'جلد حي' يكشف عن أطفال المدابغ بمهرجان أبوظبي السينمائي

القاهرة
'دافع شخصي وراء فيلمي'

كشف المخرج الشاب فوزي صالح أن وراء فيلمه الروائي الوثائقي الطويل "جلد حي" المشارك في مسابقة آفاق جديدة إحدى مسابقات مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي في دورته الرابعة دافع شخصي، وقال "كنت طفلا عاملا -عملت منذ سن العاشرة- وأكل سوق العمل طفلوتي لذا أقف بشدة ضد عمالة الأطفال، وما بالك وھم يعملون في مھنة لا تكتفي بسلب طفولتھم وحسب بل تمنحھم الموت بما يتعرضون إليه من مواد كيميائية سامة، لذا "جلد حي" فيلم ذاتي، أتحدث فيه عن نفسي مسترجعا شقاء طفولتي من خلال الأطفال الذين يظھرون بالفيلم ؛ محاولا البحث عن الأسباب التي تدفع بھؤلاء الأطفال إلى سوق العمل .

وأضاف "الاحتفاء بھؤلاء الأطفال -والناس في المكان- بوصفھم أبطال حقيقيون، لكنھم منسيون ومھمشون خلف سور المدابغ، ويستطيعون رغم الظروف الاقتصادية أن يمارسوا بعضا من إنسانيتھم عبر علاقات الحب والصداقة، كذلك احتفائھم بالحياة ومتعھا المتاحة لھم بالرقص والغناء وخلافه".

وقال فوزي صالح "تطوعت لمدة عام بإحدى المراكز الحقوقية المھتمة بأوضاع الأطفال فى مصر وخاصة بالأطفال العاملين، وأدركت من خلال ھذا العمل أن تشريعات العمل المصرية تجرم عمالة الأطفال فى المدابغ، كما عايشت ھذه المرة عن قرب تعامل الأطفال مع مواد كيماوية شديدة السمية والخطورة".

وحول الحصول علي فكرة الفيلم قال "فى صيف العام 2008 أثناء عملي مع المخرج الفلسطيني" رشيد مشھراوي "كباحث ومساعد مخرج في فيلمه التسجيلي" الأيادي الصغيرة " (إنتاج قناة الجزيرة للأطفال)، عرضت عليه التصوير مع الأطفال العاملين بالمدابغ، وبالفعل عاين المكان لكنه وجھني لأصنع فيلما عن ھؤلاء الأطفال خاصة وأني عشت بالمكان وتربطني بالعديد من اھله صلات صداقة، شرحت له صعوبة توفير تمويلا لإنتاج فيلم كھذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لكوني مخرج مبتدئ لم يسبق له تقديم فيلم طويل من قبل، لكنه ساعدني للبحث عن تمويل باتصالات شخصية مع منتجين من خارج مصر أو بالتقديم للحصول على منح إنتاجية".

وأضاف "استغرق العمل في مرحلة البحث والإعداد قرابة الخمسة أشھر، نظرا لمعرفتي السابقة بطبيعة العمل واحتياجاته. حددت حاجة الفيلم لثلاث شخصيات تعمل في المھن الثلاث الرئيسية داخل المدابغ وھي :العربجي ـ عامل المدبغة ـ عامل أبراج تجفيف الغراء في ورش تصنيع الغراء".

و"بالبحث الميداني لم نوفق في العثور علي طفل يعمل بأبراج تجفيف الغراء ويوافق علي التصوير، فغيرنا الوجھة ليحكي الفيلم حكاية شخصيتان رئيسيتان وليس ثلاث شخصيات، وبالبحث تبين لنا وجود مھن ھامشية داخل المدابغ يعمل بھا أطفال كمھنة إصلاح المعدات المستخدمة في عملية الدباغة، و مھن تلي عملية الدباغة كمھنة رش الجلود ويعمل بھا الكثير من الأطفال ويتعرضون لاستنشاق المواد الكيماوية السامة المستخدمة في عملية تلوين الجلود فى غياب أية معايير للأمان الصناعي، واجھتنا صعوبات في الحصول علي الموافقة بالتصوير واصطدمنا كثيرا بموافقة الطفل ومعارضة الأھل أو العكس، مما عرقلنا كثيرا، حيث يحتم قانون الطفل المصري موافقة ولى أمره على تصويره.

