاته الشعريّة المتوالية بدلالات عناوينها ومضامين نصوصها تعبيراً عن تحوّلات الحياة وتطوّراتها.

ويظهر هذا جليّاً في عناوين أولى مجموعاته الشّعريّة، وهي: "المبحرون مع الرّياح 1974، وتحوّلات الأزمنة 1983، والخروج من الدّائرة 1988"، لذلك نراه يرفض أن تكون مجموعة شعريّة ما استنساخاً لمجموعة أخرى، أو بالأحرى يرفض أن يكون نصّ ما تقليداً لنصّ آخر، "الأمر الذي يقود إلى تطابق الأنماط، وسدّ منافذ التّنوّع والخصوصيّة. ولذلك أصبحنا نقرأ تجارب مكرورة، يقلّ فيها الجيّد أو المبتدع، ويكثر فيها الرّديء أو المسخ. وأمست القصيدة تغني عن المجموعة الشّعريّة، والمجموعة تغني عن عدد من المجموعات".

يستحيل في الفنّ أن تتطابق التّجربة الشّعريّة عند شاعر وآخر، أو عند الشّاعر ذاته في نصّ وآخر، لذلك لا بدّ لنا من أن نلمس تطوّراً ملحوظاً في التّجربة الشّعريّة بين مجموعة شعريّة وأخرى لاحقة بعدها. وأكثر ما تتجلّى تطوّرات التّجربة الشّعريّة وتحوّلاتها الرّمزيّة في المستوى الدّلاليّ.

وفي عمليّة انتقاء عشوائيّ لمجموعتين شعريّتين يفصل بينها قرابة عشرة أعوام من تجربة خليفة الوقيّان الشّعريّة نلحظ - ومن دلالة العنوان في هاتين المجموعتين - تحولات واضحة، ومقولات مختلفة يحملها كلّ من عنوان "تحوّلات الأزمنة 1983" و"حصاد الرّيح 1995".

أدرك الوقيّان فكرة التّحوّل الرّمزيّ في دلالة الرّموز التي تعبّر عن فكرة تحوّلات الحياة وتطوّراتها، وبدا ذلك واضحاً في عنوان مجموعته "تحوّلات الأزمنة" الذي يشير إشارة واضحة إلى ذلك الفهم والإدراك، لكنّه، وعلى ما يبدو، لم يكن يتصّورها بتلك الحدّة التي يشير إليها عنوان مجموعته الشّعريّة "حصاد الرّيح 1995"، وبشكل خاصّ حين ننظر إلى عنوان المجموعة الشّعريّة بوصفها مفتاحاً دلاليّاً للولوج إلى عوالم الشّاعر من خلالها، و"قراءة المفاتيح أهمّ عمل يقوم به القارئ المبدع للولوج إلى معنى النّصّ، والعنوان عتبة من عتبات النّصّ، وأهمّ مفاتيحه، فهو الإشارة الأولى التي يرسلها النّصّ باتّجاه القارئ، وقد يكون العنوان واضحاً وبخاصّة في القصيدة الرّومانسيّة، وحينذاك لا يحتاج القارئ إلى جهد عظيم للبحث عن مفاتيحه، فعنوان مثل "المساء"، "الغروب"، "الدّمعة"، "الألم"، "الصّرخة"، "الخريف"، "الكآبة"... إلخ لا يحتاج من القارئ سوى قراءة ليكتشف بعدها أنّ مفتاح القصيدة في عنوانها، وأنّ العنوان هو الدّليل إلى النّصّ أو مضمون القصيدة ومحتواها".

يحمل الرّمز الفنّي طاقات دلاليّة واسعة الأطياف من خلال ما يتّسم به من صفات جماليّة تخيليّة إيحائيّة وانفعاليّة وسياقيّة وحسّيّة فريدة يختصّ بها من جانب، ومن تقاطعاته في مجموعة من السّمات مع الرّمز أو العلامة في اللّغة بصفاتها العرفيّة الاصطلاحيّة التي تشير إلى شيء من الاصطلاح في مجال التّواصل بين المرسل والمتلقي. حيث "تتميّز أداة الأدب برمزيّتها المطلقة فالكلمة حقيقة صوتيّة أو كتابيّة وتحمل وظيفتها الدّلاليّة بإثارة الصّور المادّيّة والذّهنيّة في التّصوّر والذّاكرة وفق أعراف لكلّ مجتمع لغويّ: العربيّ، الفرنسيّ، الإسبانيّ...ذلك أنّ أبناء اللّغة يربط بينهم اتّفاق وعرف يجعلان ذاك التّردّد الصّوتيّ (أو التّشكيل الكتابيّ) يشكّل هيئة أمر من الأمور أو صفة نفسيّة أو فكرة لدى المخاطب.

يلتقي الرّمز الفنّيّ في الأدب مع الرّمز اللّغويّ، لكونه علامة من العلامات أو لكونه دالاً ذا مدلول مع فارق يتجلّى في "أنّنا في اللّغة أمام مرحلتين الأولى هي الأصوات أو الكتابة (الكلمات)، والأخرى هي الصّورة المستحضرة من الذّاكرة، والرّبط بينهما هو الدّلالة اللّغويّة المرتكزة على العرف اللّغويّ، وعلى هذا النّحو تحقّق العمليّة اللّغويّة وظيفتها: الاتّصال، وردود الأفعال مادّيّة وذهنيّة ونفسيّة.

أمّا في الطّرف الأدبيّ فنحن أمام رمز (على اختلاف أشكاله) ندرك قيمته الدّلاليّة المميّزة، وفي جانب آخر تبرز التّجربة (السّياق) الشّعوريّة أو الموقف، والارتباط بين هذين هو الفاعليّة الرّمزيّة فتنهض الانفعالات وتموج الرّؤى، وتغلي الأحاسيس في النّصّ، وينتقل إلى القرّاء والمستمعين ليتجلّى التّواصل، وهو ذروة العمل الأدبيّ في خروجه من ذات الشّاعر إلى نفوس الآخرين".

يستفيد المبدع على نطاق واسع خلال النّصّ من سمتين مهمّتين يتّسم بهما الرّمز اللّغويّ هما "الإيجاز أو الاختصار من جهة والتّجريد من جهة أخرى فحروف اللّغة محدودة (الأبجديّة) والكلمات المكوّنة منها مهما تعدّدت الحروف فيها تظلّ قصيرة من حيث شكلها الكتابيّ ومدّة أدائها الصّوتيّ الفيزيائيّ، وأمّا التّجريد فهو واضح في انقطاع الصّلة المادّيّة بين هذه الرّموز وما تدلّ عليه من أشياء أو أفعال أو صفات إلخ... فالتّركيب الصّوتيّ الفيزيائيّ (أو الكتابيّ) (للبستان، أو البحر، أو النّادي، أو السّيّارة)، أو (أنقذ، أو استدرك) لا يعدّ جزءاً من هذه المدلولات".