جمالية التحول الرمزي .. دراسة في تجربة خليفة الوقيّان الشعرية (1 / 7)

الرّمزيّة تختلف عن الرّمز الفنّيّ

• الرّمز والرّمزيّة بين الثّبات والتّحوّل الدّلاليّ:

أظهرت النّزعة الكلاسيكيّة – منذ أرسطو - ميلاً واضحاً تجاه الرّغبة في التّقيّد بالقوانين العقليّة الصّارمة إلى أن بات (تمجيد العقل) وقانون (الوحدات الثّلاث) من أهمّ سماتها، ثمّ ولّد الالتزام المُتزّمت بتلك (القوانين/القيود) الشّكليّة رغبةً ملحّة في الخلاص منها، وبشكل خاصّ بعدما قدّس تلك القيود نفرٌ من الكتّاب دون دواعٍ أسلوبيّة - مضمونيّة في كثير من الأحيان.

ثمّ جاءت الرّومانسيّة بوصفها ردّة فعل طبيعيّة على إسراف الكلاسيكيّة في الوضوح والتّقيّد بالقوانين الشّكليّة؛ فأعلت من شأن العاطفة ومجّدتها مع الحرّيّة إلى أن أغرقت في توصيف العواطف، وأسرفت في تقرير الكثير من المشاعر الإنسانيّة، فكان لا بدّ من إحياء الخصائص الفنّيّة في النّصوص الكلاسيكيّة والرّومانسيّة.

ثمّ علا شأن الرّمزيّة مدرسةً قديمة جديدة في آن واحد، تستفيد في هندستها الشّكليّة من الكلاسيكيّة؛ وتساعد (الشّاعر/المُرسل) على إعادة بناء الشّكل القديم وفق ما يقتضيه المضمون الجديد، ومن هنا تعدّى المستوى الإيقاعيّ في النّصّ الرّمزيّ حدود الشّكل الإيقاعيّ الجامد، وصار المستوى الإيقاعيّ في ذاته رمزاً ذا حمولة دلاليّة يحتاج إلى إعمال العقل من أجل الوقوف على جماليّة دلالاته ومعانيه. وضمن المستوى الإيقاعيّ ذاته استطاع الرّمزيّون استغلال القيم الصّوتيّة في الرّموز اللّغويّة، كما واءَموا بين أصوات الرّمز اللّغويّ ودلالته؛ فتفجّرت طاقات الرّمز الإيحائيّة، وتجاوز (الرّمز اللّغويّ) قيمته الدّلاليّة المعجميّة البسيطة، ودخل حيّز جماليّة (الرّمز الفنّيّ).

يمكننا أن نستفيد من مقارنة موجزة بين ثنائيّة (الرّمز اللّغويّ/الرّمز الأدبيّ أو الفنّيّ)، حيث تقع معظم جماليّات الرّمز اللّغويّ ضمن دائرة النّقاش حول العلاقة الاعتباطيّة أو الذّاتيّة المباشرة بين الدّال والمدلول.

وقد تأسّست معظم دراسات الرّمز اللّغويّ انطلاقاً من آراء دو سوسير إلى أن جاء جورج مونان، وأشار إلى أنّ موقف سوسير من العلاقة بين الدّالّ والمدلول غير واضحٍ بشكل دقيق، "فهو حيناً يكون لديه مرادفاً (للتّصوّر) أي المفهوم النّفسيّ المنطقيّ، وحيناً آخر يكون مرادفاً (لشيء) أي مفهوم كائن يمكن أن يكون مادّيّاً سواء أكان نفسيّاً أم منطقيّاً، برغم أنّه ينبّه إلى أنّ الكلمة لا تتكوّن من رابط بين صوت وشيء. وقد حاول المنطقيّون واللّغويّون الذين تبعوا سوسير أن يفحصوا هذا الجانب ويعيدوا بحثه.

