جلال الحنفي .. ظاهرة عراقية غائبة حاضرة!

كتب ـ زيد الحلي
كان يحب 'الفسنجون' ويكره عبدالسلام عارف وسعد قاسم حمودي!

كان لرمضان قبل سنوات نكهة خاصة بوجود حبيب بغداد ومحبها الشيخ جلال الحنفي، كان هذا الرجل يضيف حيوية متميزة على أيام الشهر الفضيل، وقد تسنى لي مصاحبة الشيخ في عدد من الأمسيات الرمضانية التي كانت تحتضنها بغداد، لا سيما في مجلس الشعرباف الى جانب حكايا عديدة كان ينقلها اليّ نجله المصمم الصحفي عقيل الحنفي.

الحنفي، الشيخ كان يعرف كل ما يخص بغداد، وعندما أقول (كل) فإنني أعني الكلمة، وأعرف مدلولها اللغوي، إذ لم أساله يوماً شيئاً يخص بغداد او ظرف مر بها منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى آواخر ايامه، إلاّ وأجابني عنه بشيء من التفصيل الوافي، هو لم يعترف بالزمن، ويعتبره حالة من واقع الحال ولا ينبغي التعامل معه بالخوف منه، وكثيراً ما كان يردد بصوته المعروف أتركوا "الزمن" خلفكم وإذا لم تفعلوا ذلك فسيسبقكم ويلف حباله حول رقابكم!

وتعود معرفتي بالحنفي الى منتصف ستينيات القرن المنصرم، وكانت معرفة بسيطة من طرفي فقط، وهي لم تتعد قراءة مسودات بعض مقالاته التي كان يرسلها من الصين الشعبية الى صحيفة "العرب" البغدادية، مدرستي الحقيقية في ولوج عالم الصحافة، وكان يحيلها إليّ مدير التحرير شاكر علي التكريتي، بهدف اختيار بعض الصور الأرشيفية، تدعيماً وتجميلاً لنشر تلك المقالات لا سيما الأماكن التي يرد اسمها في موضوعات رسائله مثل: المدرسة المستنصرية وشارع الرشيد وجامع الحيدرخانة، وشخصيات مثل د. مصطفى جواد وسالم حسين وحسين امين عزيز شلال عزيز.. الخ.

كان الحنفي في ذلك الوقت، معاراً الى جمهورية الصين الشعبية لتدريس اللغة العربية في جامعاتها، لكنه لم يعترف بتلك الإعارة، بل كان يقول إنه تم اختياره للتدريس في الصين نظراً لأعجاب الصينيين بقدراته، وإنهم طلبوا من الحكومة العراقية برجاء استثنائي للموافقة على سفره الى بكين، وفعلاً عاش في تلك البلاد البعيدة سنين ليست بالقليلة. والأمر لا يعنينا إن كان سفره الى الصين (إعارة) او (بناء على طلب .. الخ) فالمهم ان الحنفي عاش في الصين فترة ليست بالقصيرة، ظلت حلاوتها تحت لسانه لفترة طويلة، وقد كتب عن الصين في المقالات آنفة الذكر الكثير ... الكثير، وكانت تجذب القراء بشكل واسع حيث كانت الصين، من البلاد التي لا يصلها إلاّ من هو ذوي حظ سعيد، ولم يكن التلفاز والإنترنت موجوداً مثل اليوم، الذي فتح ابواب الدول على مصارعها امام الجميع.

حرص والتزام

وليس جديداً القول بأن الحنفي كان ملتزماً جداً في ما يُطلب منه، او في قضية يشعر بمسؤوليته عنها، وهنا أذكر بأنني شاهدتُ مرة الشيخ الحنفي يغذ السير في منطقة كرادة مريم وحيداً باتجاه نصب الجندي المجهول.

