جدل في مصر حول «الخلوة الشرعية» للسجناء

القاهرة - محمد جمال عرفه
نصف المعتقلين المصريين متزوجون

تصاعد الجدل الحاد في مصر بشأن مسألة السماح لقرابة 60 ألف مسجون ومسجونة، في 44 سجنا مصريا، بـ"الخلوة الشرعية"، وإقامة العلاقة الزوجية داخل أسوار السجون، في أعقاب إصدار مفتي مصر فتوى رسمية تبيح ذلك، وتعلق التنفيذ على "ما تراه جهة الإدارة صالحا للمجتمع"، وسط تضارب واضح في الإفتاء بين علماء الدين، وقيام وزارة الداخلية المصرية ببحث إمكانية التنفيذ، واعتبار محامين أن المسألة جرى تضخيمها، وأن هناك قضايا أهم، مثل إطلاق سراح آلاف المعتقلين السجناء.
ورصدت "قدس برس" خلافا طريفا بين "المفتين" وعلماء الدين في مصر، وبين "المفتيات" من أساتذة الكليات الأزهرية، بشأن أهمية منع أو منح هذه الخلوة الشرعية للسجناء، إذ مالت غالبية الآراء، خصوصا الرجال، باتجاه تأييد حق الخلوة الشرعية، لأسباب فقهية واجتماعية، فيما رفضت مفتيات، منهن الدكتورة سعاد صالح، أستاذة الفقه بجامعة الأزهر، تطبيق الفكرة في السجون، رغم ما قد تعانيه زوجات المسجونين نتيجة ذلك.
فقد أيد عدد كبير من علماء الأزهر والمفتون المصريون حق الخلوة الشرعية للمسجونين، باعتبار أن "العقوبة شخصية"، ولا يجب أن تطال آخرين كالزوجة، وأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل السيدة حفصة عن الفترة التي تصبر فيها المرأة على زوجها فقالت أربعة أشهر، ما يؤكد ضرورة الخلوة في فترة أقصاها هذا التاريخ، وطالبوا ومنهم الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر السابق، سلطات السجون المصرية بتوفير أماكن آمنة، بعيدة عن أعين المتطفلين للخلوة لحماية الأسر من الانحراف الأخلاقي والسلوكي، في ظل تعدد الفتن والشهوات، ومنافذ الشيطان، ولحماية المساجين أنفسهم من الانحراف والشذوذ.
وعلى العكس ترى الدكتورة سعاد صالح، ويشاطرها الرأي بعض رجال الأزهر، أن السماح بالخلوة "يخل بالمعني الحقيقي للعقوبة"، ويضيع حق المجتمع في القصاص من السجين، وتقول ردا على ما يقال بأن الزوجة تعاقب مع زوجها بحرمانها من الخلوة الشرعية، إن الزوجة ليست وحدها المتضررة، ولكن هناك ضرر يلحق بالأبناء أيضا ترتيبا على خيرية الأب.
وتقلل الدكتورة صالح من شأن ما يقال عن انتشار الشذوذ بين السجناء، في حالة رفض الخلوة الشرعية، وتقول إنه بالرعاية الشاملة للسجناء، اجتماعيا ونفسيا وصحيا وثقافيا ودينيا، يمكن تقليل ذلك والقضاء على ما قد يتوقع من هذا الشذوذ، كما تنصح المرأة التي لا تحتمل فترة سجن زوجها أن تطلب الطلاق. 12 قضية لتقنين الخلوة ويؤكد محامون مصريون أنهم قاموا برفع قضايا جديدة، نيابة عن زوجات مسجونين، للسماح بتطبيق الخلوة الشرعية، وتوفير أماكن آمنة وآدمية لذلك، مؤكدين أنه تم رفع أكثر من 12 دعوى قضائية، بعضها تنظرها المحاكم الآن، والبعض الآخر ينتظر أن يتم تحديد موعد لنظرها في شهر تشرين أول (أكتوبر) المقبل.
ويؤكد المحاميان منتصر الزيات وممدوح إسماعيل أنهما رفعا عدة قضايا، نيابة عن زوجات المعتقلين والمسجونين من أعضاء الجماعات الإسلامية، وجماعة الجهاد، للمطالبة بتقنين الخلوة الشرعية رسميا، وإصدار قوانين وقرارات بتنفيذها، وتوفير أماكن لقضائها بطريقة لا تهدر حقوق الزوجات ولا تهينهن.
ويقول ممدوح إسماعيل إنه ليس هناك منع حقيقي في لائحة السجون أو القانون، بخصوص الخلوة، وأن القانون سكت عنها، ما يعني أنها مباحة، وليس عليها حظر، ولكن المشكلة في أنها تعطى لبعض المساجين كمنحة، ويتم منعها عن الآخرين، كما إنها تتم بطريقة مهينة ومذلة للزوج والزوجة. ويقول إن الإعلام الحكومي صور الأمر على أنه ترف للمساجين، في حين أن واقع السجناء والمعتقلين بائس للغاية، وهناك قضايا أهم من الخلوة، مثل المعتقلين منذ سنوات تصل إلى 17 عاما، دون عقوبة محددة.
