جعجع والرئاسة: مناورة مَن لا يناور!

"ترشُحي لرئاسة الجمهورية ليس مناورة..". هذه كلمات بشير الجميّل حين أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية في لبنان عام 1982. كان الجميّل حينها قائداً لـ "ميليشيا" القوات اللبنانية يقاتلُ الفلسطينيين وحلفاءهم اللبنانيين، ويتحالفُ مع الاسرائيليين قبل وأثناء اجتياحهم للبنان. مثّل ترشح بشير الجميل، ومن بعدها انتخابه رئيساً، قمةَ التحدي للفريق المقابل في البلد، كما عكسَ انقلاب توازن القوى الاقليمية، بسبب ما أفضى إليه الاجتياح الاسرائيلي من أرجحية محلية واقليمية تُوّجت بانتخابه رئيساً.

"الترشح لرئاسة الجمهورية ليس مناورةً..". يؤكد ذلك هذه الأيام سمير جعجع رئيس "حزب" القوات اللبنانية. لكن ما بين الحدثيّن جرت مياه كثيرة، وتبدّلت أمزجةٌ، وتغيّرت موازين قوى. لكن ما بين الحدثيّن يبقى ترشح زعيم القواتيين أمراً جللاً لا يضاهيه إلا أمر انتخاب بشير رئيساً. وما بين الحدثيّن بات كثيرٌ من أعداء القوات حلفاءً، فيما اختلطت الخريطة الطائفية للحرب اللبنانية لصالح خرائط مذهبية وسياسية تطفو سفينة القوات على أمواجها.

يُسجّل لسمير جعجع أنه أخرجَ معركة الرئاسة إلى العلن، خلّصها من همهمات الكواليس، وأتى ترشحه يُربك الصديق قبل الخصم، كما يدفع الفرقاء إلى التخلص من رأس النعامة وخوض الجدل العلني حول هوية رئيس لبنان المقبل.

يتولى سمير جعجع طرحَ نفسه مرشحاً يمثّل ما بشّر به تحالف "14 آذار" منذ قيامه عام 2005. يتحدثُ الرجلُ عن الدولة وأصولها، عن المؤسسات واحترامها، عن الديمقراطية وقواعدها. يُعيدُ جعجع تسويق منتجات الحلف الآذاري عن السيادة والاستقلال والخروج من منطق الوصاية السورية - الايرانية واحتكار الدولة للسلاح. في ذلك اتساقٌ مع مواقف الحلف الذي جمع ما جمع حول فكرة الدولة وفلسفتها، كما حول دور لبنان وامتداداته الاقليمية والدولية. واقع الحال أن ما يأتي به سمير جعجع معروف للخصوم، لكنه يحشرُ الحلفاء في زاوية تقول: هذه بضاعتكم فما قولكم بتجارتي؟

وبالمقارنة مع التجربة البشيرية، فإن توازن القوى الداخلي كما الاقليمي والدولي لا يشي بامكانات تمرير سمير جعجع رئيساً. كما أن توازن القوى نفسه في ذلك الصراع الرمادي الغامض الذي يفوح في سوريا لا يشي بحظوط أفضل لميشال عوّن. وكأن الطريق إلى بعبدا تحدده بوصلة العمليات في كسب والساحل، كما في اربد وحلب، ناهيك عن ارهاصات المعركة من درعا. وواضح أن الزمن القصير الذي يفصلنا عن الموعد الدستوري للانتخابات الرئاسية في لبنان لن يكون كافياً لاستنتاج أخبار المعركة الطويلة الامد في سوريا.

في العلامات الأولى لرفض الخصوم لاحتمالية جعجع رئيساً، ورشةُ نبشٍ لماضي الرجل في الحرب الأهلية. وللخصوم باعٌ طويل، كلٌ على طريقته، في تلك الحرب وويلاتها. أشرف أمراء تلك الحرب سوياً على اخراج اتفاق الطائف الشهير. منهم من تعايشَ مع شروط الوصاية فَسَلِمَ وصار رجل دولة وديعا، ومنهم من تمرّد على تلك الوصاية فإغتيل جسدياً أوسياسياً وأُلصقت به حتى الآن آفات الاحتراب. من ظلام تلك الحرب يُرَدُ على ترشح جعجع، فلا يُراد للحجة أن تنشط في التعامل مع يدعيه الرجل للبنان، بل يُراد تقديمه وجبة يجوز تحريمها الآن رئيساً، رغم تحليلها غداة "الطائف" وزيراً في حكومة عمر كرامي (فيصل نجل عمر كرامي يعتبر منذ أيام أنه لا يجوز أن يكون الرأس السياسي للموارنة مجرما وعميلا). في ذلك التمرين يطلُ الخصوم دون ماض ولا ذاكرة حين يتعلق الأمر بهم، وتنشطُ علوم التاريخ حين يتعلق الأمر برجل القوات.

