جماليات التوازن في الغزل الدفاعي: قراءة في قصيدة 'بستان حنان'

دعْ عقلَكَ ينمو في كفّيها

• القصيدة

حجمُ دماغِكَ ..

ليسَ دليلَ ذكائِك

وبريقُ العينين

قد يُخفي حبًّا أو بُغْضا

أما دفءُ الكفّين

يعني أنَّ شرارةَ حُبٍّ

تتطايرُ في القلبينْ

دعْ عقلَكَ ينمو في كفّيها

وستزدادُ خلايا المخِّ ذكاءً

وضياءْ

تسقطُ كلُّ قوانينِ الفيزياءْ

في لمسة دفءٍ للأعضاءْ

تتبدَّلُ جيناتٌ ..

يتَّسعُ فضاءْ

لا تنظرْ داخلَ جسمِك

أُخرجْ للنورِ وللمستقبلْ

لا تقلقْ من حجمِ ذكائِك

أو من بعضِ غبائِك

فالأنثى قد تعشقُ

مَنْ هوَ أدنى منها

وتحطِّمُ نظريةَ "ملكات النحل"

ها أنتَ تدورُ أمامَ العقلِ

تصرُّ على إشعالِ الوعي ..

على ترتيبِ الأحلامِ ..

وتنظيفِ النسيان

دعْ عقلَك ينمو في كفّيها

فهي سياجُ أمانْ

وحديقة فَرْحٍ ..

بستانُ حنان.

في مقطوعات ثلاث، وباستخدام المونولوج الداخلي، وعلى طريقة فحول الشعر العربي استعان الشاعر أحمد فضل شبلول بالتجريد؛ متخذا من ذاته الخصم والحكم في دفاعه عن الأنثى ضد بعض ما وجه لها من هجمات فحولية، كنوع من التعمية الاجتماعية ضد حقائق كونية أيدتها سيادة الفحل، ومعتقدات أخرى، ليدلل على أن المساواة هي أصل الحقائق الكونية، وكنوع من أنواع المداعبة الطريفة و"الغزل الدفاعي" ـ إن جاز التعبيرـ جرّد من ذاته شخصا آخر، وأخذ يحدثه في ثلاث غمزات غزل دفاعي:

• المشهد الأول: حضور الأنثوي وطرح القضية:

والحضور هنا إما ذهني أو تجريدي، في "ك" ضمير المخاطبة فقد جرد الشاعر أو تخيل وجود أنثى يحاورها، والحديث لذاته في الوقت ذاته محاولا إقناعها بحقيقة الفرضية التي يتخذها في مطلع القصيدة، وهذه الفرضية تقتضي مقدمتين"

المقدمة الأولى: حجم الدماغ: وهي عبارة عن إضافة وملكية وحدات قياس، فهنا حجم، والحجم مجسم يتم وزنه أو قياسه، المعيار أو المقياس العام الذي يقاس به هذا الحجم والمتعارف عليه هو "العرف الاجتماعي" فاذا أضيفت كلمة "الدماغ" إلى كاف المخاطبة هنا يبدأ طرح المشكلة ، وتقودنا إلى؛

المقدمة الثانية: ضمير الخطاب: "دماغك" هنا وبالتعريف والتخصيص تكمن المشكلة، وتبدأ المرجعية الاجتماعية، أن كل أنثى، حجم دماغهن صغير، ومن ثم هن ناقصات عقل.

النتيجة:

الفرضية أنثوية والطرح ذكوري، من ثم تكون الغلبة لفعل الفحل، لكن على غير المتوقع يبدأ الشاعر في مداعباته وغزلياته الدفاعية عارضا ما يستدعي التريث والسكينة في وقفة تتابعية، وطرح نتيجة تحتمل دفاعا وهجوما:

"ليس دليل ذكائك"،

ويأتي العطف أيضا بما يحمل من جمع بين ضدين ليزيد المسألة تعقيدا، في الجمع بين (الذكاء، وحجم الدماغ)، (بريق العين، وما يوحي به) وإن كان ذلك في حد ذاته إنصافا للأنثوي فهو لا يستطيع أن يرى ما في قلبها أو عقلها من المشهد الخارجي أو الصورة العامة، والمنظور الاجتماعي، فيفرض بعدا آخر لسلسلة الاحتمالات وفرضيات النتائج، وهي نسبية العرف أو المشاع اجتماعيا، لتأتي دور العاطفة مدللة على ذكاء الأنثوي وهو نتيجة، وهذا الذكاء يشمل ("الذكاء الفكري" يستمده منها الفحل" + الذكاء العاطفي).

والذكاء العاطفي هذا مخبوء في بريق عين الأنثوي فهو لا يظهر إلا في وجود الشريك فيتحول الضمير من غائب مفرد أو مفرد مخاطب إلى ثنائي مع مقدمات الحب "شرارة حب" ليبدأ فعل الوصل بديمومة واستمرارية المضارعة "تتطاير في القلبين" ويحيل إلى الآثار المتعاقبة لفعل الوصل والاندماج فيبرز الذكاء الفكري كأثر فعل الأنثوي في الفحل:

"دع عقلك ينمو في كفيها

وستزداد خلايا المخ ذكاء

وضياء........."