في أول أيام الحرب الثلاثينية على العراق بداية تسعينيات القرن الماضي، كان الشارع خالياً إلاّ من بعض الضباط والجنود الذين تمركزوا في مواضع تحميها بعض اكياس التراب وأمامهم مضادات الجو، وكانت أسراب الطائرات الاميركية وحلفائها، تغير بين لحظة وأخرى. ولم يسمح للسيارات بالسير إلاّ لمن حمل أصحابها تراخيص خاصة، وكان الصحفيون من القطاعات التي سُمح لهم بالتجوال في عجلاتهم لتأدية مهامهم، أسوة بالأطباء ومنتسبي المستشفيات وموظفي دائرة الاذاعة والتلفزيون وغيرهم، وكنتُ ممن حصل على ترخيص بقيادة سيارتي لممارسة عملي الصحفي.

في هذا الجو المضطرب، الناذر بالخطر، شاهدتُ الحنفي بلباسه الشهير. ولم أصدق عيني في البداية، لكن كيف لا أصدقها وانا على مبعدة أمتار من الحنفي. توقفتُ على مسؤوليتي، رغم منع التوقف والوقوف في الساحة التي كانت هدفاً لغارات العدوان، ولم أعر أهمية لمناداة المنادين من العسكرين المتمترسين خلف مضادات الجو. وقفتُ الى جانب الشيخ، ثم طلبتُ منه الصعود الى السيارة، بهت الرجل للحظة، قبل ان يهم بالصعود ليجلس الى جانبي، كان التعب بادياً عليه.

سألته: مالذي جاء بك الى هنا وبيتك بعيد؟ (كان يسكن في الرصافة في حي تونس).

هل تعرفون بماذا أجابني؟ لقد قال انه جاء الى الجريدة لتسليم زاويته الاسبوعية (رؤوس أقلام) في جريدة "القادسية". وأضاف انه جاء مشياً من داره حتى لقائي به، ولم أتمالك دموعي، حيث أنثالت إعجاباً بالانسان الذي يقدس عمله ولم يعر أهمية لطارئ الظروف في تأدية واجباته، وقد أوصلت الحنفي الى مبنى الجريدة التي كان مقرها قرب القصر الجمهوري، وفي محيط القصف اليومي.

رأيتُ سعادة الحنفي على محياه، وهو يرى ترحيب الزملاء الحار به وتهنئتهم على سلامة وصوله، بعد ان حدثتهم عن مشاهدتي للحنفي في منطقة خطر الغارات الجوية!

وجرأة الحنفي لم تقتصر على محبته في تأدية إلتزاماته، بل تعدت الى أشياء أكبر، إنه الرجل الذي صرح علانية بما كاد يؤدي به الى المجهول.. لقد دعا المواطنين في سابقة خطيرة قائلاً: لا تستعملوا مكبرات الصوت في الجوامع، فهذه المكبرت تزعج غير المسلمين والاطفال والمرضى، مشيرا الى ان لدى المواطنين راديوات وتلفزيونات ويمتلكون الساعات ومن خلال ذلك يعرفون أوقات الصلاة. وتقف دعوة الحنفي تلك امامي الآن وأتساءل: ماذا سيكون مصير الحنفي لو إنه نادى بدعوته المذكورة في وقتنا الراهن؟

ووجه آخر لجرأة الحنفي: لقد كان يقرأ القرآن بصوته البغدادي في مجلسه، ثم يقوم بتفسير الأحاديث النبوية الشريفة، تفسيراً حضارياً محبباً، وبعد هذه الفعاليات الدينية يعرج الى تأدية وقراءة المقام العراقي وبستاته المعروفة!

