جعجع باعتباره رسولاً للخواء اللبناني

ليست المشكلة في سمير جعجع حين يرشح نفسه رئيساً للبنان.

للرجل طموحاته وتطلعاته واهدافه ومشاريعه وخططه التي قاتل من أجلها في ظل خيمة كبيرة كانت تجمعه بسواه من امراء الحرب يوم كانت الحرب الاهلية قائمة.

من حقه أن يقول إنه قاتل دفاعاً عن المبادئ التي يؤمن بها.

وهو قول لا يمكنه أن يثبت امام هول جريمة اسمها الحرب الاهلية، كان الرجل واحدا من عباقرتها.

ومن حقه أيضا أن ينظر بعين الحسد إلى رفاقه في تلك الجريمة ممن لم يلاحقهم القانون الذي وقف أمامه باعتباره المجرم الوحيد. وهي نظرة لا تخلو من الحقد والرغبة في الانتقام.

وقد يكون الرجل قد حقق جزءا من رغبته الدفينة تلك، حين استدار بالمشهد السياسي اللبناني إلى الموقع الذي يحاول السياسيون اللبنانيون تفادي المرور به: الحرب الآهلية، باعتبارها معلما تاريخيا، لا يزال يهيمن من خلال استحقاقاته على الحاضر.

وهنا بالضبط تقع المشكلة.

فالقانون اللبناني كما يبدو لا يمنع شخصا أدين بجرائم قتل، جرى تنفيذها لأهداف وغايات سياسية من أن يكون رئيسا. كما ان الصراعات السياسية بين مختلف الاطراف تسمح هي الاخرى لطرف أن ينكل بالطرف الآخر عن طريق تبني ترشيح ذلك الشخص لمنصب رئيس الجمهورية.

لن يكون الوطن ولا المواطن موجودين في الصورة التي انتهى إليها مجلس النواب اللبناني وهو يسعى إلى التصويت على رئاسة جعجع.

هناك رهان فاسد على مَن يحرج الآخر أمام حق مسيحيي لبنان، الموارنة منهم بالذات، في أن يرشحوا من يشاؤون لشغل منصب، صار نوعا من هبة التاريخ لهم.

وقد يكون مستغربا أن يتخلى الموارنة عن تلك الهبة لرجل من نوع جعجع.

فهل يمكننا الحديث عن خواء سياسي ضرب بعصفه الطائفة التي كانت إلى وقت قريب أكثر طوائف لبنان تمسكا بالتعليم والرقي الحضاري وفكرة لبنان الذي اخترع الحرف بحيث لم يعد لديها ما تقدمه إلى منصب رئاسة البلد الذي تعبده غير رجل جرمته العدالة اللبنانية ولم يغادر سجنه إلا بقرار ثأري، اتخذ على خلفية خروج القوات السورية من لبنان؟

تبدو الطائفة المارونية قد انتزعت من واقعها الحقيقي لتكون رهينة تجاذبات سياسية، لن تنفعها في شيء، بقدر ما ستحط من قدرها.

فما لا يمكن تصديقه أن موارنة لبنان قد ارتضوا لأنفسهم أن يتم اختزالهم في هيئة الرجل الذي انتقل من حربه ضد الغرباء (الفلسطينيين) إلى حرب مفتوحة ضد إخوته، كان المسيحيون أول ضحاياها.

فجعجع الذي يرغب اليوم في أن يكون رئيساً للبنان هو في حد ذاته مشروع حرب أهلية، لا يمكن التنبؤ بسعة جغرافيتها، ولا أحد في إمكانه أن يميز فيها الصديق من العدو.

فالرجل الذي عرف بانحيازه إلى الحرب باعتبارها هدفاً في حد ذاته، لا يملك رصيدا من الاصدقاء التاريخيين أو الاعداء التاريخيين، بما يكفي للإشارة إلى مبادئه التي يزعم أنها كانت دائما ثابتة. مزاجه الميليشياوي يمكنه أن يعكر صفة الحكيم التي يعتمدها أتباعه في وصفه.

ولكن الفضيحة تكمن في أن هناك نواباً لبنانيين لا ينظرون إلى جعجع إلا باعتباره حصان رهانهم الذي سيقلقون من خلاله هدأة زملائهم وهم يعرفون أن جعجع هو الخطا في الحساب، هو الصفر الذي يقع فارغاً.

جعجع اليوم هو فضيحة اللبنانيين، كلهم من غير استثناء.

هناك خواء ثقافي يسنده صمت أخلاقي صار يسمح بالعاب سياسية، لا تمت إلى الشعور بالمسؤولية بصلة. لقد هان قدر اللبنانيين فصاروا ينتقلون بخفة بين موقع الضحية وموقع الرهينة، كما لو أنهم يحنون إلى الزمن الذي كانوا فيه مجرد بضائع جاهزة للخطف.

لن يخطف جعجع كرسي الرئاسة، غير أنه استطاع وبجرأة أن يكشف للبنانيين خواء حياتهم السياسية.