ونلاحظ هنا براعة الاختيار للفعل "ينمو" مع المضارعة استمرار عطاء الأنثى فرضية تحتم استمرارية النمو العقلي للفحل، فيكون ذكاء الفحلة محض منح أنثوي، يعلي به الشاعر من احتمالية الفرضية الثانية بل يؤكدها وهو "الذكاء الأنثوي" لتسود سيطرة الأنثوي على فحولية الطرح.

• المشهد الثاني: تغييب الذات، وإعلاء القيمة:

هذا المشهد هو نتيجة للمشهد الأول، (حب + تواصل) صفر كف الميزان الذي تتوازن به حياة الطرفين، وفي حالة الصفر ينتظم المشهد فتتلاشى القوانين، فيتوالد معادل موضوعي جديد يبعث التشويق، ويدعم استمرارية التواصل والتجاذب بين طرفي القضية:

"تتبدل جينات.....

يتسع فضاء"

هو نتيجة توحد خصمين، فيحدث تغيير هذا التغيير ملموس وذو أبعاد، أبعاده هي النتيجة التي طرحها الشاعر في السطر الشعري الثاني:

"يتسع فضاء"

هنا لم يعد هناك "أنا" على مستوى الطرفين، بل أصبح محيطا وفضاء لتشمل الأنا في ظلها الآخر فيتحول الضمير إلى سكوني، في حالة من الفرحة العارمة تشمل المحيط الأسري، وديمومة الفرد، فيطبع التفكير بطابع "الإدراك والشمولية" للمتغير الحياتي، فيلغي الشاعر وهو يحاور ذاته دافعا لها الانطلاق ممسكا بالدافع ومذكر للذات، لم يعد هناك ما كان"

"لا تنظر داخل جسمك

أخرج للنور وللمستقبل"

• المشهد الأخير: الاستقرار، إيمان بدور الأنثوي:

المشهدان السابقان محاولات إقناع الفحل بدور وأهمية ومكانة الأنثوي في حياته، أما وقد قنع، فهذه عودة على ذي بدء، يعود بها الفحل في حواره الذاتي وقد استقر أخيرا على أهمية دور الأنثوي في حياته، واقتنع وأيقن من ذكائه، بل وصل هذا اليقين حد الإعلاء من ذكاء الأنثوي مقارنة بالفحل، ومن ثم هو يعرض على طريق (السخرية، النفي، والتردد) كيف سيتمكن من إقناع الأنثوي به؟

فيعود مرة ثانية إلى الذكاء العاطفي، تلك المنحة، والهبة التي قد تسمح للأنثوي أن يتنازل ويقبل من هو أقل منه ذكاء، وهنا يستخدم الشاعر "قد" ليوحي بالاحتمالية، ويعود إلى الفرضية مرة أخرى، بينما يأتي فعل "التحطيم" بعنفه وقوته ليدعم رؤية الشاعر ويدفعه لخوض التجربة، ويستقر به الأمر في إفاقة تامة مستخدما "ها" التنبيه؛ ليؤكد على أهمية الأنثوي وعقله، بل هو صميم العقل:

"ها أنت تدور أمام العقل

تصر على إشعاع الوعي

وتنظيف النسيان

دع عقلك ينمو في كفيها

فهي سياج أمان

وحديقة فرحٍ،

بستان حنان"

ومصدر الإلهام، وهنا ينتفض الشاعر منتصبا نافضا عن ذاكرته كل ما يحاول المجتمع أن يعتمه، ويعود إلى الجملة التي يكررها للمرة الثانية، فيدعو إلى أهمية المرأة ودورها، مستخدما بعض المغريات التي تمتلكها في صيغة دفاع توجه إلى المجتمع أو المخاطب القارئ للنص، وقد طرح الشاعر هذه المغريات، في صيغة الإخبار "جملة خبرية"

مبتدأ + خبر + مضاف إليه

هي + سياج + أمان

والملاحظ هنا أنه انتزع فعل الأمان المنسوب للفحل ليملكه للأنثوي.

محذوف للعطف وأهمية الخبر والمضاف إليه + حديقة + فرح.

وهذه الصيغة تكسب النص لونا من جماليات الغزل المعنوي، بالجمع بين الحديقة وشموليتها واتساع المكان، والفرح.

محذوف للتتابع مع أداة العطف وأهمية الخبر "عنوان النص" + خبر + مضاف إليه

بستان + حنان.

شمول العطف واحتواء الآخر وهنا يتبين أن الكاتب منذ لحظة مطلع النص ومن العنوان قانع بدور الأنثوي لكنها مغازلات دفاعية جرد فيها من ذاته شخصيات أخرى لمحاورة جمهور المخاطبين من قراء النص بأهمية دور الأنثوي في الوجدان البشري.

* القصيدة منشورة بعدد يناير/كانون الثاني 2018 بمجلة "الإمارات الثقافية"