'جرش' تقاعد، متى يتقاعد 'الجنادرية'؟

بقلم: صابر ايوب
عزف منفرد: اين ذهب الجمهور؟

تولد المهرجانات الثقافية يافعة، وتصل ذروة مجدها، ثم تشيخ، وقد يموت بعضها.
بالامس، احال الاردن مهرجان "جرش" العتيد على التقاعد في خطوة ذكية تدل على ان الاردنيين يدركون عدم جدوى استمراره.
الاردن، بحكم ضعف امكانياته المادية، لا يستطيع ابقاء المهرجان فقط للعناد. كان بإمكان الاردن ان يصر على استمرار المهرجان "العريق" بصفة التواصل والحفاظ على الانجاز وقائمة طويلة اخرى من المبررات. لكنه اختار انهاءه وتقديم الجديد. ولا شك ان "مهرجان الاردن" المقترح سيعالج اخفاقات المهرجان السابق، التنظيمية منها والفنية والثقافية، ليقدم شيئا مختلفا لا ضير ان يستفاد فيه من تجارب الاخرين.
مهما كان تمكنك الثقافي والفني، الحقيقي او الموهوم، فأنت لا تستطيع ان تتحدى رغبة الناس والمتلقين. فالناس، بحكم عوامل الزمن وتغير المزاج، تبحث عن الجديد المختلف، وتبتعد عن النمطي والرتيب.
ومهرجانات الثقافة والفن والشعر ليست استثناء، بل قد تكون بارومترا لقياس تغير الامزجة ومجسا لالتقاط الانماط الثقافية الصاعدة لدى الجيل الشاب.
***
الامر لا ينحصر في الثقافة العربية. خذ مثلا كيف يتعامل الغربيون مع تبدل الانماط الثقافية لديهم.
لا يتذكر معظمنا الموسيقى الغربية "القديمة"، البلوز والجاز والروك اند رول التي سادت في منذ الثلاثينات وحتى الستينات. لكن عددا لا بأس فيه سيتذكر موسيقى الديسكو التي انتشرت اواخر السبعينات ومطلع الثمانينات. "جن" الغرب بموسيقاه الجديدة، ولم تعد تسمع غيرها. حتى الموسيقى الكلاسيكية اعيد توزيعها وقدمت على انها ديسكو.
ماذا حدث بعد ذلك؟ لا احد اليوم، ومنذ نهاية الثمانينات، يستمع الى موسيقى الديسكو او يريد ان يرقص عليها. ولا احد اليوم يذرف دمعا على تلك الثقافة الموسيقية، ليس لانها كانت سيئة، ولكن لان الانماط الثقافية تولد وتكبر وتشيخ وتموت.
فريق "سبايس غيلز" البريطاني كان نجم النجوم في التسعينات. اليوم يضطر منظمو حفلاته الى الغاء جزء من جولته الموسيقية لانهم غير قادرين على اجتذاب ما يكفي من الجمهور.
نفس الشيء يقال عن الاثاث والملابس ومعمارية البناء وشكل السلع المختلفة وتسريحة الشعر، كلها انماط ثقافية تعكس مرحلتها الزمنية. ونفس الشيء يقال عن الثقافة الشعرية والادب والسينما والتلفزيون والمهرجانات.
بل ان ما يقال عن اوجه الثقافة هذه اكثر. شاهد فيلما من السبعينات او مسلسلا من العيار المتوسط من الثمانينات، وسترى كيف تغيرت ذائقتنا الفنية والبصرية.
تلك الافلام والمسلسلات، او القصائد والروايات، او المهرجانات بنات عصرها، وعليها ان تبقى في ذلك العصر. وقد ابدعت اللغة حين اعطتنا كلمة "كلاسيكية" (افضل من تراثية او فلكلورية) لانها تمنح تلك الانجازات وصفا جميلا، زمنيا ونوعيا، دون ان تسيء اليها بربطها بالماضي.
***
الاساءة تأتي من زاويتين: اذا اصر القائمون على تلك الانماط الثقافية بأن يطيلوا اعمارها الافتراضية فوق ما تحتمل؛ او عندما يواجهون بعدوانية الحديث المتجدد ويعتبرونه موجها ضدهم.
خذ مثلا مهرجان الجنادرية السعودي. فالمهرجان الذي بدأ قويا، تآكل مع مرور أكثر من عشرين عاما على اطلاقه الآن، لانه محلك سر.
كشف برنامج "شاعر المليون" في ابوظبي مثلا عن ثروة ثقافية نبطية مخبئة في السعودية لم تتمكن دورات الجنادرية المتعاقبة من اكتشافها.
وإذ يبدأ الجنادرية عادة بقصيدة نبطية "مؤثرة" يلقيها شاعر من جيل لا يمكن وصفه بالشاب في مديح الملك، الا ان المشاركين سرعان ما يتحولون عن هذا النمط الشعبي والمهم من الشعر الى شعر القافية والوزن.
ويستغرب المشاركون الاهمال المتعمد من ادارة المهرجان لهذا النوع الشفاهي المهم من الثقافة التي يعتبرها كثير من الشعراء السعوديين الشباب، التعبير الاقرب للقلب.
ويتذكر عدد من المثقفين العرب ممن شاركوا في دورات المهرجان الاولى، ان انطلاقة المهرجان كانت "شعبية الطابع" لكنها تحولت بمرور السنين الى دعوة للمتقاعدين.
والحق، فأن بعضا من اعضاء اللجنة المنظمة حاول تجديد المهرجان وبث الروح فيه. لكن محاولاتهم باءت بالفشل، ولا يزال عدد كبير من المدعوين هم من صنف المتقاعدين، شعريا للمشاركة، وصحفيا للكتابة ونقل الحدث خبريا.
مهرجان الجنادرية الذي كان يفترض ان يبعث الروح في التراث، تحول الى تراث بحد ذاته.
وليس اكبر دلالة على ان المهرجان قد شاخ وان الوقت قد حان لتقاعده، من ان بعض الشباب السعودي بدأ يقاطع المهرجان ويعلن فشله في الأعوام الأخيرة وصار حريصا على البحث عن المنابر البديلة في ابوظبي ودبي وغيرها من المدن التي تحتضن مهرجانات اكثر حيوية واكثر ملامسة للواقع وابعد عن نمط المتقاعدين والعرضة الراقصة، المكررة والرتيبة.
السعودية بحرصها على اطالة عمر مهرجان الجنادرية انما تسيء الى نفسها وثقافتها وشبابها المتوقد والباحث عن الجديد، وتدعوهم، من حيث لا تدري، الى البحث عن البديل.
الاساءة الاخرى، والاكبر، هي في ان يتحول نجاح الاخرين الى دعوة لمهاجمتهم.
فنجاح الاخرين الثقافي عليه ان يكون حافزا. فالقائمون على مهرجان "جرش" مثلا يعترفون بأن مهرجانهم شاخ، ذاتيا، وليس لان الاخرين برزوا بشبابهم.
كان اسهل على القائمين على المهرجان ان يلصقوا تهمة الفشل بغيرهم. لكنهم اختاروا ان يواجهوا الحقيقة. ولهذا فأن انطلاقة "مهرجان الاردن" ستكون فاعلة ليس لانها تصفية حسابات مع احد. فكل السياسات الثقافية المبنية على التحاسد مصيرها الفشل.
الثقافة، تعريفا، ارفع من ذلك. وان كان الشعر ابو المدح والهجاء، فهو تذكير لمن يستضيفه: ماذا تمدح؟ ومنْ تهجو؟ صابر ايوب – لندن