جراحات التجميل تزدهر في مصر

القاهرة - من محمد جمال عرفه
نانسي باتت رمزا لجمال المرأة بالنسبة للكثير من الفتيات

مع ارتفاع سن الزواج، وزيادة نسبة العنوسة في مصر، خصوصا لدى الفتيات (8.6 مليون فتاة عانس)، ومع تزايد انتشار الفضائيات وقنوات الموضة، وانتشار "الفيديو كليب" الراقص، وصور الفتيات الجميلات، بدأت مصر تشهد ازدهارا ملحوظا في نشاطات جراحات التجميل النسائية، حتى إن إعلانات عيادات التجميل الخاصة صارت تملؤ الجدران ووسائل المواصلات والصحف، مما دفع وزارة الصحة المصرية للتحذير من أن بعض هذه المراكز هي مجرد مراكز للنصب على الفتيات.
وتقول إحصاءات شبه رسمية إن عدد العمليات الجراحية التجميلية المختلفة تزايدت مع كثرة إقبال الفتيات وعائلاتهن على هذه الجراحات، أملا في عريس لأبنتهن، حتى وصل عدد المقبلات على عمليات التجميل ما بين 50 و100 ألف عملية سنويا من هذا النوع، بالإضافة إلى ما يجري للمشاهير في الخارج، أغلبها عمليات تخسيس وشفط دهون، وتجميل الأنف أو الوجه.
كما تزايد عدد الأطباء العاملين في هذا الحقل، نظرا لمكاسبه الكبيرة، مقارنة مع الأقسام الطبية الأخرى، حتى إن عدد هؤلاء الأطباء يقدر بأكثر من 250 طبيبا وفقا لعدد الأطباء المسجلين في الجمعية المصرية لجراحي التجميل.
فقد أكد آخر تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري أنه يوجد في مصر 8.6 مليون فتاة بين سن 18 و35 عاما، يبحثن عن زوج.
ومن بين هذه النسبة هناك 3.5 مليون فتاة في المرحلة العمرية من 18 إلى 25 سنة، و2.6 مليون فتاة في المرحلة العمرية من 25 إلى 30 سنة. وتجاوز عدد الفتيات غير المتزوجات في المرحلة العمرية من 30 إلى 35 سنة 2.5 مليون فتاة. وكان نصيب مدينة القاهرة من هذه النسبة حوالي 88 في المائة من عدد الفتيات غير المتزوجات.
وتشير الدراسات البحثية لمركز البحوث والدراسات الاجتماعية المصري إلى ازدياد عدد الفتيات بالنسبة للشباب، لدرجة أنه في أحد الأبحاث تبين أنه يقابل كل شاب قادر على الزواج ثلاث فتيات، مما يعني ببساطة انتظار فتاتين، وتزايد معدل العنوسة، أو اللجوء إلى طرق الزواج غير التقليدية مثل الزواج العرفي، الذي أنتجت مصر عدة مسلسلات تحذر من مخاطره على الفتيات، واعتبره علماء أزهريون حرام شرعا، ما لم يمكن علنيا وبشهود.
ويعزو خبراء في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، مثل الدكتور أحمد المجدوب، تزايد الاتجاه نحو جراحات التجميل إلى عدة أسباب، بعضها راجع للاهتمام المتزايد بنموذج الجمال الغربي في المجتمع المصري، خصوصا من جانب الذين سافروا إلى الغرب، وطغيان المادة على ما عداها، وتشتت الهوية، وفقدان الهدف، وهي ظواهر بات يعيشها الشباب حاليا. إلا أن الخبراء يؤكدون أن الأمر ليست ظاهرة عامة، ولكنها قاصرة على فئة الطبقات العليا والمتوسطة، ونادرا ما تلجأ فتيات فقيرات لها، وذلك للضرورة، مثل إزالة تشوه في الوجه نتيجة حادث ما.
ويقولون إن هناك حالة هوس بما يسمى "النيولوك" أو المظهر الجديد بين الفتيات عموما، نتيجة حالة الفراغ الديني والروحي لبعض الأسر، وانشغال الأسر عن البنات. وساعد على انتشار هذه الظاهرة قيام الفنانين والفنانات والمطربين، ممن يعشقهن البنات بتغيير صورهم، وصبغ شعورهم، أو وضع عدسات لاصقة، أو تصغير الأنف وخلافه، مما يدفع الآخرين لتقليدهم ولو من باب التغيير فقط.
إلا أن علاء غيطة رئيس الجمعية المصرية لجراحي التجميل يرجع بداية هذه العمليات التجميلية إلى فترة الثمانينيات من القرن الماضي، مؤكدا أنها بدأت في مصر حوالي عام 1984، مع تزايد نسق العولمة، وانتشار الفضائيات وقنوات الموضة، وتطور وسائل الاتصال، وكثرة السفر للخارج، وأن أكثر العمليات المطلوبة، على عكس السائد في الغرب، هي تصغير الصدر والتخسيس، بسبب انتشار البدانة في مصر، وعمليات تعديل الأنف.

