جرأة تنحني للسلطة في 'كلمني شكرا'

بقلم: من محمد الحمامصي
إيحاءات جنسية مجانية

مشاهدة فيلم "كلمني شكرا" للمخرج خالد يوسف الذي يأتي امتدادا لأفلامه "حين ميسرة" و"دكان شحاتة" تكشف لنا أن رؤيته لمصر ـوهي رؤية كثيرا ما تكون فجةـ لا تخرج عن كونها حارة كبيرة للعاطلين والشحاذين والمعتوهين واللصوص والقوادين والداعرات.
ليست المشكلة في الرؤية الواقعية التي يطرحها للمجتمع المصري، فمن حقه أن يرى الأمر من أي زاوية شاء، ولكن المشكلة أنه لا يقدم سينما ولا يقدم معالجة فنية سينمائية لهذه المشكلات أو الأزمات أو المآسي التي جعلت من المجتمع المصري أشبه ببركة عفنة.
أعتقد أنه ليس هناك في السينما المصرية فيلم شديد القسوة في بنيته كموضوع ومعالجته كسينما لتشكل صدمته وفضائحيته صفعة قوية لواقع السلطة والنظام في مصر من فيلم "الكرنك" لعلي بدرخان، ومع ذلك يظل كل مشهد من مشاهده درسا في كيفية الإخراج السينمائي والأداء التمثيلي والديكور والإضاءة والملابس والسيناريو والحوار. هذا الفيلم حمل مشاهد اغتصاب سعاد حسني وعلاقتها بزميلها نور الشريف، لكن هذه المشاهد حملت رسالة من أقسى رسائل الفيلم وأقواها، رمى اغتصاب سعاد إلى مصر، إلى السلطة، إلى السقوط.
لكن في أفلام خالد يوسف الذي يدعي أنها تحمل رسالة وأن جميع ما يأتي به من مشاهد جنسية وإيحاءات وإفيهات ونكات موظف دراميا، لا نرى تلك الصناعة، صناعة الكدر السينمائي، الرؤية البصرية السينمائية، ممثليه يحكم حركة أدائهم الارتجال والفهلوة بل يمكن القول إن أداءهم أشبه بالإفيهات التي لا تحكمها مقاييس.
البعض يرى في أعماله جرأة وكسر لتابوهات الجنس والدين والسياسة، لكن ما تقوله أفلامه لا يحمل أي جرأة أو كسر، الجرأة ليست تعرية امرأة في مشهد، ليست حتى ممارسة الجنس صراحة، ليست إعلانا للخيانة أو طرحا للمحرم، الجرأة ليست رجلا بذقن وزبيبة في جبهته يصبح داعرا، وليست شبابا متزمتين دينيا يحملون السنج والمطاوي والقنابل.
جرأة خالد يوسف اقتصرت على هذا التوجه الفج الذي لا يحمل رسالة فكرية تغير من المفهوم أو تحارب مفاهيم تنخر في جسد الأمة المصرية أو تقاوم الآليات التي تعمل على اتساع هذه الدوائر الفاسدة في المجتمع المصري.
هذه العشوائيات التي يرى فيها مكانا للدعارة ولولادة الإرهاب والعنف، من الذي صنعها؟ من الذي يغذيها؟ من الذي يرعاها لتشكل تهديدا للأمة المصرية؟ أليس هو النظام المصري، لماذا لم يقدم إشارة أو مشهدا يفضح فيه هذا النظام الذي خلق هذا ودعمه؟
ولقد جاء فيلمه الأخير "كلمني شكرا" تأكيدا على ثوابت رؤيته الفجة التي تقوم على الجنس والعنف والإيفيه التي توزعت بين بطل الفيلم عمرو عبد الجليل الذي كرر نفسه أيضا بطريقة كلامه المعتادة في أفلام خالد يوسف، لذلك ظهرت إفيهاته مكررة ومتوقعة، فضلا عن أن بعض الأحداث جاءت بشكل غير منطقي وخاصة في المشهد الاخير عندما ظهر "صلاح معارك" وقام بدوره ماجد المصري كضيف شرف في الفيلم اذ قام باصطحاب عدد من البلطجية الذين يحملون عددا من الأسلحة لخطف غادة عبد الرازق .
واستعرضت غادة عبد الرازق مجموعة من قمصان النوم منذ أول مشهد لها في الفيلم وحتى آخر مشهد بالإضافة إلى عدد من الرقصات المثيرة، ومن مشاهدها الجنسية بعيدا عن مشاهد إبراهيم توشكي مشهد ممارسة الجنس بمنتهى البساطة مع صاحب المنزل لسداد الإيجار.
والوجه الجديد حورية التي قامت بدور شقيقة غادة في الفيلم تقوم بدور فتاة تجلس طوال اليوم على الإنترنت لتتعرف على الشباب وتغريهم بجسدها حتى تحصل منهم على رصيد عبر الموبايل.
ولنأخذ نموذج مشهد داليا إبراهيم "عبلة" التى تجمعها علاقة حب مع عمرو عبد الجليل، وهما على السرير حيث يحاول أن يمارس الجنس معها:
- النُص الفوقاني بس
- اشمعنى النص التحتاني لأ؟
- النص التحتاني ده ليلة الدخلة
- اشمعنى النص الفوقاني هو اللي شغال؟
- عشان فيه قلبي
- طب أنا قلبي تحت، حاسبي بقى عشاق قلبي حيقف.

هكذا أصبحت حرية السينما المصرية حرية هابطة لا تدعم تطورا في الرؤية السينمائية، لا على مستوى المكان الذي تعمل داخله، ولا مستوى الإضاءة أو الديكور، ولا السيناريو والحوار، فالحارة في هذا الفيلم مثلها مثل حارات خالد يوسف السابقة لا تحمل أي بعد أو ملمح حقيقي يشتبك أو يتلاقي مع ملامح الحارة المصرية حتى في بعدها العشوائي، هناك مسخ لا أعرف له زمانا أو مكانا حتى في تلك الأماكن التي يدعي خالد يوسف أنه عرفها وعرف تركيبتها.

محمد الحمامصي - القاهرة