و"تم التوصل لموافقة 25 طفل توافق أسرھم على التصوير، وتمت تصفيتھم واختيار 9 أطفال منھم للظھور في الفيلم، بعد اختيار الشخصيات تم تحديد نقاط الحوار معھم، ومعاينة الأماكن المرشحة لتصويرھم بھا، ومن خلال المعاينات الميدانية لأماكن التصوير تم اختيار الأماكن النھائية، وبدأت فى كتابة نھائية لسيناريو الفيلم، وقررت الاستغناء عن المقابلات الشخصية المباشرة المواجھة للكاميرا حيث يجلس الطفل مثلا و يتحدث للكاميرا مستعيضا عن ذلك بمحاورة شخصيات الفيلم أثناء ممارستھم للعمل".

وأكد أنه من الناحية البصرية لم تظھر المدابغ عبر أي وسيط بصري باستثناء فيلم روائي طويل مصري "أسوار المدابغ" قدم بمنتصف الثمانينات، ولم تظھر فيه المدابغ من الأساس ولم يتناول سوى صراعات كبار التجار على النساء والمال .

وانتقد التنميط الذي تتعامل به أغلب الأفلام المصرية في تناولھا للقضايا الاجتماعية حيث يسود الجانب التعليمي والوعظي "الإرشادي" فى تناول مثل ھذه القضايا، وھو ما أحاول تجنبه بصنع أفلام تتحاور مع المتلقي، بدفعه للسؤال و البحث .

وأوضح أن "جلد حي" فيلمه الأول الطويل سواء في مجال الأفلام الوثائقية أو الروائية ولم يقدم قبله سوي تجريبي قصير وعدة برامج وثائقية لصالح منظمات أھلية وقنوات تليفزيونية وأضاف "أحاول من خلاله فتح طرق جديدة لتمويل مشاريع مشابھة نظرا لما تجده مثل ھذه المواضيع من صعوبات إنتاجية داخل السوق الإنتاجي السائد بمصر؛ حيث لا تجد مثل ھذه الأفلام الحماس من جھات الإنتاج المصرية الممولة للفيلم الوثائقي لأن أغلب ھذه الجھات تتبع للحكومة المصرية التى بدورھا لا ترغب في الكشف عن نتاج سياساتھا".

ورأى المخرج الشاب أن المزج بين الفيلم الروائي والفيلم التسجيلي، خاصة أن مشروعى القادم فيلم روائي طويل الذي أعمل عليه الآن يعتمد أيضا على لقطات تسجيلية، وأنه يؤمن أن الفنان صانع الأفلام له دور في تقدم مجتمعه عبر الأفلام التي يصنعھا أو الفن الذي يمارسه .

وقال "مشروع روائي طويل بعنوان" ورود سامة " تدور أحداثه بنفس المكان مدابغ مجري العيون عن ثلاثة شخصيات نشأوا بالمكان، وقد انتھيت من كتابته".

يذكر أن فوزى صالح ولد بالإسكندرية، وعاش في مدينة بور سعيد، بعد حصوله على ليسانس الآداب والتربية عام 2003 التحق بالمعھد العالي للسينما بالقاھرة لدراسة السيناريو، وأثناء دراسته عمل متطوعا في منظمات غير حكومية تھتم بحقوق الإنسان و حقوق الطفل، كما عمل فى السوق السينمائي المصري كمنفذ إنتاج ومساعد مخرج أول و ملاحظ حركة، قدم عددا من البرامج التوثيقية لمحطات فضائية وجمعيات أھلية ومنظمات غير حكومية، تخرج فى معھد السينما عام 2000ويعتبر فيلم "جلد حي" فيلمه الأول و لم يسبقه إلا فيلم تجريبي قصير "موكا – تجريبى – 4 دقائق"، إنتاج المركز القومي للسينما 2006.