جشع الأوروبيين يصيب الدول الفقيرة بالمجاعة

رفاهية على حساب قوت فقراء الدول النامية..

وارسو - يستند حاضر الزراعة في أوروبا إلي برنامج "السياسة الزراعية المشتركة" الذي وضعته -منذ أكثر من ستة عقود- الدول الأوروبية التي كانت قد خرجت لتوها من دوامة نقص الغذاء الحاد في الغذاء التي اجتاحت القارة خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها.

والآن، وعلى ضوء المجاعة المفتشية في بعض أنحاء العالم، وموجات الجفاف القاسي، والحروب التي تلوح في الأفق حول الموارد، يحذر الخبراء من ضرورة إعادة النظر في المنطق الكامن وراء برنامج السياسية الزراعية المشتركة، والذي يركز على إنتاج كميات ضخمة من المواد الغذائية باستخدام أساليب الزراعة الصناعية إلى حد كبير.

فمن ناحية، الأوروبيون لم يعدوا جياع، فتراهم يأكلون من اللحوم ضعفي المتوسط العالمي، ويضيع الفرد الواحد في الإتحاد الأوروبي أكثر من 170 كيلوغرام من الطعام... سنويا، وفقا لمكتب البيئة الأوروبي.

ومن ناحية أخري، هذا النوع من الزراعة الصناعية الذي روجت له الكتلة الأوروبية على مدى عقود طويلة، يأتي بتكلفة عالية على البيئة: فتستهلك الزراعة ربع إجمالي استخدامات المياه في أوروبا؛ وكل سنة يتم فقدان 100ألف هكتار من الأراضي الزراعية بسبب تدهور الأراضي الزراعية في حين يتقلص التنوع البيولوجي بوتيرة لم يسبق لها مثيل.

وأخيرا، لعب الدعم المقدم من الاتحاد الأوروبي للمزارعين لتصدير المنتجات بأسعار تقل كثيرا عن تكاليف الإنتاج، دورا هاما في مجال تدمير سبل معيشة صغار المزارعين في البلدان النامية.

هذا وفي حين تم تخفيض هذا الدعم بشكل كبير على مر السنين، أصبحت أوروبا تتصدر قائمة مستوردي ومصدري المنتجات الزراعية في العالم. وترتبط وارداتها من المواد الغذائية الحيوانية بترويجها لزراعة المحصول الواحد وتكثيفها لممارسات إزالة الغابات بل والاستيلاء على الأراضي الزراعية في البلدان النامية.

من الواضح إذن أن هذا النموذج يحتاج إلى تغيير لعدة أسباب، من بينها صالح البلدان النامية، وأزمة المناخ العالمية، وصحة ورفاه الأوروبيين أنفسهم. وبالفعل فقد أصبح العديد من الأوروبيين على بالحاجة لمثل هذا التغيير، وتخضع السياسية الزراعية الأوروبية المشتركة حاليا لإصلاحات هيكلية، من شأنها أن تؤدي على الأرجح إلي سياسة معدلة بعد عام 2014.

وبالفعل، وضعت المفوضية الأوروبية في العام الماضي اقتراحا في اتجاه التعديل المطلوب، يشمل إتخاذ خطوات هامة علي طريق استخدام أساليب الزراعة الخضراء في كافة دول الإتحاد الأوروبي.

لكنه لا يعالج بالضرورة جميع علل السياسة الزراعية المشتركة، مثل تركيزها على زيادة الإنتاجية علي أساس الزراعة الصناعية أو أثرها على السيادة الغذائية في جميع أنحاء العالم.

وعن إنفاق الإتحاد الأوروبي أكثر من 350 مليار يورو لتمويل الزراعة كل دورة مكونة من سبع سنوات، اقترحت المفوضية الأوروبية جعل 30 في المئة من هذه الإعانات مشروطا باستخدام المزارعين المعايير البيئية في أنشطتهم، بدءا من عام 2014.

وأضافت المفوضية الأوروبية في إقتراحها أنه يجب وضع حد أقصى للإعانات المقدمة لكل مزرعة بمقدار 300 ألف يورو. ودعت كذلك لتنويع المحاصيل بحيث تزرع كل مزرعة على الأقل ثلاثة أنواع من المحاصيل الزراعية، في محاولة للابتعاد عن الزراعة الأحادية المدمرة.

هذا الاقتراح يشكل محاولة لاعادة الزراعة الأوروبية إلى المزيد من الممارسات الطبيعية. وبالنسبة لكثير من مزارعي دول الإتحاد الأوروبي، البالغ عددهم 150 مليونا، هذه التوصيات ليست صعبة التنفيذ، كما يستدل عليه من ازدهار المزارع الصغيرة مزدهرة في جميع أنحاء القارة وهو ما يبرهن على أن مثل هذه التدابير ليست عملية فحسب بل ومفيدة للغاية أيضا.

لكن المزارعين الصناعيين -الراغبين في استخدام كل جزء من الأرض كوسيلة للإنتاج المربح- لن يسمحوا بعودة النظم الزراعة القديمة، دون مكافحته.

وهكذا يتعرض اقتراح المفوضية لضغوط وانتقادات حادة سواء من قبل مجموعات المزارعين الصناعيين أو الحكومات الوطنية. ومع ذلك، تبذل المفوضية الأوروبية قصاري جهدها للصمود لهذه الضغوط المكثفة.(آي بي إس)