جدل شديد حول تولي المرأة المصرية القضاء

القاهرة - من إيهاب سلطان
المحاكم المصرية تستعد لاستقبال اول قاضية

حظي قرار اعتلاء أول امرأة مصرية منصة القضاء، والمتوقع صدوره خلال الأيام القلية القادمة، بكثير من الاهتمام والجدل ولا سيما أنه كان توصية من توصيات مؤتمر المرأة الذي عقد مؤخرا برئاسة سوزان مبارك، والتي أشارت إلى التجارب العربية الناجحة في تعيين المرأة بمناصب القضاء.
وتساءلت في كلمتها "كيف وأن مصر، رائدة الدول العربية، تتخلف عن هذا الركب وتحرم المرأة من حقها في كرسي القضاء دون سند مشروع؟ خصوصا وأنه لا يوجد في الشريعة الإسلامية نص يحرم على المرأة ذلك".
وانقسمت الآراء في تولي المرأة المصرية القضاء ما بين مؤيد ومعارض.
البعض ساند المرأة في الحصول على حقها حيث تقول د. فوزية عبد الستار الرئيسة السابقة للجنة التشريعية بمجلس الشعب أنه بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية فهناك ثلاث توجهات الأول يمنع اشتغال المرأة تماما بالقضاء والثاني يخير المرأة أن تعمل في القضاء والثالث وهو عن أبي حنيفة ويشير إلى جواز اعتلاء المرأة كرسي القضاء فيما عدا الحدود والقصاص، وهو جانب من التشريع الجنائي والحل الوسط هو أن يحق للمرأة العمل في محاكم القضاء الإداري المدني ومجلس الدولة والأحوال الشخصية والأحداث.
وتضيف د. فوزية أن الدستور المصري يقرر المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة ومن بينها تولي المرأة القضاء فلا تميز بين المواطنين ولا يمنع الدستور اشتغال المرأة بالقضاء. وأيضا القوانين التي تدور في فلك الدستور وقانون السلطة القضائية ومجلس الدولة والنيابة الإدارية لا تشترط من بين شروط التعيين شرط الذكورة والسلطة التشريعية بريئة من هذه العرقلة من مسيرة المرأة نحو القضاء.
وأوضحت د. فوزية أن العقبة التي دائما كانت تقف أمام إنصاف المرأة المصرية في توليها القضاء كانت في الجهة الإدارية المختصة بالتعيين التي تتلخص في المواءمة في التعيين وليس الاخلال بمبدأ المساواة قانونا وبالتالي لم تصدر قاعدة عامة مطلقة تقضي بأن المرأة لا تصلح في كل زمان لتولي منصب القضاء.
ومعنى هذا أن المرأة تصلح على الأقل في بعض الأوقات. والآن شغلت المرأة كل المناصب ونالت حقوقها السياسية وأصبحت مسيرة المرأة حاليا تفرض على الجبهة الإدارية أن تقبل تعيين المرأة في منصب القضاء.
بينما أكد د. أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب المصري على أن الدستور المصري نص على مبدأ المساواة بين المواطنين وبالتالي فإن منع المرأة من تولي ولاية القضاء بنص قانوني أو قرار لائحي أمر مخالفا للدستور.
وأضاف د. سرور أن اعتبارات الملائمة في اختيار المرأة لتقلد بعض الوظائف هي التي دعت إلى عدم اختيارها لشغل هذه الوظائف ومنها القضاء مشيرا إلى أن اعتبارات الملائمة قابلة للتغيير بتغير الظروف وليست مسالة جامدة تمنع تولي المرأة لكافة الوظائف طالما توفرت فيها شروط الصلاحية لشغلها.
ولا يجوز كما يقول د. سرور أن يكون من بين هذه الشروط أنها "امرأة" لأن ذلك يخالف مبدأ المساواة الذي كفله الدستور والآية الكريمة "وإذا حكمتم بين الناس فأحكموا بالعدل" وهذا الأمر الإلهي والخطاب من الله عز وجل موجه للرجل والأنثى على حد سواء والخطاب هنا عام دون تفرقة أي أن المرأة بنص القرآن الكريم لها أن تتولى أمر القضاء وأن تحكم بين الناس بالعدل .. فهل بعد ذلك حجة دامغة؟.
ويتعجب المستشار سمير صادق نائب رئيس مجلس الدولة السابق من عدم اعتلاء المرأة منصة القضاء حتى الآن طالما لا يتعارض مع طبيعتها كامرأة ولا مع القواعد الإسلامية وإنما الأمر كله مسألة "ملائمة" كما يقول.
ويقول المستشار صادق أن ظروف المجتمع المصري الحالية لا تحول دون تولي المرأة منصب القضاء خاصة وأنها تمارس بالفعل الاختصاص القضائي وتفصل في خصومة قضائية بمعناها الفني مثلما الحال في مشاركتها بلجان مجلس الشعب أو لجنة منح الدرجة العلمية أو في لجان الإدارية لمحاكمة العاملين أو لجان الطعن في الضرائب أو اللجان الثلاثية التابعة لقانون العمل أو ما تقوم به من تحقيقات في النيابات الإدارية وتوصي بتوقيع عقوبات ضد العاملين بالدولة والهيئات العامة.