لكنّ ارتباط الرّمز الأدبيّ بوحدة النّصّ العضويّة يزيد من قيمته الجماليّة ضمن نسيج الصّورة الفنّيّة، لأنّ رموز الصّور الفنّيّة "تحمل القدرة على الإيحاء الرّمزيّ بمعناه الفنّيّ، داخل الصّورة الكلّيّة، وخارجها مع إعطاء وجود الرّمز في الصّورة ذاتها أكثر من دلالة، تعمل على بثّ الثّقة في صحّتها رغم تعدّدها"، وتأسيساً على هذه الفكرة "تعقد المقارنة بين الرّمز اللّغويّ والرّمز الأدبيّ لإظهار مفارقات بينهما، ونرغب في ابتناء تناظر يقدّم ما هو مشترك وما هو مختلف بين هاتين الأداتين من أدوات الاتّصال والتّوصيل".

تختلف الرّمزيّة عن الرّمز الفنّيّ لأنّها مدرسة أدبيّة أو وسيلة وطريقة في الأسلبة الفنّيّة أكثر من كونها عنصراً تركيبيّاً، وقد عُرّفت بأنّها "وسيلة من وسائل الإفصاح والتّعبير، ونوع من الدّلالة التي يلجأ إليها الإنسان كالشّواخص والإشارات ونحو ذلك".

في حين يُنظر إلى الرّمز الفنّيّ على أنّه "صورة الشّيء محوّلاً إلى شيء آخر، بمقتضى التّشاكل المجازيّ، أو أنّه "موضوع يشير إلى موضوع آخر. لكن فيه ما يؤهّله لأن يتطلّب الانتباه إليه لذاته، كشيء معروض"، كما عُبّر عنه بأنّه: "كناية قلّت فيها الوسائط مع خفاء اللّزوم بلا تعريض. مثل: فلان عريض الوسادة أو عريض القفا، أي بليد أبله".

وقد وصل الرّمزيّون، في وقت لاحق، إلى مرحلة تعطيل الدّلالة اللّغويّة للرّموز، كما عزلوها عن سياقاتها التّركيبيّة المألوفة، ونفضوا الغبار عن ألفاظ قديمة مهجورة، وأدخلوا إلى الحيّز الشّعريّ مفردات جديدة، ثمّ عملوا على التّوظيف الجماليّ (لِتراسل الحواس) أو تبادل معطياتها؛ فأبدعوا في تقديم الأصوات الملوّنة، والرّوائح الملموسة، وشكّلت تلك العناصر مع هندسة القصيدة الشّكليّة مجموعة من الرّوافد الجماليّة في تكثيف دلالة الرّمز اللّغويّ خصوصاً، وأدّت إلى انتقال كثير من الرّموز اللّغويّة إلى حيّز جماليّات الرّمز الفنّيّ، وظهرت لمسات الرّمزيّين الفنّيّة في نظريّة الإيحاء الرّمزيّ على نحو لافت.

عبّر الإنسان عن ميله إلى الطّريقة الرّمزيّة في التّعبير عن أفكاره ومعتقداته عبر مراحل التّاريخ الطّويلة عموماً، والمتأزّمة خصوصاً. وقد نتج عن وعي المبدعين لدور الطّريقة الرّمزيّة في التّعبير اهتمام واسع بالرّموز، وتعويل كبير على دورها في نقل أدقّ الدّلالات غموضاً أو استعصاءً، "ونستطيع أن نلمح الميل الرّمزيّ في الإنسان في أحوال كثيرة في مراحل حياته منذ طفولته. فإنّا نرى الطّفل يميل إلى أن يضفي صفاته على الأشياء التي تحيط به، حتّى إنّ الفرق عنده بين ما هو حقيقيّ (موضوعيّ) وما هو خياليّ (ذاتيّ) طفيف مبهم، ونجد في لغة الأطفال كثيراً من الرّموز لحقائق الأشياء وأصواتها، فهم يضعون لصوت القطار أو لصوت الكلب أو القطّ أو نحو ذلك حروفاً خاصّة.

وكذلك الإنسان البدائيّ يتصوّر في الأشياء غير الإنسانيّة صفات إنسانيّة: فالبحر والأشجار والنّجوم وغير ذلك قد منحت الحياة في نظره، أو هي على الأقلّ خاضعة لقوّة فيها حياة. ومن هنا تنشأ هذه الصّلة المستمرّة طول الحياة بين الإنسان وما يحيط به".

