جلال الدين الرومي .. الدوران حول مركز الدائرة

إن تكن تبحث عن مسكن الروح فأنت روح

منحنيات ضيقة وباردة ومظلمة، صرنا ندور فيها، تشبه دوائر الجن، حولها أسلاك شائكة وبالمنتصف بكاء طفل ملطخ بالدماء، الشوارع رغم ازدحامها تبدو خالية من الجمهور، أصوات الشوارع الصاخبة لا تكاد تصل لباب السماء الأول، زحف مشلول صوب الضوء. ينتهي بِنَا لمتاهات وأنفاق.

هذه الدوائر المغلقة ذكرتني بدائرة أخرى أوسع مفتوحة على الفضاء الشاسع، دائرة بدأ الدوران فيها قبل أكثر من ثمانية قرون. دوران تحول فيه الألم إلى حزن، والحزن إلى صمت، والصمت إلى إيقاعٍ ولغة عالميين، أثارت إعجاب الغرب والشرق معا. فكم أنتَ ثريٌّ حينما تَصْمت.

الدائرة التي أعنيها الْيَوْمَ دائرة جلال الدين الرومي، المسماة "الطريقة المولوية"، تلك الطريقة الصوفية التي أبتدعها جلال الدين الرومي (القطب الصوفي الكبير) فبدل ضجر الناس من الصور التقليدية بأخرى روحية في الآداب والفنون، فكان التصوف والدوران معه إصلاحا للقلب وتزكيةً للنفس التي يئست من الأوجاع والمنحنيات المظلمة.

وصار الإقبال على الله والحقيقة معاً بالعبودية، وبالهمة، وبالرياضة النفسية قبل الجسمية.

جاءت محاولته الناجحة والثرية بعدما دخل في الإسلام أممٌ شتى، وثقافات مختلفة، بل في فترة متأزمة تشبه ما نحن فيه الآن، فكانت حياته وظروف مجتمعه بها تماس مع ظروفنا الحاضرة. فما أشبه الْيَوْمَ بالبارحة، عاصر الرومي المغول والعالم يعاني من الهمجية والوحشية، والْيَوْمَ نعاني من التطرّف والإرهاب الداعشي.

فقدم بطريقته المولوية تحديثاً مبتكراً ورائداً في الخطاب الديني.

فجاء خطابه مفعماً بالنفحات النورانية والحكمة والوثبات الروحية وفتح الأبواب للأماكن المغلقة وانطلق نحو الفضاء الشاسع، كل هذا تمكن منه فقط بقوة البيان، والشاعرية، والخيال، والإيقاع الموسيقي.

إنه الرومي سلطان العارفين، الذي يقفز في ذهني بوضوحٍ وقوة الآن، ربما لأقارن بين صورتين، الأولى تنطلق من الشريعة للحقيقة، فيكون الإنسان فيها أكمل مظهرٍ تتجلى فيه الذات الإلهية، والثاني لم ير من الشريعة سوى إقامة الحدود ليكون فيها الإنسان أضعف مظهرٍ، والجثث فيها دوماً طازجة.

لم يكن الرومي صاحب لجج وجدل، كان وهو متدثر بمعطفه عريض الأردان، وبخصلات شعره المتدلية من قبعته التي تشبه القارب. إنساناً كونياً تجاوز كل الطرائق والبناءات المذهبية والدينية والعرقية، قرأ القرآن وتأمله فأدرك قوله تعالى:

{الله نُورُ السَّماوَاتِ والأَرْض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فيها مٍصْبَاحٌ المِصْباحُ في زُجَاجةٍ الزُّجاجةُ كأنَّها كَوكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقد من شَجرةٍ مُبارَكةٍ زَيْتونةٍ لا شَرقِيَّةٍ ولا غَرْبية}.

هكذا رأى الدين أكثر الأمور الخلافية في هذا العالم، نوراً ممزوجاً بالجمال والحكمة، فلجأ للقرآن والحديث بطريقة استكشافية متحدياً القراءات التقليدية، فبات بسيرته ومنجزه الفكري مادةً لعمل المستشرقين وخيال الكتاب، وكأنه مجمع الديانات.

الدين كان جلياً من خلال العباءة السوداء، والقبعة المخروطية، والصدرية البيضاء، والدوران صار حول قبول الآخر، والخير والإحسان، والتسامح، والإدراك بوساطة المحبة، فينتهي الدوران لعقل متدين إيجابي.