كان رجل دين بعقلية علمانية. لم أجده يوماً متعصباً تجاه حالة معينة او أزاء فكر معين. ولو تسنى للبعض زيارة دار الكتب والمخطوطات بوزارة الثقافة وأطلع على جريدة "الفتح" لصاحبها ومحررها الشيخ جلال الدين محيي الدين الحنفي البغدادي الصادرة في نهاية ثلاثينيات القرن المنصرم، فسيتفاجأ بموضوعاتها الادبية والفنية التي تدل على رقي مفتقد الآن رغم ان مسؤولها معمماً. أين أمسنا من يومنا؟

مناكدات المطبعي

وخير من عرف الشيخ الحنفي من الإعلاميين، كان الزميلان العزيزان حميد المطبعي وماجد السامرائي، الى جانب عدد من مرتادي مجالسه وهم كثرُ، لكني اصطفيت المطبعي والسامرائي، من خلال ما كنتُ أسمعه من الحنفي نفسه. كان المطبعي كثير المناكدة للحنفي، ويبدو ان تلك المناكدات كانت تستهوي الحنفي، وشهدتُ يوماً حالة تؤكد ما ذهبتُ اليه، ففي حفل أقامته جريدة "الرأي" البغدادية، وكان الاثنان، المطبعي والحنفي ضمن المدعوين، فحاول رئيس تحرير الجريدة الزميل رباح آل جعفر ان يستميل المطبعي لممارسة مناكداته المعروفة تجاه الحنفي بهدف إضفاء جو من البهجة الى تلك الفعالية الجميلة، لكن المطبعي كان في شغل شاغل في مناكدة ومماحكة ضيف آخر، وهي إحدى ميزات المطبعي، فأينما حل، تحل الابتسامة، انه يحب الأخوانيات المدعمة بأحاديث الذكريات والثقافة، غير ان اللافت كان قيام الشيخ الحنفي نفسه بمناكدة المطبعي، فانعكست الآية. كانت تلك اللحظات البديعة من أحب ما علق في ذاكرتي.

أما الزميل السامرائي، فقد أحبه الحنفي ووثق به، على إئر معركة ثقافية بدأت بعد أن نشر ماجد السامرائي مقالاً عن الشعر الحر في منتصف الستينيات أثارت حفيظة الحنفي في وقتها. وبعد وفاة الشيخ الحنفي ذكر السامرائي بعض المعلومات غير المعروفة حيث قال إن الحنفي عقد صلات بكبار مثقفي بغداد في بداية حياته. وكانت له خصومات مع كبار اختلف معهم، وأعرب هو نفسه عن هذه الخلافات والخصومات، كما أعرب عنها مخاصموه ومخالفوه بالكلام النقدي، والهجاء الشعري، وقد اتخذ من الصحافة منبراً له على مدى عقود في حياته التي امتدت 92 عاماً. انتهت برحيله يوم الأحد الخامس من مارس/آذار 2006.

وذكر السامرائي ان الحنفي كتب مجموعة شعرية في مديح عبدالكريم قاسم أصدرها بعنوان "قصائدي في الزعيم" بهدف إعادة النظر في مسألة إرجاعه الى "الوظيفة الحكومية"، فأعيد. ولكن ليس الى وظيفته السابقة في دائرة "الاوقاف"، وإنما الى "وزارة الارشاد" النواة الاولى لوزارة الثقافة والاعلام من بعد.

كان آخر نشاط للشيخ الحنفي، حضوره الحفل التكريمي الذي أقامه على شرفه السيد عبدالوهاب الحمادي، لمناسبة بلوغ الشيخ عامه الرابع والتسعين، ويقول الحمادي إن الشيخ الحنفي البغدادي حضر الحفل برفقة زميلنا عادل العرداوي وذلك يوم 27 يناير/كانون الثاني 2006 وتناول أكلته المحببة "الفسنجون" التي يشتهر النجفيون في إعدادها.

وفاتني أن أذكر أن الشيخ الحنفي، كان لا يرتاح لشخصين، لا يجمعهما جامع، بل إنهما على النقيضين تماماً من بعضهما. وقد حاولت معرفة السبب منه فلم أفلح، فعدما كنتُ أنطق باسميهما أمامه، يزّرق لونه، وتعلو العصبية وجهه. كان لا يطيق الرئيس الراحل عبدالسلام محمد عارف ونقيب الصحفيين العراقيين ووزير الإعلام سعد قاسم حمودي! طيب الله ثرى الثلاثة الذين أحبوا بغداد.