وقد أشار نفر من النّقّاد إلى الطّبيعة الفلسفيّة اللّاهوتيّة للرّمز، وهذا لا يؤّثّر في وظيفة الرّمز الفنّيّة "لأنّ استعمال الرّمز تجاوز بمرور الوقت هذه الوظائف. بعد أن حلّ الخطاب المباشر الواضح في تفسير الأحكام والشّرائع والأفكار محلّ التّرميز، الذي كان متناسباً مع العقليّة، التي كانت تعتقد بصحّة ما يستعمل رمزاً لتوجيه سلوك الإنسان، أو يكشف عن أسرار الكون. وقد تفرّغ الأدب لهذه المهمّة، فأصبح التّرميز مَعْلَماً من معالمه، وإنجازاً يحتفظ بأهمّيّة كبيرة فيه".

استخدم الإنسان الأوّل، وفقاً لآراء أبي القاسم الشّابّيّ، الرّموز المجازيّة، ونظر إلى دلالاتها على أنّها دلالات حقيقيّة، والإنسان الأوّل "حين يقول مثلاً ماتت الرّيح، أو أقبل اللّيل، لم يكن يعني منه معنى مجازيّاً، وإنّما كان يعتقد أنّ الريّح قد ماتت حقّاً، وأنّ اللّيل، قد أقبل بألف قدم وبألف جناح، يدلّ على ذلك ما في الأساطير من أنّهم كانوا يؤمنون بأنّ الرّيح واللّيل إلهان من الآلهة الأقوياء، وتلك هي سنّة الأقدمين فيما حولهم من مظاهر الطّبيعة ومشاهد الوجود، ينفخون فيها من روح الحياة على ما يوافق مشارب الإنسان، وطبيعة تلك المظاهر، حتّى إذا استفادت "أنس الحياة" وأصبحت تشاركهم في بأسها الدّهور ونعمائها، وتساهم أفراح الوجود وأتراحه - على ما يخالون - ذهبوا يقيمون لها طقوس العبادة وفرائض الجلال، فإذا بها آلهة خالدة بين آلهتهم الخالدة، وما أكثر آلهة الإنسان عند الإنسان".

تعرّض مفهوم (الرّمز الفنّيّ) لخَطَل التّقويم بالاستناد إلى مقاييس ليست من طبيعته، وقد كان ذلك الخطل سبباً من أسباب تعدّد تعريفات الرّمز الفنّيّ وتناقضها في بعض الأحيان، لكنّ معظم تلك التّعريفات تشير إلى ما للرّمز الفنّيّ من وظائف جماليّة تجعله مقترناً بالدّلالة الكلّيّة للسّياق الذي يحتويه، فضلاً عن دلالته الخاصّة به، التي تمنحه بعداً جديداً لا يماثل ما هو عليه في سياقه، وقد حدّد (وبستر) الرّمز بأنّه شيءٌ "يعني أو يومئ إلى شيء عن طريق علاقة بينهما، كمجرّد الاقتران، أو الاصطلاح، أو التّشابه العارض غير المقصود".

وقد نظر نورثروب فراي إلى الرّمز على أنّه: "أيّة وحدة من أيّة بنية أدبيّة يمكن عزلها بغاية التّمحيص النّقديّ. وأيّة كلمة أو عبارة أو صورة استعملت بنوع من التّخصيص" (وهو ما تعنيه عادة كلمة رمز) إنّما ينظر إليها على أنّها رمز مادامت عنصراً يمكن فرزه في التّحليل النّقديّ".

بهذا المعنى تكون حتّى الحروف التي يهجّي بها كاتب كلماته إنّما تشكّل جزءاً من رمزيّته: إذ يمكن عزل هذه الحروف في حالات خاصّة، مثل الجناس أو النّطق بلهجة محلّيّة، ولكنّنا نظلّ عارفين بأنّ هذه الحروف ترمز إلى أصوات".

وتقود كلّ التّعريفات السّابقة إلى فهم خصوصيّة الرّمز الفنّيّ الذي يتميّز "بأنّ ما فيه من إشارة ليس أساسه المواضعة، أو الاصطلاح كما هو الحال في الرّموز العامّة، وإنّما أساسه اكتشاف نوع من التّشابه الجوهريّ بين شيئين اكتشافاً ذاتيّاً غير مقيّد بعرف أو عادة فقيمة الرّمز الأدبيّ تنبثق من داخله، ولا تضاف إليه من الخارج".

د. مهنا بلال الرشيد - باحث سوري يعمل في الكويت