وحتى تتضح الصورة أكثر دعوني أصف لكم مشهد الدوران في الطريقة المولوية.

في الدائرة العابرة بين الموت والحياة، يمضي متلمساً طريقه، هكذا مولاي يعرف طريقه بالدوران والخطوات والإلهام الداخلي، يبدأها بتلاوة القرآن، ثم الابتهالات والأوراد، فيبدأ رئيس الزاوية بالقول "لا إله إلا الله" فيرد الدراويش مستغيثين "محمد رسول الله"، هنا ينتزعون العباءة السوداء وكأنهم ينفصلون عن وتيرة الحياة اليومية المحمومة، فلم تعد ضغوط الحياة تؤلم، بل لم يعد للموت رهبةً، فتظهر ألبستهم البيضاء الفضفاضة ويشكلون بأيديهم لفظ الجلالة (الله) وفجأة يتراءى على البعد الجبل شاهقاً، صامداً، لا مبالياً.

فالمولوية التي تنتسب إليه، بشعبيتها وفلسفتها تطوف في القارات الخمس، فتكون المشكاة واحدة ونور المصباح واحد قائم على وحدة الوجود ووحدة الفكر.

نعم كانت الطريقة المولوية، وكان معها جلال الدين الرومي من أكثر الطرق شعبية ومروراً وعالميةً، المثنوي صار أكثر الأشعار رواجا حتى في أميركا نفسها التي يجدر بها اسم كتاب ابن الجوزي "تلبيس إبليس"، والتي توصي لجنة الحريات التابعة للكونجرس أن تعتمد الحركات الصوفية للرومي وابن عربي، من التراث العالمي والطرق الفكرية الرائدة يبدو أن الموضوع أكبر من أغاني مادونا، والتفسير الهوليودي نفسه، حتى لا أتهم بأنني لا أرى من الأمر غير ذلك.

نعم أنا لأ أُروج للطريقة المولوية، وهذا لا يعني عدم احترامي لها ورؤيتي العقلانية لسر الدوران الذي أراه سنة كونيةً، فنحن في كوّن فسيح تعتمد الحركة فيه على الدوران، فالأرض، والشمس، والقمر كل في فلك يدورون ويسبحون، وجميع ذرات المواد الصلبة والسائلة والغازية تعتمد على ظاهرة الطواف والدوران، ألا تدور قطرات الماء في الدنيا من البحار إلى السماء، فالأرض عائدة إلى البحار مجددا، ولو لم يكن في الدوران حكمةً فما السر وراء الطواف حول بيت الله الحرام مركز التجمع الإشعاعي للتجاذب المغناطيسي للكرة الأرضية. فكيف الْيَوْمَ يتغافل الأحياء عن سر الدوران وحكمته، ولا يَرَوْن منه سوى الرقص والإيقاع فحسب.

إنما أردت من الدراويش وطريقتهم المولوية الدهشة والإعجاب من طريقة باتت سلمية وعالمية، وكأنها تهذيب للخطاب الديني الذي نبتغيه الآن، والذي ليس من الضرورة أن نقلده بل نبتكر طريقا جديدا نسلكه يقاوم تتار القرن الحادي والعشرين ويتناسب مع أمم وشعوب لم تعد ترانا إلا أقزاما لا نصلح حتى صورة على أغلفة الكتب إلا الهزلية منها. علينا ألا ننشغل بالدماء بل بالبقاء، وألا ندق إلا طبول المحبة.

هناك شمعة في قلبك تنتظر أن تُضاء، هناك فراغٌ في روحك ينتظر أن يُملأ، إنك تشعر بهذا، أليس كذلك!

فأشرق كأن الكون كله لك.

يقول مولانا جلال الدين الرومي في رباعياته:

"إن تكن تبحث عن مسكن الروح فأنت روح

وان تكن تفتش عن قطعة خبز فأنت الخبز

وان تستطع ادراك هذه الفكرة الدقيقة فسوف تفهم

ان كل ما تبحث عنه هو أنت".

ويقول:

"أيها البشر الأتقياء التائهون في هذا العالم

لم هذا التيه من أجل معشوق واحد

ما تبحثون عنه في هذا العالم

ابحثوا في دخائلكم فما أنتم سوى ذلك المعشوق"

ويقول:

"ممتلئ بك،

جلداً، دماً، وعظاماً، وعقلاً وروحاً،

لا مكان لنقص رجاء، أو للرجاء،

ليس بهذا الوجود إلاك".