يعلمُ سمير جعجع أن طريقه إلى بعبدا عسيرة معقّدة، وربما تكاد تكون مستحيلة. واذا ما ندر أن كانت الانتخابات الرئاسية في لبنان محلية بيتية، فإن الانتخابات المقبلة بالذات هي "أم المعارك" الاقليمية الدولية، حيث لن يأتي الرئيس المقبل إلا نتاج حالة خارجية لا طائل للبنان على ردّها. في هوية الرئيس اللبناني المقبل علامات طبيعة التركيبة السياسية في المنطقة، ولا يبدو أن تلك العلامات تمثّلها السيرة الذاتية للزعيم القواتي.

لكن "مناورة" سمير جعجع (التي يرفض تسميها بالمناورة) تنقلُ الرجل في المشهد السياسي اللبناني العام إلى مصاف المسترئسين، وتُدخله إلى نادي الأسماء المارونية الكبرى التي سيتم تداول دوماً في كل الورشات الرئاسية. مناورةُ الرجل دعوةٌ لحلفائه للذهاب نحو مرشح يمثل "14 آذار"، حتى لو تم اختيار غيره، وعدم الانزلاق مجددا والتراجع نحو تنازلاتٍ يفرضها رئيس التسوية. مناورةُ جعجع قد تمثّل للفريق الخصم تحدياً يفرض سحب مرشح التحدي الذي يمثّله في ما قد يكون تسوية باتجاه البديل الثالث. مناورة جعجع تضعُ الكرة في ملعب القوى الاقليمية، لا سيما الصديقة، لحسم خياراتها وتنشيط حراكها في مسألتي تمرير الاستحقاق الرئاسي أولاً، والدفع باتجاه تشجيع خيار رئاسي يناسب اجنداتها ثانياً.

في ردود الفعل التي صدرت عن تيار المستقبل افراط في الدبلوماسية (وأكاد أقول التهذيب)، وحذرٌ كثير في مقاربة الامر. ما صدر عن التيار الازرق يفيدُ بـ "حق جعجع في الترشح"، أو بكونه "مرشح طبيعي"، وأن التيار لم يحسم خياراته. تعبّر تحفّظات "المستقبل" عن مفاجأة سببها حدثُ "الحكيم" الذي ما برح سعد الحريري يرددُ أن لا شيء يفرّقه عنه إلا الموت. داخل جدار هذا التحالف "الأبدي" فاضت تشققات مقلقة منذ الخلاف حول قانون الانتخابات "الارثوذكسي"، مروراً بالاتصالات العوّنية الحريرية الملتبسة، انتهاء بقرار التعايش الحكومي بين "المستقبل" وحزب الله، الذي دفع بالقوات خارج الصفقة الحكومية السلامية.

في المشهد الراهن يصعبُ على تيار المستقبل أن يأتي بمرشحه "الطبيعي" رئيساً ولا يملك امكانات ذلك. وللمفارقة، فإن حزب الله الذي يظهر وكأنه يمسك بخيوط اللعبة الميّدانية والعسكرية، يبدو عاجزاً في الوقت الحاضر عن فرض مرشحه (مع التشكيك في أن يكون عوّن ذلك المرشح) أيضاً. بكلمة أخرى، وبغياب الاجماع المسيحي على مرشح يمثّل ارادتهم، فإن السُنة والشيعة في البلد عاجزون عن فرض خياراتهم. من تلك الخلاصة يُفهم هذا التواصل العجيب والمستمر بين الحزب والتيار على أرضية الخصومة لادارة النزاع. ضمن اطار ذلك التواصل تشكّلت حكومة تمام سلام، كما تمّ بشكل لافت انجاح الخطط الامنية (التي كانت مستحيلة) بداية من طرابلس مرورا بالبقاع انتهاء ببيروت (على ما هو مأمول).

قد يَعتبرُ سمير جعجع نفسه مرشحاً تدعمُ الرياض مساعيه الرئاسية رغم برودة المستقبليين. يحتاجُ جعجع إلى بضعة أصوات في الدورة الثانية للانتخابات ليحصل على أغلبية تأتي به رئيساً. على هذا يعتبرُ القواتيون أن الرياض قادرةٌ، لو عزمت، على استخدام نفوذها وتوفير تلك الاصوات المطلوبة.

يعرف ميشال عوّن أيضا أن دعم طهران وحده (اذا توفّر) لا يُعبدُ له طريق بعبدا، وأن الضوء الأخضر السعودي إلزامي لا مناص منه (آلان عوّن إبن شقيقة ميشال عوّن يرى أن حرص السعودية لاستقرار لبنان يستدعي أن يكون الجنرال رئيساً). لكن الساحة السورية في تفاصيلها الحالية لا تشي بامكانات الرياض أو طهران في فرض أجندتهما على لبنان (أمر قد يطيح بالاستحقاق الرئاسي برمته). فاذا ما اختلف البلدان في سوريا والعراق واليمن والبحرين...إلخ، فقد يظهر أنهما مضطران للتفاهم داخل الصيغة اللبنانية. في حيثيات ذلك التفاهم العتيد قد يسقط مرشحو التحدي (الذين ترفض أوساط وليد جنبلاط احتمالهم) لصالح رئيس توافق يغيب اسمه راهناً وراء ضجيج الجدل الذي أحدثه ترشح "الحكيم".

في تناتش الحكيم والجنرال على طريق بعبدا، يتأمل سليمان فرنجية بصمت معارك سوريا علّها تحمل ماءً إلى طاحونته رئيساً.