فيما يؤكد المحامي منتصر الزيات أن الخلوة كانت مطبقة قبل سنتين على أعضاء الجماعات الإسلامية، ولكنها غير منظمة، وأنه يطالب بتعميمها على جميع السجناء، لا على البعض دون الآخرين، وأن يتم تطبيقها بشكل محترم، مؤكدا أن الخطوة التالية له عقب حكم القضاء بإلزام وزارة الداخلية بتقنين الخلوة هي إلزامهم بتوفير أماكن محددة لقضاء الخلوة، بشكل يحفظ كرامة الزوج والزوجة، ويكفل أبناءهما.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، يوجد في مصر 44 سجناً، منها 10 سجون تم إنشاؤها عامي 2000 و2001، بتكلفة قدرها مليار جنيه. ويقدر عدد نزلائها ما بين 30 إلى 45 ألف سجين، بالإضافة لحوالي 15 ألف معتقل سياسي، نصفهم تقريبا متزوجون.
وقد شاركت جمعيات حقوق الإنسان ومساعدة السجناء المصرية في الدعوة لتطبيق الخلوة الشرعية، ورحبت بفتوى مفتي مصر الدكتور علي جمعة. ودعت السلطات المصرية لتنفيذها، على اعتبار أن قانون السجون رقم 396 لسنة 1956 وفي المواد الخاصة بالزيارة والمراسلة، لا يوجد فيه ما يمنع أو ما يبيح للسجين لقاء زوجته ومعاشرتها المعاشرة الزوجية المعتادة، أثناء قضاء فترة العقوبة بالسجن.
وقالت إن الدستور المصري شدد على ضرورة احترام الحقوق الشخصية والإنسانية، وحمايتها من الاعتداء عليها، أو المساس بها، أو الانتقاص منها، بأي شكل من الأشكال. ونص في المادة 66 على أن "العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون".
ونص القانون أيضا في المادة 42 على أن كل مواطن يقضى عليه بحبس، أو تقيد حريته بأي قيد، يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز إيذاؤه بدنيا أو معنوياً، كما لا يجوز حجزه أو حبسه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون.
وكان مفتي مصر قد أصدر فتوى في 29 تموز (يوليو) 2004، ردا على سؤال لمواطن مصري يسأل عن حكم الشرع "في اختلاء المسجون بزوجته"، قال فيها إنه "يجوز شرعا اختلاء المسجون بزوجته، وكذلك الزوجة المسجونة بزوجها، لممارسة الحقوق الشرعية الخاصة بالزوجين، وليس هناك ما يمنع في الشريعة من ذلك، لأن العقوبة في الإسلام شخصية، لا تتعدى الجاني إلي غيره"، إلا أن المفتي قال في نهاية فتواه "والأمر في ذلك راجع إلى جهة الإدارة، لفعل ما تراه صالحا للمجتمع من المنع أو الإباحة".
وقد أثار هذا الأمر جدلا بين فقهاء دين وحقوقيين وخبراء اجتماع، أجروا أبحاثا على السجناء، بشأن ضرورة التنفيذ الفوري للفتوى أو دراسة الأمر، خصوصا أنه لا توجد أماكن لقضاء هذه الخلوة، ولا تتم حاليا بشكل آدمي، وغالبا ما تتم لقسم قليل من السجناء كمنحة من إدارة السجن، وخصوصا أعضاء الجماعات الإسلامية، سواء في حجرات مستشفى السجن، أو في خيمة من القماش، في حجرة زيارة السجناء داخل السجن، يحرسها زملاء المسجون الذي يختلي بزوجته.
وقالوا إن عدم السماح بالخلوة ترتب عليه انتشار أمراض اجتماعية منها زيادة نسبة الزوجات المطالبات بالطلاق، نتيجة الضرر، لقطع العلاقة الزوجية، وعدم وجود من ينفق على الأبناء، فضلا عن ظهور حالات شذوذ في السجون، قدرتها بعض الدراسات بـ 40 في المائة من المساجين.
وقد أكدت مجلة "المصور" الحكومية المصرية في عدد الصادر يوم 3 أيلول (سبتمبر) 2004 أن الحكومة المصرية بدأت التعامل مع فتوى المفتي المطالبة بالسماح بالخلوة الشرعية، وقالت إن وزارة الداخلية المصرية المسؤولة عن السجون شكلت لجنة برئاسة اللواء محمود وجدي، مساعد وزير الداخلية لشؤون مصلحة السجون، لدارسة مسألة الخلوة الشرعية، وإمكانية الاستجابة لها.
فيما أكد نواب برلمانيون أن مجلس الشعب المصري يستعد لإقرار قانون يسمح بالخلوة الشرعية للمسجونين، بعد فتوى المفتي، وأن القانون الجديد الذي يطالب به بعض النواب يطالب باللقاء الشرعي والمعايشة 3 مرات في الشهر، وأنه تقرر تحويل الفتوى إلى مشروع قانون جديد، من المنتظر أن يصدر في بدايات الدورة البرلمانية الجديدة (تشرين ثاني/نوفمبر 2004)، خاصة بعد أن قررت الحكومة تكثيف دراساتها بشأن إعداد مشروع القانون لإحالته على البرلمان.