جذور الاغتراب المتبادل بين المكونات الصومالية

بقلم: محمود محمد حسن عبدي

شعور الصوماليين بوحدتهم العضوية، حديث نسبيًا لو قورن بشعوب وأمم أخرى، تستحوذ على مساحة أصغر من الأرض، أو تشتمل على تعدادٍ أقل من السكان، إذ لم يجمعهم كيان واحد شامل، قبل قيام جمهورية الوحد الصومالية سنة 1960، لكن تاريخ القبائل الصومالية شأن شعوب كثيرة، يزخر بانحياز الصوماليين لبعضهم ضد الدخلاء، وحرصٍ استمر طويلًا على غلق البلاد أمام الأعداء، بكل ما تتيحه الظروف من وسائل، ومهما كانت قوة العدو ونفوذه.

وقد كان ترامي أطراف البلاد، التي تقارب مساحتها مليون كيلومتر مربع ـ تساوي مساحة ألمانيا واليابان وبريطانيا مجتمعة ـ،، واستمرار دول المدينة الواحدة ـ مقديشو وزيلع القرن الثالث عشر ـ أو الإقليم الحضري المحدود ـ سلطنتي أجوران وبيومال ـ أو الروابط القبلية والتحالفات ـ سلطنات مجيرتين وهوبيو وماخر ـ، مدعاة لوجود نقاط صراع بين مكونات الرقعة الجغرافية التي يتوطنها الصومالين.

ولم يمهل الزمن التطور الوئيد لنظم الحكم في البلاد، والذي بلغ ذروته في توحيد سلطنتي "عدل" و"إيفات" في الشمال ومركزاها "هرر" و"زيلع"، ونشوء وحدة " إقليم بنادر" الذي امتد بنفوذه جنوبًا من مركزه "مقديشو" حتى "مركة وبراوة" وأبعد من ذلك، فتوالت الضربات بدءًا بالقرن السادس عشر، على يد البرتغالين، مرورًا بالحصار الذي جلبته القرصنة الأوروبية، التي استباحت المحيط الشرقي والبحر الأحمر والخليج.

ولقد كان التوجه الطبيعي المتوقع للشعب الصومالي وكياناته، أن تبلغ ذروة اكتمال النظم السياسية، عبر توسع السلطنات الموجودة على أرض الواقع، والانتقال من مجال الصراعات المحدودة والقبلية، إلى صراعات سياسية كبرى، تبتلع فيها تلك السلطنات الأقوى، ما حولها من الكيانات الضعيفة، ومن ثم الانتقال لمراحل تتوجه فيها القوى الوطنية الكبرى، إلى الاندماج فيما بينها عبر الحرب، أو الاتحاد المبني على التحالف والتصاهر، وانتقال العروش تدريجيًا، لتكون في يد أسرة حاكمة واحدة ـ كما تكرر كثيرًا في التاريخ الإنساني ـ، فتجعل البلاد كلها في قبضتها، ويصبح الصوماليون ومن في حكمهم رعايا مطيعين، وجنودًا مخلصين، وشعبًا منضبطًا يقوم بما هو عليه من واجبات مالية وسياسية للأسرة الحاكمة، التي بدورها تؤمن الحماية له، وتحفظ كرامة رعاياها، لكن ذلك للأسف لم يحدث، ولم تكن بلاد الصومال تتعافى من هزات التدخل الأجنبي، في عدوانه وفتنه، حتى تتعرض لكوارث يختلط فيها الفعل البشري، والتقلب المفاجئ للعوامل البيئية.

وقد كان أحد أكثر العوامل التي، أدت لصعوبة تتبع الحوادث التاريخية الكبرى للصوماليين، والتي شكلت علامة فارقة في وجودهم، ندرة التدوين واعتماد لغات أجنبية عن الأرض، في رصد وتدوين ما كانت تمور به البلاد من تغيرات سياسية وعسكرية، فالنظم الملكية الناضجة، والتي حظيت بفترات استقرار تقاس بالقرون، كانت من النوادر التي تميز البلاد، وكان طغيان البداوة مستمرًا، وباقيًا على صلته الوثيقة بتقلبات الأحوال البيئية، مؤديًا ذلك للنمو السكاني الكبير في سنين الخصب، وما يليها من اجتياح القبائل للمراكز الحضرية في فترات المحل، بما حمل الكثير من المخاطر على استمرار التطور الحضاري الثابت للبلاد، ونظمها السياسية المستقرة، وجعل الحضارة في البلاد كلها خاضعة للبادية، بدلًا من أن تكون قائدة لها، في ظل عجزها عن الحصول على البرهة الزمنية الملائمة، التي تتيح لها تكوين الثروة التي بها، تتمكن من الاستعانة بالمميزات النفسية للبدو، وتسخير القيم الأخلاقية/الاجتماعية للبداة، في تأسيس جيوش قوية تستطيع بها فرض استقلالها عن محيطها، بل واستتباعه ليدور في فلكها، ولا يمكن رصد تلك الظاهرة بوضوح، سوى في منحى الأحداث التي تلي توحيد سلطنتي "عدل" و"إيفات" بالقرن السادس عشر، وتحول إمارات "الطراز الإسلامي"، لقوة إقليمية بعد أن كانت مستباحة تمامًا من قبل إمبراطور الحبشة.

إن كل تلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وما يؤكد لها من غياب فعلي للكيان السياسي الموحد والقديم، مع ندرة شديدة في التوثيق للتحالفات الكبرى، وما حولها من أحداث، جعل التسليم بوحدة البلاد، رغم كل عوامل وحدة للشعب، أمرًا يحتاج للمراجعة، في ظل حالة من الصراع الداخلي تجعل التنافر أمرًا بديهيًا، تعضده قراءة غير منصفة للتاريخ، مستندة على حالة التشرذم القديم، في منح شرعية تلقائية، لما يحجب محاولات صادقة لإزالة الاغتراب المتبادل بين فئاته المختلفة، وساعية لضمان الوصول بالجهد والحوار لوحدة متينة، تحتاج للكثير من العمل والتضحيات، لتخرج من مخاضها بين تهافت التسليم المجرد بها، وضحالة النفي القاطع لوجودها، إلى صلابة الواقع المكتمل التأسيس والبناء.

محمود محمد حسن عبدي

كاتب وشاعر من الصومال