نصابون ومخدوعات

وقد دفع الربح الكبير من وراء هذه العمليات أطباء عديدين، ليس من تخصصهم التجميل، ولوج هذا الباب أملا في الربح الكبير. وخصصت مستشفيات وعيادات طبية أقسام خاصة بالتجميل لديها، حتى إن بعضها، كما لاحظت "قدس برس"، يحرص على وضع صور "للمريض" أو "المريضة" قبل عملية التجميل وبعدها لتجذب الزبائن مثل تصغير الأنف أو تكبير الشفاه.
كما دفع هذا لانتشار العديد من المراكز غير المصرح بها، رغم إعلاناتها المستمرة في مختلف الصحف المصرية، عن خدماتها العجيبة. وكشف وزارة الصحة المصرية حالات نصب لبعض هذه المراكز على الفتيات، والتحذير منها، خصوصا بعدما أدت بعض هذه العمليات، مثل تدبيس المعدة أو التخسيس، إلى وفاة بعض المرضى، ضحية التجميل.
والدافع وراء الهرولة وراء هذه العمليات وانتشار العيادات، التي تمارس هذه المهنة هو الربح، حيث يبلغ سعر عمليات تجميل الأنف في المستشفيات الخاصة المتوسطة نحو 2000 إلى 2500 جنيه مصري (الدولار يساوي 6 جنيات وربع). أما شفط الدهون من البطن والأرداف فيكلف 3000 جنيه، في حين يكلف تصغير الثدي ما بين 3000 و4000 جنيه، وتجميل الجفون حوالي خمسة آلاف جنيه. وهناك عمليات أخرى تصل تكاليفها في المستشفيات الأكثر شهرة إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.
وتدور حروب بين المراكز الطبية والمستشفيات، تظهر في الإعلانات، التي ينشرها كل مركز أو مستشفى خاص، إذ يسعى كل طرف لدغدغة أحلام الفتيات، والحديث عن تحويلهن لملكات جمال، أو الإعلان عن أن لديه مواصفات خصر مطربة ما، أو صدر فنانة ما، أو شفتي ممثلة مشهورة، وهكذا.
وأصبح معتادا أن يقرأ المصريون إعلانات في الصحف تقول إن أصحابها لديهم القدرة على توفير كل ما ترغب فيه الفتاة، سواء كان وجه "نانسي عجرم"، أو قوام "أليسا"، أو جفون "أنغام"، أو عيون "هيفاء وهبي"، بعدما صارت هذه هي معايير الجمال، الذي تقدمه هذه النجمات عبر "الفيديو كليب"، وإعلانات التلفزيون.
كما انتشرت موضة الشعر الذهبي أو الأبيض أو الأصفر على الطريقة الأوروبية. بل إن بعض مراكز التجميل والمستشفيات المصرية وضعت فاتورة للعمليات بطريقة طريفة في إعلاناتها هي كالتالي:
"بسبعة آلاف جنيه تستطيعي أن تمتلكي رشاقة نانسي عجرم، عن طريق عملية لشفط الدهون، وخصر أليسا يساوى خمسة آلاف جنيه، وشفتاها بثلاثة آلاف جنيه. أما صدر هيفاء وهبي فيساوى ستة آلاف جنيه. أما عينا أنغام فتساويان سبعة آلاف جنيه أيضاً، كما أن أنف نوال الزغبي يساوي خمسة آلاف جنيه"!.
وقد دفع هذا نساء عديدات، كما يقول بعض أصحاب هذه المراكز التجميلية، لطلب ما يجري الإعلان عنه، إذ تطلب فتيات كثيرات أن يتم تحويلهن إلى نموذج أو نسخة من فنانة معينة أو مطربة مشهورة، أو يطلبن شعر ممثلة ما، وأنف أخرى، وعيون ثالثة، ورشاقة عارضة أزياء محددة، وهكذا!.
وقد نشرت صحف مصرية أنباء عن تسبب بعض هذه الإعلانات في حالة جنون لراغبات التجميل، تذهب أرباحها لنصابي بعض هذه المراكز غير المؤهلة. وقالت إن بعض هذه العمليات أدت للعديد من حالات الطلاق والانفصال في مصر، بسبب رغبة السيدات في أن يصبحن مثل نجمات "الفيديو كليب"، لإرضاء رغبات أزواجهن، الذين يعجبون بالمطربات اللبنانيات، وأنه في إحدى مناطق مصر الجديدة في القاهرة، حرّر أحد الأزواج محضراً في قسم الشرطة ضد زوجته، بسبب إنفاقها 6 آلاف دولار من مدخراته لإجراء جراحة تجميل تستطيع بها أن تفقد كثيراً من وزنها، كي تصبح برشاقة "نانسي عجرم" وتمتلك صدر مثل "هيفاء وهبي" مع شفتي "أليسا". وكانت المفاجأة أن الزوجة قامت هي الأخرى بعمل محضر ضده، تتهمه فيه بخيانتها مع "نانسي عجرم" لإعجابه الزائد بها، لدرجة أنه ملأ جدران المنزل بصورها، كما أنه يقضى معظم أوقاته أمام التلفزيون يطاردها من قناة لأخرى، مما دفعها لإجراء جراحة التجميل، وفي النهاية انتهى الأمر بطلاقهما.

