جزائر الرسامين: من ديلاكروا الى رينوار

باريس - من هدى ابراهيم
احدى اللوحات التي رسمت عن الجزائر

يفتتح الثلاثاء امام الجمهور في معهد العالم العربي في باريس معرضان حول الجزائر يعتبران من اهم الانشطة التي تقام في اطار سنة الجزائر في فرنسا.
ويحمل المعرض الاول عنوان "جزائر الرسامين: من ديلاكروا الى رينوار" بينما يقدم المعرض الموازي "الجزائر في الموروث : فن وتاريخ" مسيرة في حضارة وموروث الجزائر الغني بالآثار من فترة ما قبل التاريخ ولغاية العام 1830.
وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك ونظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة افتتحا الجمعة الماضي رسميا المعرضين، خلال زيارة الرئيس الجزائري الخاطفة لفرنسا.
ومعرض "جزائر الرسامين.." عبارة عن رحلة في اعمال عدد من الفنانين الفرنسيين المستشرقين الذين قاموا بزيارة الجزائر في القرن التاسع عشر.
ويتضمن المعرض الذي يستمر حتى 18 كانون الثاني/ يناير المقبل، حوالي 130 عملا انجز معظمها في الجزائر في حين انجز بعضها لدى عودة الفنانين الفرنسيين الى بلادهم.
ولا يقتصر المعرض على لوحات الرسم وانما يضم عددا من لوحات الليتوغرافيا والحفر والتصوير الفوتوغرافي الذي يظهر صورة اكثر واقعية للجزائر.
ويتبين من خلال المعرض مدى تأثير سفر الفنانين الى الجزائر على الاستشراق وكم ان المغامرة الفنية والانسانية تندرج في التاريخ السياسي للقرن التاسع عشر.
فديلاكروا لم يعرف الجزائر الا صدفة في طريق عودته من المغرب اثر ايفاده في بعثة سياسية دبلوماسية. اما غيره من الرسامين فقد زاروا هذا البلد اثر السيطرة الفرنسية عليه في فترة اعقبت العام 1830 بحثا عن اللون والضوء وعن افكار جديدة للوحاتهم.
وعلى العموم فان تيارين انعكسا في اعمال فناني تلك الحقبة من المستشرقين: تيار كان يحاول عبر عمله تقريب ما كان يعرف بالشرق (المغرب العربي) من الغرب وجعله اقل بعدا، وتيار كان يزيد من بعد هذا العالم مركزا على المستغرب واللامألوف فيه.
ويقدم المعرض بجمعه بين لوحات لفنانين من مختلف المشارب تتراوح بين الكلاسيكية والانطباعية وبين ولع باظهار التفاصيل او التخلي عنها لمصلحة الخيال، صورة غنية لجزائر القرن التاسع عشر ولكن على شيء من التداخل والتعقيد.
والفن الاستشراقي وان كان ينطوي بلا شك على رغبة بالسيطرة الاستعمارية، فهو يعكس ايضا الاكتشاف والانبهار ويجسد التأثير الذي مارسه المجتمع الجزائري على الفنانين وتطور عملهم ونمو افكارهم عبر اللوحة.
وقد جاءت مقاربات الفنانين شديدة الاختلاف احيانا فمنهم من لم يصور سوى انتصارات فرنسا ومعاركها الظافرة كما فعل هوراس فيرنيه الذي صور لوحة "القداس الاول في القبائل".
في المقابل اهتم شاسوريو بتصوير ما كانت تخلفه المعارك كما فعل في لوحة "فرسان عرب يرفعون موتاهم" التي رسمها عام 1950 والتي كانت بين لوحات تحفز على الوعي بحقيقة الاستعمار وما يخلفه من اشياء غير مجيدة.
اما انج تيسييه فصور شجاعة العدو في لوحة "المقاوم السجين" او بورتريه "عبد القادر" الشهير له.
ومع ان اتيان دينيه استقر في الجزائر واعتنق الاسلام غير انه ظل يملك على صعيد الرسم، نظرة المستشرق في حين انصرف غوستاف غيللوميه الى تصوير حياة البدو والقبائل في الطبيعة ومشاهد من صيد الصقور وضوء الصحراء اثناء عبور القوافل.
وللمعرض قيمة فنية كبيرة باعتبار انه يضم عددا من اللوحات المهمة التي يمنع التقاط صور لها مثل لوحة "نساء الجزائر داخل منزلهن" (1849) لديلاكروا والتي وصفها رينوار بانها "اجمل لوحة في العالم".
وقد اعتبر سفر ديلاكروا الى المغرب والجزائر مهما، ليس لانه اول الرسامين الفرنسيين الذين زاروها، بل لانه بعمله طبع تاريخ الرسم.
اما لوحات رينوار فيعرض منها 15 لوحة من اصل 30 رسمها في الجزائر التي زارها مرتين، وهي تعرض لاول مرة مجموعة في فرنسا ويظهر البعد الاستشراقي في اعماله بشكل عميق رومانسي وشفاف.
ومعرض "جزائر الرسامين.." يأتي بعد معرضي "ديلاكروا: سفرة المغرب" و"مغرب ماتيس" اللذين نظمهما معهد العالم العربي واجتذب كل منهما اكثر من 350 الف زائر.