ويؤكد المستشار صادق أن تولي المرأة للقضاء حق من حقوقها المشروعة خاصة وان الأحكام القضائية عرضة للطعن والإلغاء أمام درجات التقاضي الأعلى. المعارضون: المساواة لا تعني تولي القضاء وعلى الجانب الآخر يرى البعض ومن بينهم فقهاء في القانون المصري أنه لا يجوز للمرأة ولاية القضاء حيث كتبت عليه عبد الغني المحامية بالنقض في صحيفة أخبار اليوم تحت عنوان "أرفض أن أصبح قاضية" لأن تولي المرأة للقضاء لا يستند إلى إجماع في الأحكام الشرعية وإنما أغلبها اجتهاد لبعض الفقهاء بل أنهم يرون أن توليها القضاء يكون إثما وتكون ولايتها عندهم باطلة وقضاؤها غير نافذ فيما تقبل فيه شهاداتها وهذا رأي فقهاء مذهب المالكية والشافعية والحنابلة فلا يجوز أن يأتي فقيه مصري ويستند إلى المذهب الحنفي والذي فيه شرط ولاية المرأة للقضاء شرط جواز وليس شرط صحة.
واستطردت المحامية علية في حديثها قائلا "وأقول كامرأة عملت بالمحاماة وخبرت منصة القضاء بطول وقوفي أمامها لأن أسرتي كلها قضائية أن المرأة لها طبيعة جسمانية تختلف عن الرجل وكذلك طبيعة فسيولوجية مختلفة تماما عن الرجل وأن الدستور المصري لا يلزم المشرع بتعيين المرأة في سلك القضاء فلا تعني المساواة أن تدخل المرأة في مباراة جسمانية مع الرجل أو يضع الشرع قواعد إجبارية لتجنيد المرأة في القوات المسلحة".
ومن ثم فلا يعقل أن تتساوى المرأة مع الرجل في حمل عبء القضاء الثقيل وهو مركز الأعباء كلها ومركز الأمانة وأولى بالمرأة وبنظام مصر أن يفتح مجالات العمل الاجتماعي والسياسي لها على أوسع نطاق فالمرأة تستطيع أن تكون سياسية وتشريعية عظيمة بل حاكمة إقليم مثلا فلم نر في مصر بعد محافظا امرأة وقد أقبل أن أكون محافظا ولا أقبل أن أكون قاضية.
بينما يقول المستشار عبد الرازق أحمد مصطفى نائب رئيس الاستئناف "لا للمرأة القاضية" أن منصب القضاء من أهم المناصب في الدولة وهو رسالة سامية وليس مجرد وظيفة فالقاضي خليفة الله في الأرض فيحاول جاهدا الوصول إلى وجه الحق في المنازعات المطروحة عليه ليحكم بين الناس بالعدل.
ويضيف المستشار عبد الرازق أن القاضي لا يعين في القضاء مباشرة وإنما يتدرج من درجة "معاون نيابة" حتى درجة مستشار ويستمر بالنيابة العامة كالقتل والسرقة والحريق والإتلاف واغتصاب الإناث بالقوة وهتك العرض والزنا وغيرها.
وفند المستشار عبد الرازق رفضه لتولي المرأة القضاء في مصر إلى ثماني أسباب هي أن طبيعة العمل القضائي لا يتناسب والظروف الخاصة بعمل المرأة بالنيابة العامة والانتقال الدائم إلى مكان الحادث بدون مواقيت محددة ومعاينة الجثث والقتلى بطعنات مختلفة بالإضافة إلى خجلها وحيائها يمنعها من التحقيق في الجرائم الجنسية وغيرها من الأمور الشاقة على المرأة.
كما أن القول بتعيين المرأة في قضاء الأحوال الشخصية أو نيابة الأحداث فقط قول فاسد لأن ظاهرة الرحمة وباطنة العذاب لأن مفاده التمييز بين الرجل والمرأة لصالحها فتصبح في حالة أفضل من الرجل وأكثر راحة منه ولأنها جاءت إلى هذا المنصب الرفيع لتتساوى مع الرجل وليس للتميز عنه فهذه التفرقة مرفوضة شكلا وموضوعا.
ويضيف المستشار عبد الرازق أن المرأة لا تستطيع التوفيق بين عملها القضائي وبين دورها الأساسي في المجتمع كزوجة وأم لأن ذلك يأخذ معظم وقتها فتنشغل عن تربية الأولاد.
كما أن مسالة المساواة بين المرأة والرجل لها حدود فهي ليست مطلقة وإلا كانت منافية بين البشر والكون وإلا فلماذا لا تطالب بتولي منصب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو التجنيد بالقوات المسلحة.
كما أن الحكم في القضايا يتطلب المداولة السرية بين القضاء وهي لا تكون شرعية بين المرأة والرجل لأنها تثير الشبهات لدى بعض المتقاضين والقضاء له هيبته ووقاره كما أن تعيين المرأة في النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة لا يعني صلاحيتها في النيابة العامة أو القضاء العادي لاختلاف طبيعة العمل في كل منهما.