جرائد يومية أم أوراق يانصيب؟

في أثناء مشاهدتي لفضائية عربية مشهورة، بَثَّت تلك الفضائية، مرَّات عديدة، إعلاناً تجارياً لجريدة يومية عربية، جاء فيه أنَّ شراءكَ لها قد يعود عليكَ بجائزة قيمة، قد تكون سيارة "رولز رويس"، أو "فيلا"، أو مبلغا كبيرا من المال.
لم أُوْرِد هذا المثال للقدح في تلك الجريدة، التي لم اسمِّها، فالظاهرة.. ظاهرة "الصحافة التجارية"، أو "التجارة الصحافية"، آخذة في الاتِّساع والشمول؛ وقد اعتدناها، واعتادتها الصحف، حتى غدا النظر إليها على أنها شيء غير طبيعي هو الشيء غير الطبيعي.
إنَّ الصحافة ولا سيما الجرائد اليومية غير منزَّهة، ولا يمكنها أن تكون منزَّهة، عن التجارة، منطقاً وهدفاً وأسلوباً؛ واستثمار أموال الأفراد، أو الدولة، فيها يجب أن يعود على المستثمر بربح لا يقل عن معدَّله العام في الاقتصاد القومي، وإلا انتقلت رؤوس الأموال من الصحافة، بوصفها قطاعا تجاريا، إلى حيث الربح لا يقل عن معدَّله العام.
وأعْلَم أنَّ "الإعلان التجاري" هو شريان الحياة بالنسبة إلى الجريدة اليومية، فهو، على وجه العموم، ما يحوِّل الخسارة التجارية الأكيدة لديها إلى ربح. وإذا كان من قانون ينبغي للصحافة أن تعمل بموجبه حتى تظل محتفظة بخواصِّها الصحافية المميِّزة لها عن كل نشاط تجاري صرف فهذا القانون إنَّما هو الآتي: الصحافة تنطوي على تجارة؛ ولكن لا تَعْدِلها.
تلك الصحيفة، التي هي في روحها التجارية جزء من كل، أي مثالٌ ليس إلا، لم تُبْدِ اهتماما بما يجب أن تهتم به حتى تظل منتميةً إلى العالم الحقيقي للصحافة. إنَّها لم تهتم بما يمكن ويجب أن يؤدِّي إلى زيادة عدد قرَّائها، وإنَّما بما قد يؤدِّي إلى زيادة عدد شراتها.
لم تُبْدِ اهتماما بتطوير محتواها الصحافي، خَبَراً، ومعلومةً، وصورةً، ومقالةً، وتعليقاً، ورأياً، ولا برفع سقف الحرِّية السياسية والفكرية والثقافية فيها، وكأنَّها فضَّلت "مصالحها التجارية" على مصلحة المجتمع في أن تكون له صحافة، تمارِس فعلا "السلطة الرابعة"، وتتوفَّر على صناعة الرأي العام، والتأثير في أنماطه، وفي ميول واتِّجاهات ونزعات المجتمع، أفرادا وجماعات.
عموماً، كل قارئ للجريدة، شارٍ لها؛ ولكن ليس كل شارٍ للجريدة، قارئ لها، فالجريدة التي تجتذب إليها "الشراة غير القرَّاء" بجوائز من قبيل سيارة "رولز رويس"، و"فيلا"، ومبالغ نقدية، تُحوِّل نفسها بنفسها إلى ما يشبه "ورقة (أو بطاقة) اليانصيب"، فينمو شراتها، ليضمحل، في الوقت نفسه، قرَّاؤها.
الجريدة اليومية إنَّما هي في وجودها وعملها وتطوُّرها صراع دائم لا يتوقَّف بين مَيْلين متضادين تنطوي عليهما، هما: "المَيْل إلى الحرِّية التجارية" و"المَيْل إلى الحرِّية الصحافية".
إذا هي ارتضت أن تظلَّ على فقرها لجهة الحرِّية الصحافية، فلن تتولَّد لديها الحاجة إلى تطوير محتواها الصحافي بما يحوِّلها من "قوَّة نَبْذ (وطرد)" للقارئ إلى "قوَّة جَذْب" له، وسيشتد لديها المَيْل إلى توسيع جمهورها من "الشراة غير القرَّاء" عَبْر جوائزٍ تشبه جوائز اليانصيب.
وجريدةٌ ارتضت لنفسها أن تكون في هذه الحال، التي يجتمع فيها الفشل الصحافي مع الفشل التجاري، لا تملك من جمهور الشراة ـ القرَّاء إلا ما يملك منه "القارئ غير السياسي وغير الثقافي" حصَّة الأسد، فـ "الإعلان"، بأنواعه، وليس الخبر أو المقالة.. ، هو الذي يجتذب إلى الجريدة القسم الأكبر من هذا الجمهور، وكأنَّ الجرائد اليومية، على كثرتها وتكاثرها، اسْتَنْفَدت، أو تَسْتَنْفِد، قدرتها على تلبية الحاجات السياسية والفكرية والثقافية للمواطنين على اختلاف ميولهم ونزعاتهم واتِّجاهاتهم.
حتى الآن، لم نرَ من صحافتنا اليومية إلا ما يُظْهِر ويؤكِّد التناقض السخيف بين جرائد يومية تربح تجاريا لتخسر صحافيا، وبين جرائد يومية تربح صحافيا لتخسر تجاريا، فمتى يعتدل تطرُّف هذا التناقض، فنرى توازناً، أو شيئاً منه، بين الربحين، الربح الصحافي والربح التجاري؟! جواد البشيتي