مقارنة ظالمة بين ربة الأسرة والممثلة

وكثيرا ما يغضب التوجه نحو العمليات التجميلية ربات البيوت المصريات، ويرين فيه نوعا من الظلم، وكونه تعبير عن حالة الفراغ الديني والعاطفي. بل وطالبت بعضهن بمنع مثل هذه الإعلانات الساخنة، التي تظهر فتيات شقراوات شبه عاريات، أو برامج "الفيديو كليب"، الذي يدفع الكثير من الأزواج لمقارنة زوجاتهم بهؤلاء الفتيات الراقصات العاريات في الإعلانات، ويقلن إنه من الظلم مقارنة زوجة تتحمل عبء منزلها من غسيل وطبخ وتربية أولاد، وتؤثر عليها حالات الحمل المتكرر، مع نجمات السينما اللاتي لا يفعلن شيئا سوى الوقوف أمام خبراء التجميل، ولا هدف آخر لهن في الحياة!
وقد دفع هذا أيضا العديد من السيدات لسؤال البرامج الدينية في الفضائيات المصرية والعربية عن مدى حرمة هذه العمليات المختلفة، لأن أزواجهن يردنهن مختلفات. وكانت أشهر الفتاوى في هذا الصدد فتوى للشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى السابق بالأزهر الشريف يقول فيها "إن جراحات التجميل نوعان الأول علاجي كإصلاح خلل طارئ مثل التشوه نتيجة الحروق، وهو ما لا يشك عاقل في مشروعيته، والنوع الآخر يغلب عليه التجميل مثل إزالة إصبع زائدة والأصل فيه الإباحة، لكن يحظر ما يقصد به التغرير والتدليس والإغراء والفتنة مثل شد الوجه للعجوز لتبدو شابة".(قدس برس)